![]() |
![]() ![]() |
![]() |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| |
| ||||||||
| أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّنَا في زَمَنٍ تَوَالَتِ الفِتَنُ فِيهِ وَتَسَارَعَ عَرضُهَا عَلَى القُلُوبِ ، وَكَثُرَت مُلامَسَةُ النَّاسِ لها وَمُنَادَمَتُهُ م لأَهلِهَا ، فِتَنٌ يَرَاهَا المَرءُ في طَرِيقِهِ وَسُوقِهِ وَلَو لم يَقصِدْ إِلَيهَا ، وَيَعِيشُهَا في مُجتَمَعِهِ وَلَو لم يَرغَبْ فِيهَا ، وَتُعرَضُ عَلَيهِ في بَيتِهِ وَمَقَرِّ عَمَلِهِ بِوَسَائِلَ خَادِعَةٍ وَأَسَالِيبَ مَاكِرَةٍ ، فِتَنٌ تَطَايَرَ هُنَا وَهُنَاكَ شَرَرُهَا ، وَتَعَدَى الحُدُودَ أَثَرُهَا وَزَادَ خَطَرُهَا ، مَن لم يُصِبْهُ لَهَبُهَا اكتَوَى بِحَرِّ جَمرِهَا ، وَمَن لم يَصْلَ سَعِيرَهَا أَصَابَهُ دَخَنُهَا ، غَيرَ أَنَّ ذَلِكَ لم يَخلُ مِن حِكَمٍ إِلَهِيَّةٍ بَالِغَةٍ ، مِن أَهَمِّهَا أَن يَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجعَلَ الخَبِيثَ بَعضَهُ عَلَى بَعضٍ فَيَركُمَهُ جَمِيعًا فَيَجعَلَهُ في جَهَنَّمَ . وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ الشَّارِعَ الحَكِيمَ لم يَدَعِ المُسلِمَ تَتَهَاوَى بِهِ الفِتَنُ دُونَ دِلالَةٍ إِلى مَا يَعصِمُهُ مِنهَا وَيَحمِيهِ مِن شَرِّهَا ، بَل لَقَد أَرشَدَهُ إِلى الاستِقَامَةِ وَأَمَرَهُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الصِّرَاطِ حَتى المَمَاتِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَاعبُدْ رَبَّكَ حَتى يَأتِيَكَ اليَقِينُ " وَإِنَّنَا وَنَحنُ نَعِيشُ سُقُوطًا لِبَعضِ مَن كَانَ عَلَى الجَادَّةِ في مُستَنقَعَاتِ الفِتَنِ ، وَنُعَايِشُ سَيرَ آخَرِينَ في رِكَابِ المَفتُونِينَ ، وَنَرَى في المُقَابِلِ مَن ثَبَّتَهُمُ اللهُ مِن عُلَمَاءِ الأُمَّةِ وَدُعَاتِهَا وَالآمِرِينَ بِالمَعرُوفِ فِيهَا وَالنَّاهِينَ عَنِ المُنكَرِ ، لَنَتَذَكَّرُ مَا قَصَّهُ ـ تَعَالى ـ في سُورَةِ هُودٍ عَلَى نَبِيِّهِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ مِن قَصَصٍ تُبَيِّنُ سَبِيلَ الحَقِّ وَتُعَرِّي أَهلَ البَاطِلِ ، ثم مَا خَتَمَ بِهِ مِن بَيَانِ مَصِيرِ كُلِّ فَرِيقٍ وَعَاقِبَتِهِ حَيثُ قَالَ : " وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّه ُم رَبُّكَ أَعمَالَهُم إِنَّهُ بِمَا يَعمَلُونَ خَبِيرٌ . فَاستَقِمْ كَمَا أُمِرتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطغَوا إِنَّهُ بما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ " فَبَيَّنَ ـ سُبحَانَهُ ـ أَنَّهُ مُوَفٍّ كُلاًّ مَا عَمِلَ ، وَأَنَّ كُلاًّ مُلاقٍ مَا قَدَّمَ ، ثُمَّ عَقَّبَ بِأَمرِ نَبِيِّهِ وَأَتبَاعِهِ بِالاستِقَامَةِ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ ، وَلا يَخفَى عَلَى مَن وَفَّقَهُ اللهُ وَسَدَّدَهُ سِرُّ هَذَا الأَمرِ الصَّرِيحِ لَهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَلأَتبَاعِهِ بِلُزُومِ الاستِقَامَةِ وَالبَقَاءِ عَلَى الدِّينِ القَيِّمِ وَسُلُوكِ الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ مِن غَيرِ عِوَجٍ عَنهُ يَمنةً وَلا يَسرَةً ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ لم يَزَلْ سَاعِيًا في إِضلالِ بَني آدَمَ عَن طَرِيقِ الاستِقَامَةِ ، حَيثُ يَقُولُ عَدُوُّ اللهِ ـ فِيمَا حَكَى اللهُ عَنهُ ـ : " قَالَ فَبِمَا أَغوَيتَنِي لأَقعُدَنَّ لَهُم صِرَاطَكَ المُستَقِيمَ . ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِن بَينِ أَيدِيهِم وَمِن خَلفِهِم وَعَن أَيمَانِهِم وَعَن شَمَائِلِهِم وَلا تَجِدُ أَكثَرَهُم شَاكِرِينَ " وَإِنَّ أَمرَهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ بِالاستِقَامَةِ وَهُوَ إِمَامُ المُستَقِيمِينَ ، إِنَّمَا هُوَ في الحَقِيقَةِ أَمرٌ لَهُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ ، وَهُوَ بَيَانٌ لأَهمِيَّةِ الثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ وَخَطَرِ التَّذَبذُبِ عَنهُ ، وَهُوَ الأَمرُ الَّذِي يَتَّضِحُ لِمَن تَأَمَّلَ تَكرَارَ المُصَلِّي قِرَاءَةَ قَولِهِ ـ تَعَالى ـ : " اِهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ " في كُلِّ رَكعَةٍ ؛ فَالمُصَلِّي عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ وَلا شَكَّ ، لَكِنَّ المَقصُودَ الأَعظَمَ أَن يَدُومَ عَلَى استِقَامَتَهِ وَيَثبُتَ عَلَى صِرَاطِهَا وَيَستَمِرَّ في طَرِيقِهَا ، يُوَضِّحُ هَذَا أَكثَرَ وَأَكثَرَ أَنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ مَلِيءٌ بِالأَمرِ بِهَذَا الأَصلِ العَظِيمِ وَالثَّنَاءِ عَلَى أَهلِهِ في مَوَاضِعَ مُتَنَوِّعَةٍ وَبِأَكثَرَ مِن أُسلُوبٍ ، مِن ذَلِكَ مَا جَاءَ في مَعرِضِ الحَدِيثِ عَنِ اتِّفَاقٍ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ في جُملَةٍ مِنَ الأُصُولِ ، حَيثُ قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَن أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... " إِلى أَن قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " فَلِذَلِكَ فَادعُ وَاستَقِمْ كَمَا أُمِرتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهوَاءَهُم ... " وَمِن ذَلِكَ أَنَّهُ ـ تَعَالى ـ أَمَرَ بِهَذَا الأَصلِ مُوسَى وَهَارُونَ ـ عَلَيهِمَا السَّلامُ ـ : " قَالَ قَد أُجِيبَتْ دَعوَتُكُمَا فَاستَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعلَمُونَ " بَلِ امتَنَّ بِهِ عَلَى جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ ، فَإِنَّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ لَمَّا ذَكَرَ عَدَدًا مِنهُم قَالَ : " وَمِن آبَائِهِم وَذُرِّيَّاتِهِ م وَإِخوَانِهِم وَاجتَبَينَاهُم وَهَدَينَاهُم إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ . ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ " وَقَالَ ـ تَعَالى ـ لِنَبِيِّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثلُكُم يُوحَى إِليَّ أَنَّمَا إِلَهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاستَقِيمُوا إِلَيهِ وَاستَغفِرُوهُ وَوَيلٌ لِلمُشرِكِينَ " وَفي السُّورَةِ نَفسِهَا بَشَّرَ عِبَادَهُ المُستَقِيمِينَ عَلَى دِينِهِ بِأَعظَمِ بِشَارَةٍ تَتَمَنَّاهَا نَفسٌ وَيَتُوقُ إِلَيهَا قَلبٌ بَشَرٍ ، فَقَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ استَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحزَنُوا وَأَبشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ " وَمِن ثَمَّ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ فَإِنَّ كُلَّ إِنسَانٍ مَهمَا بَلَغَ مِنَ التَّقوَى وَالإِيمَانِ بِحَاجَةٍ إِلى التَّذكِيرِ بِلُزُومِ الاستِقَامَةِ وَالتَّنبِيهِ إِلَيهَا ، فَكَيفَ بأَزمِنَةِ الغُربَةِ وَأَيَّامِ الفِتَنِ وَكَثرَةِ المَفتُونِينَ ، وَلَو كَانَ أَحَدٌ مُستَغنِيًا عَن ذَلِكَ لَكَانَ نَبِيُّنَا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ أَولى النَّاسِ بِهَذَا ، كَيفَ وَقَد أَمَرَهُ رَبُّهُ بِالاستِقَامَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ؟ وَفي المُسنَدِ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ أَنَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ قَالَ : " أَتَاني اللَّيلَةَ رَبِّي ـ تَبَارَكَ وَتَعَالى ـ في أَحسَنِ صُورَةٍ " وَذَكَرَ الحَدِيثَ وَفِيهِ : " قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِذَا صَلَّيتَ فَقُلْ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ فِعلَ الخَيرَاتِ وَتَركَ المُنكَرَاتِ وَحُبَّ المَسَاكِينِ ، وَأَن تَغفِرَ لي وَتَرحَمَني وَتَتُوبَ عَلَيَّ ، وَإِذَا أَرَدتَ بِعِبَادِكَ فِتنَةً فَاقبِضْني إِلَيكَ غَيرَ مَفتُونٍ " الحَدِيثَ . أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَاستَقِيمُوا عَلَى أَوَامِرِهِ وَاجتَنِبُوا نَوَاهِيهِ ، فَإِنَّ مَنِ استَقَامَ عَلَى صِرَاطِ اللهِ في الدُّنيَا استَقَامَ سَيرُهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَومَ القِيَامَةِ ، وَمَن خَرَجَ عَنهُ وَهُوَ يَعرِفُهُ فَهُوَ مَغضُوبٌ عَلَيهِ كَاليَهُودِ وَنَحوِهِم ، وَمَن تَرَكَهُ جَهلاً بِهِ فَهُوَ ضَالٌّ كَالنَّصَارَى وَنَحوِهِم ، وَالمُوَفَّقُ مَن وَفَّقَهُ اللهُ وَهَدَاهُ ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ : " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ استَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ المَلَائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحزَنُوا وَأَبشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ . نَحنُ أَولِيَاؤُكُم في الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفي الآخِرَةِ وَلَكُم فِيهَا مَا تَشتَهِي أَنفُسُكُم وَلَكُم فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلاً مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ " أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ . أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ في صَحِيحِهِ عَن سُفيَانَ بنِ عَبدِ اللهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : قُلتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، قُلْ لي في الإِسلامِ قَولاً لا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدًا غَيرَكَ . قَالَ : " قُلْ : آمَنتُ بِاللهِ ثُمَّ استَقِمْ " فَانظُرُوا ـ يَا رَعَاكُمُ اللهُ ـ إِلى هَذِهِ الوَصِيَّةِ الجَامِعَةِ ، المُبَيِّنَةِ لِهُوِيَّةَ المُسلِمِ الَّتي يَنبَغِي أَن يَحيَا عَلَيهَا وَعَلَيهَا يَمُوتَ ، وَهِيَ الاستِقَامَةُ الحَقَّةُ دُونَ عِوَجٍ وَلا انحِرَافٍ وَلا تَخَاذُلٍ وَلا تَرَاجُعٍ ، الاستِقَامَةُ الجَامِعَةُ لأَركَانِهَا وَرَكَائِزِهَا الثَّلاثِ : استِقَامَةُ اللِّسَانِ وَالَّتي دَلَّ عَلَيهَا قَولُهُ : " قُلْ : آمَنتُ بِاللهِ " وَاستِقَامَةُ القَلبِ وَالجَوَارِحِ وَالَّتي دَلَّ عَلَيهَا قَولُهُ : " ثُمَّ استَقِمْ " ذَلِكَ أَنَّ مُجَرَّدَ الادِّعَاءِ بِاللَّسَانِ لا يُعَدُّ استِقَامَةً أَصلاً ، كَمَا أَنَّ الاستِقَامَةَ بِالجَوَارِحِ وَالقَلبُ خَالٍ مِنهَا لا يُعَدُّ استِقَامَةً أَيضًا ، وَقَد عَابَ اللهُ قَومًا ادَّعَوُا الإِيمَانَ فَقَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " قَالَتِ الأَعرَابُ آمَنَّا قُلْ لم تُؤمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسلَمنَا وَلَمَّا يَدخُلِ الإِيمَانُ في قُلُوبِكُم " فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاعلَمُوا أَنَّ المُشكِلَةَ الكُبرَى وَالمُصِيبَةَ العُظمَى أَن يُكَذِّبَ فِعلُ المَرءِ دَعوَاهُ ، أَو تَكُونَ حَالُهُ مُخَالِفَةً لِمَقَالَهِ " إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لم يَرتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَموَالِهِم وَأَنفُسِهِم في سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ " " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُستَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ " وَإِنَّنَا لَنَعلَمُ ـ أَيُّهَا المُؤمِنُونَ ـ أَنَّ الاستِقَامَةَ تَحتَاجُ لِجِهَادِ نَفسٍ وَطُولِ نَفَسٍ وَمَزِيدِ اجتِهَادٍ ، وَأَنَّ دُونَ بُلُوغِ الكَمَالِ فِيهَا صِعَابًا وَعَقَبَاتٍ ، غَيرَ أَنَّ هَذَا لا يُعفِي مِنَ السَّعيِ في تَحصِيلِهَا وَبَذلِ الوُسعِ في إِقَامَتِهَا في وَاقِعِ الحَيَاةِ ، مَعَ استِحضَارِ السَّدَادِ وَالمُقَارَبَةِ ، لِقَولِهِ ـ سُبحَانَهُ ـ : " فَاتَّقُوا اللهَ مَا استَطَعتُم " وَقَولِهِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " اِستَقِيمُوا وَلَن تُحصُوا ، وَاعلَمُوا أَنَّ خَيرَ أَعمَالِكُمُ الصَّلاةُ ، وَلا يُحَافِظُ عَلَى الوُضُوءِ إِلاَّ مُؤمِنٌ " رَوَاهُ أَحمَدُ وَابنُ مَاجَهْ ، وَفي الصَّحِيحَينِ : " سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبشِرُوا "
|
| ||||||||
| الأقصى يا مسلمون 10|4|1431هـ أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُم لِلَّذِينَ أَحسَنُوا في هَذِهِ الدُّنيَا حَسَنَةٌ وَأَرضُ اللهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسَابٍ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّهُ مَعَ مُرُورِ الأُمَّةِ الإِسلامِيَّةِ بِمَرَاحِلَ مِنَ الضَّعفِ وَالهَوَانِ ، فَإِنَّهَا لم تَمُرَّ بِمَرحَلَةٍ كَمَا هِيَ عليهِ اليَومَ ؛ إِذ سَامَهَا الذُّلَّ مَن ضُرِبَت عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالمَسكَنَةُ ، شِرذِمَةٌ مِنَ اليَهُودِ المُغتَصِبِينَ ، تَحُوطُهُم عُصَابَاتٌ مِنَ النَّصَارَى الحَاقِدِينَ ، بِتَعَاوُنٍ مِنَ أَصحَابِ المَصالِحِ الخَاصَّةِ وَالمُنَافِقِين َ ، يَدُوسُونَ الحِمَى وَيُدَنِّسُونَه ُ في حِينِ غَفلَةٍ مِنَ المُسلِمِينَ ، وَيُبَالِغُونَ في إِهَانَةِ المُقَدَّسَاتِ في زَمَنِ تَفرِيطٍ مِنهُم في الدِّينِ ، وَمَا تَزَالُ هَذِهِ الأُمَّةُ الغَضَبِيَّةُ مُنذُ أَكثَرَ مِن سِتِّينَ عَامًا ، تُؤذِي عِبَادَ اللهِ وَتَعبَثُ في مَسرَى رَسُولِ اللهِ ، وَتَعمَلُ عَلَى تَعمِيقِ الحَفرِيَّاتِ حَولَ المَسجِدِ الأَقصَى المُبَارَكِ لِهَدمِهِ ، مُنطَلِقَةً مِن نُبُوءَةٍ تَسعَى لِتَحقِيقِهَا بِهَدمِ المَسجِدِ وَبِنَاءِ هَيكَلِهَا المَزعُومِ مَكَانَهُ ، لإِقَامَةِ مَملَكَةِ دَاوُودَ الكُبرَى مِنَ النِّيلِ إِلى الفُرَاتِ . وَإِنَّهُ وَإِن عَزَّ السَّبِيلُ إِلى تِلكَ الدِّيَارِ المُقَدَّسَةِ ، وَحِيلَ بَينَنَا وَبَينَ الذَّودِ عَن حِمَاهَا لأَمرٍ قَضَاهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ وَلِحِكَمٍ يَعلَمُهَا العَلِيمُ الخَبِيرُ ، فَإِنَّهُ لا يَفُوتُنَا أَن نُبَيِّنَ مَا لِلمَسجِدِ الأَقصَى مِن مَكَانَةٍ عَظِيمَةٍ ؛ إِذْ هُوَ الأَرضُ الَّتي بَارَكَ اللهُ ـ تَعَالى ـ فِيهَا وَفِيمَا جَاوَرَهَا ، وَجَعَلَهُ أَوَّلَ مَسجِدٍ بُنيَ لَهُ في الأَرضِ بَعدَ المَسجِدِ الحَرَامِ ، وَأَسرَى بِعَبدِهِ إِلَيهِ وَأَكرَمَهُ بإِمَامَةِ الأَنبِيَاءِ فِيهِ ، وَكَانَتِ القِبلَةُ إِلَيهِ في الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ وَفي أَوَّلِ الإِسلامِ ، وَشَرَعَ ـ سُبحَانَهُ ـ شَدَّ الرِّحَالِ إِلَيهِ لِلعِبَادَةِ ، وَضَاعَفَ أَجرَ الصَّلاةِ فِيهِ عَلَى الصَّلاةِ في غَيرِهِ إِلاَّ الحَرَمَينِ المَكِّيِّ وَالمَدَنيِّ ، كَمَا جَعَلَ الصَّلاةَ فِيهِ سَبَبًا لِتَكفِيرِ الذُّنُوبِ ، وَقَدَّرَ أَن يَؤُوبَ إِلَيهِ أَهلُ الإِيمَانِ في آخِرِ الزَّمَانِ ، وَأَن تَكُونَ المَلاحِمُ عَلَى أَرضِهِ وَيَعُودَ إِلَيهِ الخَلقُ وَمِنهُ يُحشَرُونَ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ عَن إِبرَاهِيمَ : " وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا إِلى الأَرضِ الَّتي بَارَكنَا فِيهَا لِلعَالَمِينَ " وَقَالَ ـ تَعَالى ـ : " وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجرِي بِأَمرِهِ إِلى الأَرضِ الَّتي بَارَكنَا فِيهَا " وَقَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ عَن مُوسَى ـ عَلَيهِ السَّلامُ ـ : " يَا قَومِ ادخُلُوا الأَرضَ المُقَدَّسَةَ الَّتي كَتَبَهَا اللهُ لَكُم " وَقَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ : " سُبحَانَ الَّذِي أَسرَى بِعَبدِهِ لَيلاً مِنَ المَسجِدِ الحَرَامِ إِلى المَسجِدِ الأَقصَى الَّذِي بَارَكنَا حَولَهُ لِنُرِيَهُ مِن آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " وَعَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " طُوبى لِلشَّامِ " قُلنَا : لأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : " لأَنَّ مَلائِكَةَ الرَّحمَنِ بَاسِطَةٌ أَجنِحَتَهَا عَلَيهَا " رَوَاهُ أَحمَدُ وَالتِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ ، وَعَن أَبي ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : قُلتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَيُّ مَسجِدٍ وُضِعَ أَوَّلُ ؟ قَالَ : " المَسجِدُ الحَرَامُ " قُلتُ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : " ثُمَّ المَسجِدُ الأَقصَى " قُلتُ : كَم كَانَ بَينَهُمَا ؟ قَالَ : " أَربَعُونَ " ثُمَّ قَالَ : " حَيثُمَا أَدرَكَتكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ وَالأَرضُ لَكَ مَسجِدٌ " رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ ، وَعَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ المَدِينَةَ صَلَّى نَحوَ بَيتِ المَقدِسِ سِتَّةَ أَو سَبعَةَ عَشَرَ شَهرًا ... الحَدِيثَ ، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ . وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ : مَسجِدُ الحَرَامِ وَالمَسجِدُ الأَقصَى وَمَسجِدِي هَذَا " مُتَّفَقٌ عَلَيهِ . قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : وَفي هَذَا الحَدِيثِ فَضِيلَةُ هَذِهِ المَسَاجِدِ وَمَزِيَّتُهَا عَلَى غَيرِهَا ؛ لَكُونِهَا مَسَاجِدَ الأَنبِيَاءِ ، وَلأَنَّ الأَوَّلَ قِبلَةٌ لِلنَّاسِ وَإِلَيهِ حَجُّهُم ، وَالثَّاني كَانَ قِبلَةَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ ، وَالثَّالِثُ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى . وَعِندَ أَحمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابنِ مَاجَه وَغَيرِهِم أَنَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ قَالَ : " إِنَّ سُلَيمَانَ بنَ دَاوُدَ لَمَّا بَنى بَيتَ المَقدِسِ سَأَلَ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ خِلالاً ثَلاثَةً : سَأَلَ اللهَ حُكمًا يُصَادِفُ حُكمَهُ فَأُوتِيَهُ ، وَسَأَلَ اللهَ مُلكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِن بَعدِهِ فَأُوتِيَهُ ، وَسَأَلَ اللهَ حِينَ فَرَغَ مِن بِنَاءِ المَسجِدِ أَن لا يَأتِيهِ أَحدٌ لا يُنهِزُهُ إِلاَّ الصَّلاةُ فِيهِ أَن يُخرِجَهُ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَومَ وَلَدَتهُ أُمُّهُ ، أَمَّا اثنَتَانِ فَقَد أُعطِيَهُمَا ، وَأَرجُو أَن يَكُونَ قَد أُعطِيَ الثَّالِثَةَ " وَعَن أَبي ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ عَنِ الصَّلاةِ في بَيتِ المَقدِسِ أَفضَلُ أَو في مَسجِدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ ؟ فَقَالَ : " صَلاةٌ في مَسجِدِي هَذَا أَفضَلُ مِن أَربَعِ صَلَوَاتٍ فِيهِ ، وَلَنِعمَ المُصَلَّى هُوَ ، أَرضُ المَحشَرِ وَالمَنشَرِ ، وَلَيَأتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ وَلَقِيدُ سَوطِ أَو قَالَ قَوسِ الرَّجُلِ حَيثُ يَرَى مِنهُ بَيتَ المَقدِسِ خَيرٌ لَهُ أَو أَحَبُّ إِلَيهِ مِنَ الدُّنيَا جَمِيعًا " وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَن عَبدِاللهِ بنِ حَوَالَةَ الأَزدِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " يَا بنَ حَوَالَةَ ، إِذَا رَأَيتَ الخِلافَةَ قَد نَزَلَت أَرضَ المُقَدَّسَةَ فَقَد دَنَتِ الزَّلازِلُ وَالبَلابِلُ وَالأُمُورُ العِظَامُ ، وَالسَّاعَةُ يَومَئِذٍ أَقرَبُ مِنَ النَّاسِ مِن يَدِي هَذِهِ مِن رَأسِكَ " ذَلِكُم ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ شَيءٌ ممَّا فُضِّلَ بِهِ المَسجِدُ الأَقصَى وَخُصَّ بِهِ بَيتُ المَقدِسِ ، وَمَا زَالَ المُسلِمُونَ عَلَى مَرِّ عُصُورِهِم يَعُونَ ذَلِكَ جَيِّدًا وَتَنطَوِي عَلَيهِ صُدُورُهُم ، وَلَكِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِمَكرِهِم وَدَهَائِهِم استَطَاعُوا عَبرَ الضَّخِّ الإِعلامِيِّ المُتَكَرِّرِ وَالمُرَاوَغَات ِ السِّيَاسِيَّةِ المُتَتَابِعَةِ أَن يُحَوِّلُوا قَضِيَّةَ احتِلالِ بَيتِ المَقدِسِ مِن قَضِيَّةٍ إِسلامِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مُسلِمٍ عَلَى وَجهِ الأَرضِ ، إِلى قَضِيَّةٍ قَومِيَّةٍ تَنحَصِرُ في العَرَبِ ، ثم إِلى قَضِيَّةٍ إِقلِيمِيَّةٍ تَخُصُّ الشَّرقَ الأَوسَطَ ، ثم مَا زَالُوا حَتى حَصَرُوهَا في أَهلِ فِلِسطِينَ ، وَحَتى طَوَّعُوا الدُّوَلَ المُجَاوِرَةَ لِخِدمَةِ أَهدَافِهِم الاستِعمَارِيَّ ةِ ، وَالَّتي مَا فَتِئُوا يُظهِرُونَهَا وَيُطَبِّقُونَه َا يَومًا بَعدَ آخَرَ ، بِتَشدِيدِ الحِصَارِ وَالتَّفَنُّنِ في تَجوِيعِ أَهلِ الأَرضِ المُبَارَكَةِ ، وَقَتلِهِم صَبرًا وَغَدرًا ، وَحَشرِهِم بِالجُدُرِ العَازِلَةِ فَوقَ الأَرضِ وَالسِّيَاجَاتِ الفُولاذِيَّةِ تَحتَ الأَرضِ ، وَلَكِنَّ كُلَّ هَذَا التَّضيِيقِ عَلَى المُسلِمِينَ في الأَرضِ المُقَدَّسَةِ ، وَتَخَاذُلَ أَهلِ القَرَارِ وَصَمتَ مَن بِأَيدِيهِمُ الحَلُّ وَالعَقدُ ، لا يُعفِي الأُمَّةَ مِن وَاجِبِهَا تِجَاهَ مُقَدَّسَاتِهَا ، بَل إِنَّ الوَاجِبَ عَلَيهَا يَزدَادُ تَأَكُّدًا وَيَشتَدُّ تَعَيُّنًا ، عَلَى العُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ وَالكُتَّابِ وَالخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ ، فَالعُلَمَاءُ وَالدُّعَاةُ عَلَيهِم إِبرَازُ فَضَائِلِ المَسجِدِ الأَقصَى ، وَتَكثِيفُ التَّوعِيَةِ وَالاجتِهَادُ لإِظهَارِ الحَقَائِقِ ، وَفَضحُ اليَهُودِ وَتَعرِيَةُ مَن يَقِفُ وَرَاءَهُم ، وَبَيَانُ حُكمِ مَن يُعِينُهُم عَلَى ظُلمِهِم أَو يُسَوِّغُ لهم إِجرَامَهُم ، وَإِحيَاءُ عَقِيدَةِ الوَلاءِ لِلمُؤمِنِينَ وَالبَرَاءَةِ مِنَ الكَافِرِينَ ، وَالكُتَّابُ عَلَيهِم نَشرُ تَارِيخِ الأُمَّةِ المَجِيدِ وَبَثُّهُ ، وَأَن يُجَاهِدُوا بِأَقلامِهِم وَيَفضَحُوا مُخَطَّطَاتِ الأَعدَاءِ ، وَأَن يُوَاجِهُوا أَقلامَ المُنَافِقِينَ الأَقزَامَ ، الَّتي تَعمَلُ عَلَى خِدَاعِ النَّاسِ وَتَزوِيرِ الحَقَائِقِ وَطَمسِهَا ، وَتَحسِينِ صُورَةِ الأَعدَاءِ وَتَزيِينِهَا ، وَتَشوِيهِ سُمعَةِ المُرَابِطِينَ في بَيتِ المَقدِسِ وَتَقبِيحِهَا ، وَأَمَّا جُمهُورُ المُسلِمِينَ فَوَاجِبُهُم إِحيَاءُ قَضِيَّةِ المَسجِدِ الأَقصَى في قُلُوبِهِم ، وَتَنَاوُلُهَا في مَجَالِسِهِم وَمُنتَدَيَاتِه ِم ، وَاجِبٌ عَلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَالمُعَلِّمِين َ وَالمُعَلِّمَات ِ أَن يَغرِسُوا في نُفُوسِ أَولادِهِم وَطُلاَّبِهِم فَضَلَ الأَقصَى وَمَحَبَّةَ مَن يُدَافِعُونَ عَنهُ ، وَبُغضَ مَن يَعتَدُونَ عَلَيهِ مِنَ اليَهُودِ وَمَن يُعِينُهُم عَلَى ذَلِكَ ، وَقَبلَ ذَلِكَ وَبَعدَهُ فَإِنَّ أَهَمَّ وَاجِبٍ على الجَمِيعِ هُوَ إِصلاحُ مَا بَينَهُم وَبَينَ اللهِ بِالتَّوبَةِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيهِ بِالطَّاعَةِ ، حَتى تَتَغَيَّرَ حَالُهُم مِن ذُلٍّ إِلى عِزٍّ ، وَيَتَبَدَّلَ وَضعُهُم مِن ضَعفٍ إِلى قُوَّةٍ ، وَيُصبِحَ تَفَرُّقُهُم اجتِمَاعًا وَتَمَزُّقُهُم إِلفَةً وَاتِّحَادًا ، وَقَد قَالَ ـ تَعَالى ـ : " إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم " وَوَاجِبٌ لا يُعذَرُ أَحَدٌ بِتَركِهِ وَلا التَّقصِيرِ فِيهِ ، وَهُوَ الإِلحَاحُ في الدُّعَاءِ وَكَثرَةُ التَّضَرُّعِ إِلى المَولى أَن يَنصُرَ المُسلِمِينَ في القُدسِ عَلَى أَعدَائِهِم ، وَأَن يَحفَظَ المَسجِدَ الأَقصَى مِن ظُلمِ اليَهُودِ وَيُطَهِّرَهُ مِن رِجسِهِم ، وَأَن يَكفِيَ المُسلِمِينَ شَرَّ أَعوَانِهِم وَبَطشَهُم وَخِيَانَتَهُم . أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاءَ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الظَّالمِينَ . فَتَرَى الَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأتيَ بِالفَتحِ أَو أَمرٍ مِن عِندِهِ فَيُصبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا في أَنفُسِهِم نَادِمِينَ " أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ . أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ مِن أَكبَرِ المَصَائِبِ وَأَشَدِّ العَظَائِمِ وَأَشنَعِ الأَخطَاءِ ، مَا يَعِيشُهُ فِئَامٌ مِنَ المُسلِمِينَ اليَومَ مِن تَبَلُّدِ قُلُوبِهِم تِجَاهَ قَضَايَا الأُمَّةِ ، وَالنَّظرِ إِلَيهَا نَظرَةَ مَن لا يَعنِيهِ الأَمرُ شَيئًا ، مُتَأَثِّرِينَ في ذَلِكَ بِمَا يَطرُقُهُ أَقزَامُ الإِعلامِ وَيَعمَلُونَ عَلَى بَثِّهِ لَيلَ نَهَارَ ، مِن إِحيَاءِ الوَطَنِيَّاتِ المُفَرِّقَةِ ، وَحَشرِ الأُمَّةِ في جَحِيمِ الإِقلِيمِيَّات ِ الضَّيِّقَةِ ، وَإِمَاتَةِ الشُّعُورِ الإِسلامِيِّ بِوَحدَةِ الجَسَدِ وَالاشتِرَاكِ في القَضَايَا المَصِيرِيَّةِ ، وَهِيَ الإِمَاتَةُ المَقصُودَةُ تَمهِيدًا لِتَفرِيقِ الصُّفُوفِ وَإِضعَافِ القُوَّةِ ، وَالتَّمَكُّنِ مِن هَدمِ الأَقصَى بِسُهُولَةٍ ، وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ طَرقَ قَضَايَا المُسلِمِينَ وَإِحيَاءَهَا في قُلُوبِهِم ، وَلا سِيَّمَا قَضِيَّةُ الأَقصَى وَبَيتِ المَقدِسِ ، إِنَّهُ لَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ حَسبَ استِطَاعَتِهِ ، وَللهِ الأَمرُ مِن قَبلُ وَمِن بَعدُ ، وَنَصرُ المُسلِمِينَ عَلَى اليَهُودِ مُتَحَقِّقٌ وَلا مَحَالَةَ ، وَظُهُورُهُم عَلَيهِم حَاصِلٌ وَإِن كَرِهَ الكَافِرُونَ ، وَحَدِيثُ محمدٍ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ وَاقِعٌ طَالَ الزَّمَانُ أَو قَصُرَ ، رَوَى مُسلِمٌ عَن أَبي هُرَيرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَنَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ قَالَ : " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتى يُقَاتِلَ المُسلِمُونَ اليَهُودَ فَيَقتُلَهُم المُسلِمُونَ ، حَتى يَختَبِئَ اليَهُودِيُّ مِن وَرَاءِ الحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولَ الحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ : يَا مُسلِمُ ، يَا عَبدَاللهِ ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلفِي فَتَعَالَ فَاقتُلْهُ ، إِلاَّ الغَرقَدَ فَإِنَّهُ مِن شَجَرِ اليَهُودِ " " ذَلِكَ وَلَو يَشَاءُ اللهُ لانتَصَرَ مِنهُم وَلَكِن لِيَبلُوَ بَعضَكُم بِبَعضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ فَلَن يُضِلَّ أَعمَالَهُم " |
| ||||||||
| |
| ||||||||
| |
| ||||||||
| إتباع نبي أم مقلد صحفي 17|4|1431هـ أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ اللهَ ـ تَعَالى ـ وَهُوَ الخَالِقُ لِمَا يَشَاءُ المُختَارُ لِمَا يُرِيدُ ، فَضَّلَ مِن مَخلُوقَاتِهِ مَا شَاءَ " وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبحَانَ اللهِ وَتَعَالى عَمَّا يُشرِكُونَ " وَقَد فَضَّلَ ـ سُبحَانَهُ ـ نَبِيَّهُ محمَّدًا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَعلَى مَكَانَتَهُ وَقَدرَهُ ، وَرَفَعَ مَنزِلَتَهُ وَذِكرَهُ ، وَجَعَلَهُ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ ، وَأَرسَلَهُ لِلثَّقَلَينِ الجِنِّ وَالإِنسِ ، وَخَتَمَ بِهِ الأَنبِيَاءَ وَالمُرسَلِينَ وَجَعَلَهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ " مَا كَانَ محمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُم وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ " " وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلاَّ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ " قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ ، وَأَوَّلُ مَن يَنشَقُّ عَنهُ القَبرُ ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ " رَوَاهُ مُسلِمٌ ، وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " إِنَّ اللهَ اصطَفَى كِنَانَةَ مِن وَلَدِ إِسمَاعِيلَ ، وَاصطَفَى قُرَيشًا مِن كِنَانَةَ ، وَاصطَفَى مِن قُرِيشٍ بَني هَاشِمٍ ، وَاصطَفَاني مِن بَني هَاشِمٍ " رَوَاهُ مُسلِمٌ ، وَرَوَى التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قَامَ عَلَى المِنبَرِ فَقَالَ : " مَن أَنَا ؟ " فَقَالُوا : أَنتَ رَسُولُ اللهِ . فَقَالَ : " أَنَا محمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ ، إِنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلقَ فَجَعَلَني في خَيرِهِم ، ثُمَّ جَعَلَهُم فِرقَتَينِ فَجَعَلَني في خَيرِ فِرقَةٍ ، ثُمَّ جَعَلَهُم قَبَائِلَ فَجَعَلَني في خَيرِهِم قَبِيلَةً ، ثُمَّ جَعَلَهُم بُيُوتًا فَجَعَلَني في خَيرِهِم بَيتًا ، فَأَنَا خَيرُهُم نَفسًا وَخَيرُهُم بَيتًا " وَرَوَى التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ عَن أَبي هُرَيرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَتى وَجَبَت لَكَ النُّبُوَّةُ ؟ قَالَ : " وَآدَمُ بَينَ الرُّوحِ وَالجَسَدِ " لَقَد كَانَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ دَعوَةَ أَبِيهِ إِبرَاهِيمَ وَبِشَارَةَ أَخِيهِ عِيسَى ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ عَن عِيسَى ـ عَلَيهِ السَّلامُ ـ : " وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ يَا بَنِي إِسرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُم مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّورَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأتي مِن بَعدِي اسمُهُ أَحمَدُ " وَقَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ عَن إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ : " وَإِذ يَرفَعُ إِبرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيتِ وَإِسمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجعَلْنَا مُسلِمَينِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابعَثْ فِيهِم رَسُولاً مِنهُم يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَيُزَكِّيهِم إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ " وَقَد استَجَابَ اللهُ ـ تَعَالى ـ دُعَاءَهُمَا وَامتَنَّ عَلَى المُؤمِنِينَ بِبِعثَتِهِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ عَلَى الصِّفَةِ الَّتي دَعَيَا بها ، قَالَ ـ تَعَالى ـ : " لَقَد مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولاً مِن أَنفُسِهِم يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ " وَقَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنهُم يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . وَآخَرِينَ مِنهُم لَمَّا يَلحَقُوا بِهِم وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ . ذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ " وَقَد كَانَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ كَمَا وَصَفَهُ رَبُّهُ ، طَهُرَت بِهِ القُلُوبُ مِن أَدرَانِ الكُفرِ وَأَدنَاسِ الجَاهِلِيَّةِ ، وَزَكَت بِهِ النُّفُوسُ مِنَ الشِّركِ وَالفُجُورِ وَالضَّلالِ ، فَأَفلَحَ قَومٌ اتَّبَعُوهُ وَأَخَذُوا بما جَاءَ بِهِ كَمَا قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ " قَد أَفلَحَ مَن زَكَّاهَا " وَبَلَّغَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ البَلاغَ المُبِينَ وَعَلَّمَ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ ، فَأُوتِيَ مَن جَمَعَهُمَا مِن أُمَّتِهِ خَيرًا كَثِيرًا كَمَا قَالَ ـ تَعَالى ـ : " يُؤتي الحِكمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتيَ خَيرًا كَثِيرًا " وَبَعدَ أَن كَانَ النَّاسُ عَرَبُهُم وَعَجَمُهُم قَبلَ إِرسَالِهِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ في ضَلالٍ مُبِينٍ ، فَقَد هَدَى اللهُ بِهِ المُؤمِنِينَ إِلى الهُدَى وَالدِّينِ الحَقِّ ، وَظَهَرَت كَلِمَةُ التَّوحِيدِ في مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا ، وَعَمَّ فِيهَا العَدلُ بَعدَ أَن كَانَت مُمتَلِئَةً شِركًا وَظُّلمًا وَجَورًا، فَكَانَ هَذَا مِنَ اللهِ فَضلاً عَظِيمًا عَلَى العَرَبِ وَعَلَى مَن جَاءَ مِن بَعدِهِم إِلى اليَومِ ، يَستَوجِبُ مِنهُم حَمدَ رَبِّهِمُ المُنعِمِ ـ سُبحَانَهُ ـ وَشُكرَهُ ، إِذْ جَعَلَهُم مِن أُمَّةِ خَيرِ النَّبِيِّينَ ، الَّذِي تَمَّ بِهِ بُنيَانُ النُّبُوَّةِ وَظَهَرَ بِهِ حُسنُهُ وَكَمَالُهُ ، قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنبِيَاءِ مِن قَبلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنيَانًا فَأَحسَنَهُ وَأَجمَلَهُ إِلاَّ مَوضِعَ لَبِنَةٍ مِن زَاوِيَةٍ مِن زَوَايَاهُ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلاَّ وُضِعَت هَذِهِ اللَّبِنَةُ " قَالَ : فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ " مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وَقَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ مُمتَدِحًا أُمَّتَهُ : " كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ " وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " أَنتم مُوفونَ سَبعِينَ أُمَّةً أَنتم خَيرُهَا وَأَكرَمُهَا عَلَى الله " رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ . أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، لَقَد مَضَتِ الأُمَّةُ مُنذُ مَبعَثِ نَبِيِّهَا ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ عَلَى شُكرِ اللهِ عَلَى نِعمَةِ إِرسَالِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَيهَا ، وَأَقَرَّت بِهَذَا الفَضلِ العَظِيمِ وَاعتَرَفَت بِتِلكَ المِنَّةِ الجَسِيمَةِ ، فَأَوفَتهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ حَقَّهُ من المَحَبَّةِ وَالتَّوقِيرِ ، وَبَذَلَتِ الوُسعَ في نَصرِهِ وَتَعزِيرِهِ ، وَتَفَانَت في دِرَاسَةِ سِيرَتِهِ وَحِفظِ آثَارِهِ ، وَسَارَت عَلَى هَديِهِ وَاتَّبَعت سُنَّتَهُ وَلم تَخرُجْ عَن طَاعَتِهِ ، فَعَلا بِذَلِكَ شَأنُهَا وَنَالَتِ السَّنَاءَ وَالرِّفعَةَ ، وَحَقَّقَتِ النَّصرَ عَلَى أَعدَائِهَا وَحَصَلَ لها التَّمكِينُ في الأَرضِ ، وَقَاَدتِ العَالَمَ في دُرُوبِ الفَلاحِ وَبَلَغَت بِهِ قِمَمَ النَّجَاحِ ، حَتى خَلَتِ القُرُونُ الأُولى وَذَهَبَتِ الأَجيَالُ المُبَارَكَةُ ، فَخَلَفَت مِن بَعدِهِم خُلُوفٌ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ ، اِستَبدَلُوا الأَدنى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ ، وجَعَلُوا الأَذنَابَ رُؤُوسًا وَاتَّخَذُوهُم قُدُوَاتٍ لهم ، وَوَجَّهُوا أَنظَارَهُم إِلى أَعدَائِهِم ، وَأَسلَمُوا لهم عُقُولَهُم وَقُلُوبَهُم ، وَرَاحُوا مِن عَمَى بَصَائِرِهِم يَعرِضُونَ عَلَى مَنَاهِجِهِمُ الضَّالَّةِ وَفُهُومِهِمُ الفَاسِدَةِ مَا ثَبَتَ عَنِ الحَبِيبِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ ، وَاتخذوا أَذوَاقَهُم المَرِيضَةَ مِيزَانًا يَحكُمُونَ بِهِ عَلَى الآثَارِ وَيَنقُدُونَ به النُّقُولِ ، فَضَعَّفُوا بَعضَ مَا صَحَّحَهُ نُقَّادُ الحَدِيثِ وَأَئِمَّةُ الأَثَرِ ، وَأَخطَؤُوا في فَهمِ أَحَادِيثَ أُخرَى وَحَمَلُوهَا عَلَى مَا تَملِيهِ عَلَيهِم أَهوَاؤُهُم بِغَيرِ عِلمٍ ، وَجَعَلُوا لا يَألُونَ أَن يُرَدِّدُوا شُبُهَاتِ أَعدَاءِ الدِّينِ مِنَ المُستَشرِقِينَ الحَاقِدِينَ ، فَوَصَفُوا أَقوَالَهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ بِالأَوصَافِ الَّتي لا تَلِيقُ بها ، وَآذَوا أَتبَاعَهُ وَحَمَلَةَ مِيرَاثِهِ مِنَ العُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ وَالمُحتَسِبِين َ ، وَنَظَّمُوا الحَمَلاتِ الصَّحَفِيَّةَ الظَّالِمَةَ ضِدَّهُم ، ولم يَتَوَرَّعُوا عَنِ الافتِرَاءِ عَلَيهِم وَرَميِهِم بِالزُّورِ وَالبُهتَانِ ، فَضَلُّوا بِذَلِكَ وَأَضَلُّوا ، وَزَاغُوا عَنِ الحَقِّ وَأَزَاغُوا ، وَأَعَادُوا لِلنَّاسِ سِيرَةَ ابنِ أُبَيٍّ وَإِخوَانِهِ مِنَ المُنَافِقِينَ ممَّن آذَوا رَسُولَ اللهِ في نَفسِهِ وعِرضِهِ وَقَذَفُوا زَوجَتَهُ الطََّاهِرَةَ العَفِيفَةَ ، أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَاثبُتُوا عَلَى مَا أَنتُم عَلَيهِ مِنَ الحَقِّ بِالإِيمَانِ بِنَبِيِّكُم ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَتَعزِيرِهِ وَنَصرِهِ وَتَوقِيرِهِ ، وَتَصدِيقِهِ فِيمَا أَخَبرَ وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ ، وَاجتِنَابِ مَا نَهَى عَنهُ وَزَجَرَ ، وَالسَّيرِ عَلَى مَا شَرَعَهُ لَكُم وَسَنَّهُ في عِبَادَاتِكُم وَمُعَامَلاتِكُ م وَأَخلاقِكُم ، وَاستَقِيمُوا عَلَى الحَقِّ تُفلِحُوا وَتَهتَدُوا ، وَلا يَضُرَّنَّكُم مَنِ استَهَانُوا بِهِ وَزَهِدُوا فِيمَا جَاءَ بِهِ ظُلمًا وَعُدوَانًا ، فَإِنَّ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ " فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ . قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ " أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ . أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّهُ لَن تَزُولَ قَدَمَا العَبدِ بَينَ يَدَيِ اللهِ ـ تَعَالى ـ حَتى يُسأَلَ عَن مَسأَلَتَينِ : مَاذَا كُنتُم تَعبُدُونَ ؟ وَمَاذَا أَجَبتُمُ المُرسَلِينَ ؟ وَجَوَابُ الأُولى بِتَحقِيقِ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مَعرِفَةً وَإِقرَارًا وَعَمَلاً ، وَجَوَابُ الثَّانِيَةِ بِتَحقِيقِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ مَعرِفَةً وَإِقرَارًا وَانقِيَادًا وَطَاعَةً ، وَلَن يَنفَعَ الكَافِرَ وَالمُنَافِقَ حَينَئِذٍ أَن يَقُولَ : سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَولاً فَقُلتُهُ ، وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ عَلَى المُؤمِنِ أَن يَتَعَلَّمَ دِينَهُ وَيَعمَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، وَإِذَا عَرَفَ الحَقَّ أَن يَلزَمَهُ وَيَعَضَّ عَلَيهِ بِنَوَاجِذِهِ ، وَأَن يَسأَلَ أَهلَ الذِّكرِ عَمَّا لا يَعلَمُهُ ، وَأَمَّا مَا بُلِيَت بِهِ الأُمَّةُ اليَومَ مِن صِحَافَةٍ فَاجِرَةٍ وَجَرَائِدَ مَاكِرَةٍ ، وَكُتَّابٍ مُنَافِقِينَ وَكَذَبَةٍ مَارِقِينَ ، فَلا يَجُوزُ أَن تَكُونَ مَصدَرًا لِلمُسلِمِ الَّذِي يَحذَرُ الآخِرَةَ وَيَرجُو رَحمَةَ رَبِّهِ فَيَأخُذَ مِنهَا دِينَهُ أَو يَستَقِيَ مِنهَا تَصَوَّرَاتِهِ عَن آخِرَتِهِ ، أَو يَبنيَ عَلَيهَا حُكمَهُ عَلَى شَيءٍ أَو وَلاءَهُ لِشَخصٍ أَو جَمَاعَةٍ ، وَلا يُعذَرُ أَحَدٌ وَقَد تَيَسَّرَتِ السُّبُلُ وَسَهُلَ الاتِّصَالُ بِالعُلَمَاءِ وَتَوَفَّرَت مَصَادِرُ العِلمِ المُوثُوقُ بها ، أَمَّا وَقَد ثَبَتَ بِمَا لا مِريَةَ فِيهِ كَذِبُ الصَّحَافَةِ وَتَقَوُّلُهَا وَفُجُورُ أَعدَادٍ مِن كُتَّابِهَا وَعَدَمُ تَوَرُّعِهِم عَنِ الكَذِبِ وَالخَوضِ فِيمَا لا يَعلَمُونَ ، بَل وَحَربُهُم لِلدِّينِ وَتَعرِيضُهُم بِسَيِّدِ المُرسَلِينَ ، وَاجتِهَادُهُم في نَشرِ مُخَطَّطَاتِ أَعدَاءِ الأُمَّةِ وَإِفسَادِ أَفرَادِهَا ، فَإِنَّهُ لم يَبقَ إِلاَّ بُغضُهُم وَنَبذُهُم وَالتَّبَرُّؤُ مِنهُم وَعَدَمُ مُوَالاتِهِم أَوِ الرِّضَا بِمَا يَصنَعُونَ " لا تَجِدُ قَومًا يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَن حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبنَاءَهُم أَو إِخوَانَهُم أَو عَشِيرَتَهُم أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنهُ وَيُدخِلُهُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ أُولَئِكَ حِزبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزبَ اللهِ هُمُ المُفلِحُونَ " وَلْيَعلَمِ الَّذِينَ يَشتَرِكُونَ في هَذِهِ الجَرَائِدِ بِشَكلٍ سَنَوِيٍّ أَو يَشتَرُونَهَا بِصُورَةٍ يَومِيَّةٍ ، أَنَّهُم يَدعَمُونَهَا بِذَلِكَ وَيُقَوُّونَهَا وَيُعِينُونَهَا عَلَى بَاطِلِهَا ، وَأَنَّهُم عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ إِذْ يُخَالِفُونَ قَولَ المَولى ـ جَلَّ وَعَلا ـ : " وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ " وَإِنَّهُ لَخَلَلٌ في الوَلاءِ وَالبَرَاءِ أَن يَظَلَّ المُسلِمُ مُوَاطِئًا لأَعدَاءِ دِينِهِ وَنَبِيِّهِ بِتَعظِيمِ كَلامِهِم أَو شِرَاءِ كُتُبِهِم أَو جَرَائِدِهِم ، قَالَ أَبُو الوَفَاءِ ابنُ عَقِيلٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : إِذَا أَرَدتَ أَن تَعلَمَ مَحَلَّ الإِسلامِ مِن أَهلِ الزَّمَانِ ، فَلا تَنظُرْ إِلى زِحَامِهِم في أَبوَابِ الجَوَامِعِ وَلا ضَجِيجِهِم في المَوقِفِ بِلَبَّيكَ ، وَإِنَّمَا انظُرْ إِلى مُوَاطَأَتِهِم أَعدَاءَ الشَّرِيعَةِ ، عَاشَ ابنُ الرَّاوَندِيِّ وَالمَعَرِّيُّ ـ عَلَيهِمَا لَعَائِنُ اللهِ ـ يَنظِمُونَ وَيَنثُرُونَ كُفرًا ، وَعَاشُوا سِنِينَ وَعُظِّمَت قُبُورُهُم وَاشتُرِيَت تَصَانِيفُهُم ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بُرُودَةِ الدِّينِ في القَلبِ . اِنتَهَى كَلامُهُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَكُونُوا مِن حِزبِهِ المُفلِحِينَ ، وَاحذَرُوا البِدَعَ وَالمُحدَثَاتِ وَالمُخَالَفَات ِ ، قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " إِنِّي فَرَطُكُم عَلَى الحَوضِ ، مَن مَرَّ بي شَرِبَ ، وَمَن شَرِبَ لم يَظمَأْ أَبَدًا ، وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقوَامٌ أَعرِفُهُم وَيَعرِفُوني ثُمَّ يُحَالُ بَيني وَبَينَهُم فَأَقُولُ : إِنَّهُم مِنِّي فَيُقَالُ : إِنَّكَ لا تَدرِي مَا أَحدَثُوا بَعدَكَ فَأَقُولُ : سُحقًا سُحقًا لِمَن بَدَّلَ بَعدِي " رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ . و |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| منبر الجامع الجنوبي بالرويضة ****خطبة الشيخ عبد الله البصري في تحريم الإختلاط | الغمام الماطر | روحانيات | 15 | 17-10-2011 01:39 PM |
| دعواتكم لسماحة الشيخ عبدالله بن جبرين .. | السفير | احتواء ما لا يحتوى | 11 | 30-04-2009 12:10 AM |
| (( الشيخ / عبدالله بن وهق )) | سعد بن تويم | نشيد الروح | 12 | 28-04-2009 03:34 PM |
| ننعي لكم خبر وفاة الشيخ حمد بن عبدالله الســلمان | عبد العزيز بن عبد الله | أخبار الرويضة | 15 | 15-09-2008 01:33 AM |
| الشيخ / عبدالله الغديان يتعرض لحادث | الخفاش الأسود | احتواء ما لا يحتوى | 11 | 09-04-2008 01:46 AM |
![]() | ![]() |