![]() ![]() |
« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات » |
| روحانيات على نهج اهل السنه والجماعة |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| | #21 (permalink) |
|
.:: مراقب ::. ![]() | أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، فَضلُ العِلمِ مَعرُوفٌ وَقَدرُ العُلَمَاءِ ظَاهِرٌ ، لا يَجحَدُهُ إِلاَّ جَاهِلٌ أَو مُكَابِرٌ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " قَلْ هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلبَابِ " وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " فَضلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ " وَهَذَا الفَضلُ وَإِن كَانَ مَقصُودًا بِهِ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ في المَقَامِ الأَوَّلِ وَالمَدحُ فِيهِ يَتَنَاوَلُهُم بِالدَّرَجَةِ الأُولى ، فَإِنَّ لأَصحَابِ العِلمِ عَامَّةً مِنَ ذَلِكُمُ الفَضلِ وَالمَدحِ نَصِيبًا ، وَلا سِيَّمَا مَن قَادَهُ عِلمُهُ مِنهُم لِخَشيَةِ رَبِّهِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " إِنَّمَا يَخشَى اللهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ " فَالعُلَمَاءُ هُم أَخشَى النَّاسِ للهِ وَأَتقَاهُم لَهُ ، وَأَهلُ الخَشيَةِ هُمُ العُلَمَاءُ عَلَى الحَقِيقَةِ ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لأَنَّ العُلَمَاءَ يَطَّلِعُونَ مِن بَدِيعِ صُنعِ اللهِ في الكُونِ عَلَى مَا لا يَطَّلِعُ عَلَيهِ غَيرُهُم ، وَيَرَونَ مِن سُنَنِهِ المُحكَمَةِ وَآيَاتِهِ البَاهِرَةِ في الحَيَاةِ مَا لا يَرَاهُ سِوَاهُم ، سَوَاءٌ مِن ذَلِكَ مَا كَانَ في الأَنفُسِ أَو في الآفَاقِ ، ممَّا هُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ مَا جَاءَ مِن عِندِ اللهِ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ ، وَأَنَّ وَرَاءَ هَذَا الكُونِ خَالِقًا عَظِيمًا أَتقَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ ، خَلَقَ فَسَوَّى وَقَدَّرَ فَهَدَى ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " سَنُرِيهِم آيَاتِنَا في الآفَاقِ وَفي أَنفُسِهِم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلم يَكفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ " قَالَ الشَّيخُ ابنُ سَعدِيٍّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : وَقَد فَعَلَ ـ تَعَالى ـ فَإِنَّهُ أَرَى عِبَادَهُ مِنَ الآيَاتِ مَا بِهِ تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ ، وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ المُوَفِّقُ لِلإِيمَانِ مَن شَاءَ وَالخَاذِلُ لِمَن يَشَاءُ . وَصَدَقَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الآيَاتِ قَدِ اتَّضَحَت في عَصرِنَا هَذَا بِمَا أُوتِيَ النَّاسُ مِن أَجهِزَةٍ وتِقنِيَاتٍ بِمَا لم تَتَّضِحْ بِمِثلِهِ مِن قَبلُ ، لَكِنَّ أَفرَادًا مِمَّن يُسَمَّونَ بِالعُلَمَاءِ ، مِمَّن دَرَسُوا العُلُومَ العَصرِيَّةَ وَتَبَحَّرُوا فِيهَا بِمَعزِلٍ عَن تَفَهُّمِ كِتَابِ اللهِ وَبعِيدًا عَنِ التَّفَقُّهِ في سُنَّةِ رَسُولِهِ ، خُذِلُوا وَلم يُوَفَّقُوا ، وَأَخفَقُوا في الاختِبَارِ وَلم يَنجَحُوا ، إِذْ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِنَ العِلمِ الدُّنيَوِيِّ القَلِيلِ ، وَاستَكثَرُوا مَا أُوتُوا مِنهُ مِن قَدرٍ ضَّئِيلٍ ، وَحَسِبُوا لِضِيقِ أُفُقِهِم أَنَّهُم عَلَى شَيءٍ ، فَجَعَلُوا يَتَبَجَّحُونَ وَيَتَفَيهَقُونَ ، وَيَتَجَاهَلُونَ الحَقَائِقَ الوَاضِحَاتِ وَيُحَاوِلُونَ طَمسَ الحِجَجِ البَيِّنَاتِ ، بَلْ وَيُعَارِضُونَ مَا جَاءَ في كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مِن تَفسِيرٍ لِلظَّوَاهِرِ الكَونِيَّةِ ، وَيَعُدُّونَهُ لِجَهلِهِم بِاللهِ مِنِ اعتِقَادَاتِ المَاضِي البَائِدَةِ ، فَكَانُوا بِذَلِكَ حَرِيِّينَ أَن يُلقَمُوا حَجَرًا وَأَن تُكَمَّمَ أَفوَاهُهُم ، وَأَن يُضرَبَ بِكَلامِهِم عُرضَ الحَائِطِ وَتُسَفَّهَ آراؤُهُم ، لا أَن يُفسَحَ لَهُمُ المَجَالُ في صُحُفِ المُسلِمِينَ النَّاطِقَةِ بِأَلسِنَتِهِم ، وَتُسَوَّدَ بِهُرَائِهِمُ وَمُغَالَطَاتِهِمُ الصَّفَحَاتُ ، وَلَكِنَّهَا السَّنَوَاتُ الخَدَّاعَةُ الَّتي أَخبَرَ بِهَا مَن لا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى ، حَيثُ قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ فِيمَا صَحَّ عَنهُ : " إِنَّ بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ سِنِينَ خَدَّاعَةً ، يُصَدَّقُ فِيهَا الكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ ، وَيُؤتَمَنُ فِيهَا الخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ ، وَيَنطِقُ فِيهَا الرُّوَيبِضَةُ " قِيلَ : وَمَا الرُّوَيبِضَةُ . قَالَ : المَرءُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ في أَمرِ العَامَّةِ " وَفي يَومِ الخَمِيسِ نَشَرَت إِحدَى جَرَائِدِنَا المَحَلِّيَّةِ وَعَلَى لِسَانِ أَحَدِ المَنسُوبِينَ إِلى عِلمِ الفَلَكِ في بِلادِنَا كَلامًا مَفَادُهُ التَّقلِيلُ مِن شَأنِ ظَاهِرَةِ الخُسُوفِ وَالكُسُوفِ ، حَيثُ وَصَفَ خُسُوفَ لَيلَةِ البَارِحَةِ بِالمُتَوَاضِعِ وَأَنَّهُ لا يَلفِتُ الأَنظَارَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الخُسُوفَ وَالكُسُوفَ حَدَثَانِ سَمَاوِيَّانِ مَعرُوفَانِ مُنذُ القَدَمِ ... وَكَانَ النَّاسُ في المَاضِي يَعتَقِدُونَ أَشيَاءَ لا أَسَاسَ لها مِنَ الصِّحَّةِ ، فَكَانُوا يَنسِبُونَ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ لِغَضَبِ الرَّبِّ ... إِلى آخِرِ مَا جَاءَ في تَصرِيحِهِ الهَزِيلِ مِن بَعضِ الحَقَائِقِ العِلمِيَّةِ الصَّادِقَةِ ، مَمزُوجَةً بِمُغَالَطَاتٍ شَرعِيَّةٍ فَادِحَةٍ . فَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ـ سُبحَانَهُ ـ مَا أَحلَمَهُ عَلَى خَلقِهِ وَمَا أَرحَمَهُ بِهِم وَمَا أَكرَمَهُ !! وَمَا أَجرَأَهُم عَلَى القَولِ عَلَيهِ بِلا عِلمٍ وَأَسرَعَهُم إِلى تَكذِيبِ رُسُلِهِ !! رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهَا ـ قَالَت : إِنَّ الشَّمسَ خَسَفَت عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَبَعَثَ مُنَادِيًا : الصَّلاةُ جَامِعَةٌ ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَربَعَ رَكَعَاتٍ في رَكعَتَينِ وَأَربَعِ سَجَدَاتٍ . قَالَت عَائِشَةُ : مَا رَكَعتُ رُكُوعًا قَطُّ وَلا سَجَدتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطوَلَ مِنهُ . وَفِيهِمَا عَن أَبي مُوسَى ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : خَسَفَتِ الشَّمسُ فَقَامَ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَزِعًا يَخشَى أَن تَكُونَ السَّاعَةُ ، فَأَتَى المَسجِدَ فَصَلَّى بِأَطوَلِ قِيَامٍ وَرَكُوعٍ وَسَجُودٍ ، مَا رَأَيتُهُ قَطُّ يَفعَلُهُ ، وَقَالَ : " هَذِهِ الآيَاتُ الَّتي يُرسِلُ اللهُ لا تَكُونُ لِمَوتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللهُ بها عِبَادَهُ ، فَإِذَا رَأَيتُم شَيئًا مِن ذَلِكَ فَافزَعُوا إِلى ذِكرِهِ وَدُعَائِهِ وَاستِغفَارِهِ " وَعَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبي بَكرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا ـ قَالَت : لَقَد أَمَرَ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ بِالعِتَاقَةِ في كُسُوفِ الشَّمسِ . رَوَاهُ البُخَارِيُّ . وَفي بَعضِ رِوَايَاتِ الكُسُوفِ في المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَن عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت : ثُمَّ انصَرَفَ وَقَدِ انجَلَتِ الشَّمسُ ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنى عَلَيهِ ثُمَّ قَالَ : " إِنَّ الشَّمسَ وَالقَمرَ آيَتَانِ مِن آيَاتِ اللهِ ، لا يَخسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيتُم ذَلِكَ فَادعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا " ثُمَّ قَالَ : " يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاللهِ مَا مِن أَحَدٍ أَغيَرُ مِنَ اللهِ أَن يَزنِيَ عَبدُهُ أَو تَزنِيَ أَمَتُهُ ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاللهِ لَو تَعلَمُونَ مَا أَعلَمُ لَضَحِكتُم قَلِيلاً وَلَبَكَيتُم كَثِيرًا " وَفي البُخَارِيِّ عَن أَبي بَكرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَانكَسَفَتِ الشَّمسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ المَسجِدَ ، فَدَخَلنَا فَصَلَّى بِنَا رَكعَتَينِ حَتَّى انجَلَتِ الشَّمسُ ، فَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " إِنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ لا يَنكَسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ ، فَإِذَا رَأَيتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادعُوا حَتَّى يُكشَفَ مَا بِكُم . وَعِندَ مُسلِمٍ عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبي بَكرٍ قَالَت : كَسَفَتِ الشَّمسُ عَلَى عَهدِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَفَزِعَ فَأَخطَأَ بِدِرعٍ حَتَّى أُدرِكَ بِرِدَائِهِ بَعدَ ذَلِكَ . قَالَت : فَقَضَيتُ حَاجَتي ثُمَّ جِئتُ وَدَخَلتُ المَسجِدَ فَرَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قَائِمًا فَقُمتُ مَعَه ... الحَدِيثَ . فَانظُرُوا ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ إِلى حَالِ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِاللهِ ، أَعلَمِ الخَلقِ بِاللهِ وَأَخشَاهُم لَهُ وَأَتقَاهُم لِمَولاهُ ، كَيفَ فَزِعَ وَخَافَ وَخَشِيَ أَن تَكُونَ السَّاعَةُ ؟ وَكَيفَ مَشَى غَيرَ مُصلِحٍ ثَوبَهُ ولا مُهتَمٍّ بِشَأنِهِ ؟ ثُمَّ كَيفَ بَادَرَ إِلى الصَّلاةِ مُسرِعًا حَتى إِنَّهُ لِشِدَّةِ سُرعَتِهِ وَاهتِمَامِهِ بِذَلِكَ أَرَادَ أَن يَأخُذَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَ دِرعَ بَعضِ أَهلِ البَيتِ سَهوًا وَذُهُولاً ، وَلم يَعلَمْ بِذَلِكَ لاشتِغَالِ قَلبِهِ بِأَمرِ الكُسُوفِ ، فَلَمَّا عَلِمَ أَهلُ البَيتِ أَنَّهُ تَرَكَ رِدَاءَهُ لَحِقُوهُ بِهِ ، ثُمَّ تَأَمَّلُوا بِأَيِّ شَيءٍ أَمَرَ وَإِلى أَيِّ تَصَرُّفٍ وَجَّهَ ؟ لَقَد أَمَرَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ بِالصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ ، وَوَجَّهَ إِلى الصَّدَقَةِ وَالعِتَاقَةِ ، فَمَا مَعنى كُلِّ ذَلِكَ وَمَا مُؤَدَّاهُ ؟! أَلا يَعني خَوفَهُ مِنَ العَذَابِ وَخشيَتَهُ غَضَبَ اللهِ ؟! أَلا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَمرَ مُحتَاجٌ مِنَ العِبَادِ إِلى التَّضَرُّعِ وَالتَّقَرُّبِ إِلى اللهِ ؟! أَلا فَمَا أَجهَلَ هَؤُلاءِ المُنتَسِبِينَ إِلى العِلمِ وَمَا أضحَلَ تَفكِيرَهُم ! لَقَدِ انتَكَسَت عُقُولُهُم الصَّغِيرَةُ وَزَلَّت بِهِمُ الأَفهَامُ القَاصِرَةُ ! فَتَهَاوَنُوا بِمَا اهتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ، وَتَعَامَلُوا بِبُرُودَةِ قُلُوبٍ مَعَ مَا فَزِعَ لَهُ نَبيُّ اللهِ ، فَصَدَقَ فِيهِم قَولُ الحَقِّ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لا يَعلَمُونَ . يَعلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَهُم عَنِ الآخِرَةِ هُم غَافِلُونَ " إِنَّ هَؤُلاءِ المُتَحَذلِقِينَ وَلَو بَدَا في الظَّاهِرِ أَنَّهُم عُلَمَاءُ وَأَنَّهُم يَعرِفُونَ الكَثِيرَ ، فَإِنَّهُم مَعَ ذَلِكَ لا يَعلَمُونَ ، ذَلِكَ أَنَّ عِلمَهُم سَطحِيٌّ ، يَتَعَلَّقُ بِظَوَاهِرِ الحَيَاةِ المَشهُودَةِ بِالأَعيُنِ ، وَلَكِنَّهُم لا يَتَعَمَّقُونَ في سُنَنِهَا الثَّابِتَةِ وَقَوَانِينِهَا الأَصِيلَةِ ، وَلا يُدرِكُونَ نَوَامِيسَهَا الكُبرَى وَارتِبَاطَاتِهَا الوَثِيقَةَ " يَعلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الحَيَاةِ الدُّنيَا " ثُمَّ لا يَتجَاوَزُونَ هَذَا الظَّاهِرَ وَلا يَرَونَ بِبَصِيرَتِهِم مَا وَرَاءَهُ مِنَ الحِكَمِ البَالِغَةِ ، وَلا يَنفُذُونَ بِعُقُولِهِم إِلى مَا خَلفَهُ مِنَ الأَسرَارِ البَاهِرَةِ . وَظَاهِرُ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَإِنْ بَدَا لِلنَّاسِ وَاسِعًا شَاِملاً ، فَإِنَّهُ مَحدُودٌ صَغِيرٌ حَقِيرٌ ، وَالحَيَاةُ المُشَاهَدَةُ كُلُّهَا بِنَاطِقِهَا وَسَاكِتِهَا وَصَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا وَقَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا ممَّا يَرَى النَّاسُ ، إِنَّمَا هِيَ طَرَفٌ صَغِيرٌ مِن ذَلِكُمُ الوُجُودِ الهَائِلِ وَالكُونِ الوَاسِعِ ، وَالَّذِي لا يَتَّصِلُ قَلبُهُ بِضَمِيرِ ذَلِكَ الوُجُودِ ، وَلا يَتَّصِلُ حِسُّهُ بِالنَّوَامِيسِ وَالسُّنَنِ الَّتي تُصَرِّفُهُ بِأَمرِ اللهِ وَحِكمَتِهِ ، يَظَلُّ يَنظُرُ وَكَأَنَّهُ لا يَرَى ، وَيَبقَى مُبصِرًا الشَّكلَ الظَّاهِرَ مَشغُولاً بِالحَرَكَةِ الدَّائِرَةِ ، وَلَكِنَّهُ لا يُدرِكُ الحِكَمَ اللَّطِيفَةَ وَلا يَعِيشُ بِهَا وَلا مَعَهَا . وَهَكَذَا فَإِنَّ مَن أَعرَضَ عَنِ القُرآنِ وَتَجَاهَلَ آيَاتِهِ ، لم يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِن أَن يَتَّخِذَهُ الشَّيطَانُ مَطِيَّةً لِضَلالاتِهِ " وَاتْلُ عَلَيهِم نَبَأَ الَّذِي آتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنهَا فَأَتبَعَهُ الشَّيطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ . وَلَو شِئنَا لَرَفَعنَاهُ بها وَلَكِنَّهُ أَخلَدَ إِلى الأَرضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إِن تَحمِلْ عَلَيهِ يَلهَثْ أَو تَترُكْهُ يَلهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ . سَاءَ مَثَلاً القَومُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُم كَانُوا يَظلِمُونَ . مَن يَهدِ اللهُ فَهُوَ المُهتَدِي وَمَن يُضلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ . وَلَقَد ذَرَأنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُم قُلُوبٌ لا يَفقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أَعيُنٌ لا يُبصِرُونَ بِهَا وَلَهُم آذَانٌ لا يَسمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ . وَللهِ الأَسمَاءُ الحُسنَى فَادعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلحِدُونَ في أَسمَائِهِ سَيُجزَونَ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ " أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ " وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرَجًا . وَيَرزُقْهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمرِهِ قَد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، يَنسَى النَّاسُ لِطُولِ مَا اعتَادُوا مِن مُرُورِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ جِدَّتَهُمَا المُتَكَرِّرَةَ ، وَلا يَرُوعُهُم مَطلَعُ الشَّمسُ وَلا مَغِيبُهَا إِلاَّ قَلِيلاً ، وَلا يَهُزُّهُم طُلُوعُ النَّهَارِ وَإِقبَاُل اللَّيلِ إِلاَّ نَادِرًا ، وَلا يَتَدَبَّرُونَ مَا في تَوَالِيهِمَا مِن رَحمَةٍ بهم وَإِنقَاذٍ لهم مِنَ البِلَى وَالدَّمَارِ أَوِ التَّعَطُّلِ وَالبَوَارِ ، وَمعَ هَذَا تَرَاهُم يَشتَاقُونَ إِلى الصُّبحِ حِينَ يَطُولُ بهمُ اللَّيلُ قَلِيلاً في أَيَّامِ الشِّتَاءِ ، فَكَيفَ لَو فَقَدُوا الضِّيَاءَ بِشَكلٍ دَائِمٍ . ثُمَّ هُم يَحُنُّونَ إِلى اللَّيلِ حِينَ يَطُولُ النَّهَارُ عَلَيهِم بِضعَ سَاعَاتٍ في الصَّيفِ ، وَيَجِدُونَ في ظَلامِ اللَّيلِ وَسُكُونِهِ المَلجَأَ وَالقَرَارَ بَعدَ تَعَبِ العَمَلِ في النَّهَارِ ، فَكَيفَ بِهِم لَو ظَلَّ النَّهَارُ عَلَيهِم سَرمَدًا إِلى يَومِ القِيَامَةِ ؟! أَلا إِنَّ كُلَّ شَيءٍ في هَذَا الكَونِ بِقَدَرٍ ، وَكُلَّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ في هَذِهِ الحَيَاةِ بِتَدبِيرٍ مُحكَمٍ ، وَكُلَّ شَيءٍ عِندَهُ ـ تَعَالى ـ بِمَقدَارٍ ، وَمِن ثَمَّ تَأتي آيَاتُ القُرآنِ الكَرِيمِ لِتَوقِظَ القُلُوبَ مِن رَقدَةِ الإِلفِ وَالعَادَةِ ، وَتُنقِذَ الأَنظَارَ مِنَ السَّهوِ وَالغَفلَةِ عَمَّا في الكَونِ مِن مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ ، لِيَتَفَكَّرَ الإِنسَانُ الضَّعِيفُ فِيمَا سَخَّرَهُ اللهُ لَهُ بِقُدرَتِهِ وَقُوَّتِهِ ، وَيُقِرَّ بِعَجزِهِ عَن إِعَادَتِهِ لِطَبِيعَتِهِ فِيمَا لَوِ اختَلَّ أَوِ اختَلَفَ ، فَيَرجِعَ بِذَلِكَ إِلى رَبِّهِ كُلَّمَا ابتَعَدَ عَنهُ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ " قُلْ أَرَأَيتُم إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيكُمُ اللَّيلَ سَرمَدًا إِلى يَومِ القِيَامَةِ مَن إِلَهٌ غَيرُ اللهِ يَأتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسمَعُونَ . قُلْ أَرَأَيتُم إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيكُمُ النَّهَارَ سَرمَدًا إِلى يَومِ القِيَامَةِ مَن إِلَهٌ غَيرُ اللهِ يَأتِيكُم بِلَيلٍ تَسكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبصِرُونَ . وَمِن رَحمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسكُنُوا فِيهِ وَلِتَبتَغُوا مِن فَضلِهِ وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ " إِنَّهَا آيَاتٌ مُدَبَّرَةٌ وَمَخلُوقَاتٌ مُسخَّرَةٌ بِأَمرِ اللهِ " إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استَوَى عَلَى العَرشِ يُغشِي اللَّيلَ النَّهَارَ يَطلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمرِهِ أَلا لَهُ الخَلقُ وَالأَمرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِين " " الشَّمسُ وَالقَمَرُ بِحُسبَانٍ " " وَالشَّمسُ تَجرِى لِمُستَقَرّ لَهَا ذَلِكَ تَقدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ وَالقَمَرَ قَدَّرنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرجُونِ القَدِيمِ . لاَ الشَّمسُ يَنبَغي لَهَا أَن تُدرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسبَحُونَ " وَإِنَّ هَذِهِ الآيَاتِ المُسَخَّرَةَ وَتِلكَ المَخلُوقَاتِ المُسَيَّرَةَ ، لَتَتَغَيَّرُ عَن نِظَامِهَا وَتَخرَجُ عَمَّا أَلِفَهَا النَّاسُ عَلَيهِ إِذَا انتَهَكُوا مَحَارِمَهُ ـ سُبحَانَهُ ـ وَتَجَرَّؤُوا عَلَى مَعصِيَتِهِ ، كُلَّ ذَلِكَ بِأَمرِ الجَبَّارِ ـ سُبحَانَهُ ـ وَتَقدِيرِهِ ، إِنذَارًا لِلعِبَادِ وَتَخوِيفًا لَهُم كَمَا قَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ : " وَمَا نُرسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخوِيفًا " أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَلْنُرِ اللهَ مِن أَنفُسِنَا خَيرًا ، فَإِنَّ عَذَابَهُ شَدِيدٌ ، وَمَعَ هَذَا فَرَحمَتُهُ وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ " يَبسُطُ يَدَهُ بِاللَّيلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ حَتى تَطلُعَ الشَّمسُ مِن مَغرِبِهَا " فَـ" تُوبُوا إِلى اللهِ تَوبَةً نَصُوحًا " " وَتُوبُوا إِلى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤمِنُونَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ " مُرُوا بِالمَعرُوفِ وَانهَوا عَنِ المُنكَرِ ، وَاعبَدُوا رَبَّكُم وَافعَلُوا الخَيرَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ . |
|
| | #23 (permalink) |
|
.:: مراقب ::. ![]() | أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ كَمَا أَمَرَكُم يُنجِزْ لَكُم مَا وَعَدَكُم " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللهَ يَجعَلْ لَكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ " " وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، لَمَّا كَانَ العِلمُ هُوَ أَكمَلَ مَطلُوبٍ في الدُّنيَا وَأَشرَفَ مَرغُوبٍ ، وَطَرِيقَ الخَوفِ مِنَ اللهِ وَخَشيَتِهِ وَسَبِيلَ الوُصُولِ إِلى مَرضَاتِهِ وَجَنَّتِهِ ، أَمَرَ اللهُ ـ تَعَالى ـ نَبِيَّهُ بِالاستِزَادَةِ مِنهُ فَقَالَ ـ : " وَقُلْ رَبِّ زِدْني عِلمًا " وَقَد جَعَلَ ـ تَعَالى ـ العِلمَ سَبَبًا لِلرِّفعَةِ في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " يَرفَعِ اللهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ " وَنَفَى ـ سُبحَانَهُ ـ استِوَاءَ أَهلِ العِلمِ بِغَيرِهِم ممَّن لا حَظَّ لَهُ فِيهِ فَقَالَ : " قُلْ هَل يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعلَمُونَ " وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لأَنَّ العُلَمَاءَ هُم أَهلُ الصَّبرِ وَاليَقِينِ ، وَهُم أَعرَفُ النَّاسِ بِاللهِ وَأَتقَاهُم لَهُ وَأَخشَاهُم مِنهُ وَأَخوَفُهُم مِن عَذَابِهِ ، وَلأَنَّهُمُ الهُدَاةُ إِلى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ وَالمُرشِدُونَ إِلى الطَّرِيقِ القَوِيمِ ، وَالحَامِلُونَ لِلثَّقَلَينِ وَالحَافِظُونَ لِلوَحيَينِ ، المُتَدَبِّرُونَ لما فِيهِمَا مِنَ الأَمثَالِ ، العَاقِلُونَ لما يَنطَوِيَانِ عَلَيهِ مِنَ الحِكَمِ وَالأَسرَارِ ، قَالَ ـ تَعَالى ـ : " وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ " وَقَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " إنَّمَا يَخشَى اللهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ " وَقَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ : " وَتِلكَ الأَمثَالُ نَضرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ " وَقَالَ ـ صَلََّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " يَحمِلُ هَذَا العِلمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ، يَنفُونَ عَنهُ تَحرِيفَ الغَالِينَ وَانتِحَالَ المُبطِلِينَ وَتَأوِيلَ الجَاهِلِينَ " رَوَاهُ البَيهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ . وَلَقَدِ استَشهَدَ اللهُ بِالعُلَمَاءِ في أَجَلِّ مَشهُودٍ عَلَيهِ وَهُوَ تَوحِيدُهُ ، فَقَالَ ـ تَعَالى ـ : " شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُو العِلمِ قَائِمًا بِالقِسطٍ " قَالَ ابنُ القَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضلِ العِلمِ وَأَهلِهِ مِن وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : استِشهَادُهُم دُونَ غَيرِهِم مِنَ البَشَرِ . وَالثَّاني : اقتِرَانُ شَهَادَتِهِم بِشَهَادَتِهِ . وَالثَّالِثُ : اقتِرَانُ شَهَادَتِهِم بِشَهَادَةِ مَلائِكَتِهِ . وَالرَّابِعُ : أَنَّ في ضِمنِ هَذَا تَزكِيَتَهُم وَتَعدِيلَهُم ؛ فَإِنَّ اللهَ ـ تَعَالى ـ لا يَستَشهِدُ مِن خَلقِهِ إِلاَّ العُدُولَ . وَقَد عَرَفَ المُسلِمُونَ لِلعُلَمَاءِ قَدرَهُم وَحَفِظُوا لهم مَكَانَتَهُم ، وَأَنزَلُوهُم مَنزِلَتَهُم اللاَّئِقَةَ بهم ، فَكَانُوا مِنَ الخُلَفَاءِ وَالوُلاةِ مَحَلَّ الثِّقَةِ وَفي غَايَةِ التَّقرِيبِ ، وَمِنَ العَامَّةِ في عَينِ الإِعزَازِ وَمَركَزِ التَّقدِيرِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ المُسلِمُونَ ذَلِكَ تَدَيُّنًا وَتَقَرُّبًا إِلى اللهِ ، لِمَا يَحمِلُهُ العُلَمَاءُ مِن مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ الَّذِي هُوَ أَثمَنُ مِيرَاثٍ وَأَغلاهُ ، وَلِمَا تَختَزِنُهُ صُدُورُهُم مِن عِلمِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ ، اللَّذَينِ هُمَا أَشرَفُ العُلُومِ وَأَجَلُّ المَعَارِفِ ، وَلأَنَّ ذَلِكَ هُوَ فِعلُ نَبِيِّهِم ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ القَائِلِ : " وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ ، وإنَّ الأَنبِيَاءَ لم يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرهَمًا ، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا العِلمَ فَمَن أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافَرَ " وَلَمَّا جَاءَهُ صَفوَانُ بنُ عَسَّالٍ المُرَادِيُّ طَالِبًا لِلعِلمِ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِني جِئتُ أَطلُبُ العِلمَ . قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " مَرحَبًا بِطَالِبِ العِلمِ ، إنَّ طَالِبَ العِلمِ تَحُفُّهُ المَلائِكَةُ بِأَجنِحَتِهَا ثُمَّ يَركَبُ بَعضُهُم بَعضًا حَتَّى يَبلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنيَا مِن مَحَبَّتِهِم لما يَطلُبُ " وَقَال ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " فَضلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضلِي عَلَى أَدنَاكُم " وَلِمَ لا يُقَدِّرُ المُسلِمُونَ بَعدَ ذَلِكَ عُلَمَاءَهُم وَيُجَلِّونَهُم ؟ بَل وَمَا لهم لا يَحمِلُونَ لهم خَالِصَ المَحَبَّةِ وَاللهُ يُصَلِّي عَلَيهِم فَوقَ سَمَاوَاتِهِ وَمَلائِكَتُهُ وَأَصغَرُ مَخلُوقَاتِهِ ؟ قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " إنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهلَ السَّمَاوَاتِ وَأَهلَ الأَرضِ حَتَّى النَّملَةَ في جُحرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ في المَاءِ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيرَ " إِنَّ العُلَمَاءَ لَحَرِيُّونَ بِكُلِّ تَقدِيرٍ وَتَكرِيمٍ ، جَدِيرُونَ بِكُلِّ إِجلالٍ وَإِعزَازٍ ، حَقِيقُونَ بِأَن تَنصَحَ لَهُمُ القُلُوبُ وَتُحِبَّهُمُ النُّفُوسُ ، ذَلِكَ هُوَ سَبِيلُ عِبَادِ اللهِ المُؤمِنِينَ ، وَتِلكَ عَقِيدَتُهُم الَّتي يَحمِلُونَهَا في قُلُوبِهِم ، عَمَلاً بقَولِ إِمَامِهِم ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيهِنَّ قَلبُ مُسلِمٍ : إِخلاصُ العَمَلِ للهِ ، وَمُنَاصَحَةُ وُلاةِ الأَمرِ ، وَلُزُومُ الجَمَاعَةِ ؛ فَإِنَّ دَعوَتَهُم تُحيَطُ مِن وَرَائِهِم " وَخَوفًا مِنَ الدُّخُولِ في حَربِ رَبِّهِم وَحَذَرًا مِنَ الخُرُوجِ مِن دَائِرَةِ المُؤمِنِينَ ، قَالَ ـ تَعَالى ـ في الحَدِيثِ القُدسِيِّ : " مَن عَادَى لي وَلِيًّا فَقَد آذَنتُهُ بِالحَربِ " وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " لَيسَ مِنَّا مَن لم يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ " قَالَ الإِمَامُ أَبُو بَكرٍ الآجُرِّيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنِ العُلَمَاءِ وَمَكَانَتِهِم : فَضَّلَهُم عَلَى سَائِرِ المُؤمِنِينَ وَذَلِكَ في كُلِّ زَمَانٍ وَأَوَانٍ ، رَفَعَهُم بِالعِلمِ ، وَزَيَّنَهُم بِالحِلمِ ، بهم يُعرَفُ الحَلالُ مِنَ الحَرَامِ ، وَالحَقُّ مِنَ البَاطِلِ ، وَالضَّارُّ مِنَ النَّافِعِ ، وَالحَسَنُ مِنَ القَبِيحِ ، فَضلُهُم عَظِيمٌ ، وَخَطَرُهُم جَزِيلٌ ، وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ ، وَقُرَّةُ عَينِ الأَولِيَاءِ ، الحِيتَانُ في البَحرِ لهم تَستَغفِرُ ، وَالمَلائِكَةُ بِأَجنِحَتِهَا لهم تَخضَعُ ، وَالعُلَمَاءُ في القِيَامَةِ بَعدَ الأَنبِيَاءِ تَشفَعُ ، مَجَالِسُهُم تُفِيدُ الحِكمَةَ ، وَبِأَعمَالِهِم يَنزَجِرُ أَهلُ الغَفلَةِ ، هُم أَفضَلُ مِنَ العُبَّادِ ، وَأَعلَى دَرَجَةً مِنَ الزُّهَّادِ ، حَيَاتُهُم غَنِيمَةٌ ، وَمَوتُهُم مُصِيبَةٌ ، يُذَكِّرُونَ الغَافِلَ ، وَيُعَلِّمُونَ الجَاهِلَ ، لا يُتَوَقَّعُ لهم بَائِقَةٌ ، وَلا يُخَافُ مِنهُم غَائِلَةٌ ... إِلى أَن قَالَ ـ رَحِمَهُ اللهُ : فَهُم سِرَاجُ العِبَادِ وَمَنَارُ البِلادِ ، وَقِوَامُ الأُمَّةِ وَيَنَابِيعُ الحِكمَةِ ، هُم غَيضُ الشَّيطَانِ ، بهم تَحيَا قُلُوبُ أَهلِ الحَقِّ وَتَمُوتُ قُلُوبُ أَهلِ الزَّيغِ ، مَثَلُهُم في الأَرضِ كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ يُهتَدَى بها في ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحرِ ، إِذَا انطَمَسَتِ النُّجُومُ تَحَيَّرُوا ، وَإِذَا أَسفَرَ عَنهُمُ الظَّلامُ أَبصَرُوا . وَقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ في عَقِيدَتِهِ : وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ وَمَن بَعدَهُم مِنَ التَّابِعِينَ أَهلِ الخَيرِ وَالأَثَرِ وَأَهلِ الفِقهِ وَالنَّظَرِ لا يُذكَرُونَ إِلاَّ بِالجَمِيلِ ، وَمَن ذَكَرَهُم بِسُوءٍ فَهُوَ عَلَى غَيرِ السَّبِيلِ . وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهبيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ في سِيَرِ أَعلامِ النُّبَلاءِ : ثُمَّ إِنَّ الكَبِيرَ مِنَ العُلَمَاءِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُهُ وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلحَقِّ وَاتَّسَعَ عِلمُهُ وَظَهَرَ ذَكَاؤُهُ وَعُرِفَ صَلاحُهُ وَوَرَعُهُ وَاتِّبَاعُهُ يُغفَرُ لَهُ زَلَلُهُ وَلا نُضَلِّلُهُ وَلا نَطَّرِحُهُ وَنَنسَى مَحَاسِنَهُ . اِنتَهَى كَلامُهُ ... هَذِهِ مَكَانَةُ العُلَمَاءِ عِندَ رَبِّهِم وَنَبِيِّهِم وَالمُؤمِنِينَ ، وَإِنَّكَ لَتَعجَبُ مِن أَقوَامٍ في عَصرِنَا ، ممَّن قَلَّ بِاللهِ عِلمُهُم وَضَعُفَ في الدِّينِ فِقهُهُم ، أُترِعَت قُلُوبُهُم عَلَى العُلَمَاءِ حِقدًا وَحَسَدًا ، وَامتَلأَت صُدُورُهُم عَلَى الدُّعَاةِ غَيظًا وَغِلاًّ ، لم يُقَدِّرُوا عَالِمًا لِعلِمِهِ ، وَلم يُجِلُّوا دَاعِيَةً لِفَضلِهِ ، وَلم يَحفَظُوا لِمُصلِحٍ سَابِقَتَهُ ، وَلم يُقِيلُوا لِذِي هَيئَةٍ عَثرَتَهُ ، سَلِمَ مِنهُم أَعدَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ ، وَلم يَسلَمْ مِنهُم عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ وَدُعَاةُ الحَقِّ العَامِلِينَ المُخلِصِينَ ، وَبَدَلاً مِن أَن يَبدَؤُوا عُلَمَاءَهُم بِالتَّحِيَّةِ وَالتَّرحِيبِ ، وَيَلقَوا دُعَاتَهُم بِالبِشرِ وَالسُّرُورِ وَالتَّكرِيمِ ، تَلَقَّوهُم بِالسُّخرِيَةِ وَالتَّهَكُّمِ ، وَرَمَوهُم بِالغُلُوِّ وَالتَّشَدُّدِ ، وَاتَّهَمُوهُم بِإِثَارَةِ الفِتَنِ وَالتَّحرِيضِ عَلَى الوُلاةِ ، وَوَصَمُوهُم بِأَنَّهُم بَعِيدُونَ عَنِ الوَاقِعِ ، وَوَصَفُوهُم بِأَنَّهُم يَعِيشُونَ في المَاضِي ، وَإِنَّكَ لَتَعجَبُ أَن يَكُونَ ذَلِكَ في بَعضِ صُحُفِ بِلادِنَا وَجَرَائِدِهَا وَمَوَاقِعِ الشَّبَكَةِ فِيهَا ، وَأَن يَتَوَلاَّهُ أُنَاسٌ ممَّن يُنسَبُونَ إِلى أَهلِ السُّنَّةِ ، لا هَمَّ لهم إِلاَّ السُّخرِيَةُ وَالاستِهزَاءُ وَالشَّمَاتَةُ ، وَلا وَظِيفَةَ لهم إِلاَّ تَصَيَّدُ الزَّلاَّتِ وَتكبِيرُ السَّقطَاتِ ، يَبحَثُونَ عَنِ الكَلِمَاتِ المُوهِمَةِ ، وَيُنَقِّبُونَ عَنِ الأَلفَاظِ المُحتَمِلَةِ ، وَيَضَعُونَ الأَقوَالَ في غَيرِ سِيَاقِهَا ، وَيَبتُرُونَ النُّصُوصَ عَمَّا قَبلَهَا وَبَعدَهَا . إِنَّ عُلَمَاءَ السُّنَّةِ اليَومَ يُوَاجِهُونَ هَجَمَاتٍ شَدِيدَةً ، وَيَلقَونَ تَضيِيقًا وَأَذًى كَثِيرًا ، يَتَوَلاَّهُ أَعدَاءُ الدِّينِ المُنَاوِئِينَ لأَهلِ السُّنَّةِ كَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالرَّافِضَةِ ، وَيَنفُخُ فِيهِ مُنَافِقُو الصَّحَافَةِ وَيَنشُرُهُ أَقزَامُ الإِعلامِ ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لأَنَّ عُلَمَاءَ الأُمَّةِ هُم قَادَتُهَا لِلحَقِّ وَأَمَلُهَا في العَودَةِ إِلى سَابِقِ عَهدِهَا مِنَ العِزَّةِ وَالمَنَعَةِ وَالرِّفعَةِ ، وَلأَنَّهُم هُدَاتُهَا إِلى طَرِيقِ الأَمنِ وَمُبَلِّغِيهَا سَاحِلَ الأَمَانِ ، وَلا سِيَّمَا في أَزمِنَةِ الفِتَنِ وَأَوقَاتِ المِحَنِ . أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَانتَبِهُوا لما يُحَاكُ لَكُم ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ هُم أَعلامُ الهُدَى وَنُجُومُ الدُّجَى ، وَهُم دُعَاةُ الخَيرِ وَحُمَاةُ الفَضِيلَةِ ، وُجُودُهُم مِن عَلامَاتِ الخَيرِ وَالبَرَكَةِ ، وَكَثرَتُهُم مِن أَمَارَاتِ التَّوفِيقِ وَالعِصمَةِ ، لا يُحِبُّهُم إِلاَّ مُؤمِنٌ ، وَلا يُبغِضُهُم إِلاَّ مُنَافِقٌ ، وَلا تَزَالُ الأُمَّةُ بِخَيرٍ مَا عَظَّمَتهُم وَوَقَّرَتهُم ، وَعَرَفَت لهم قَدرَهُم وَحَفِظَت لهم مَكَانَتَهُم ، لأَنَّ في ذَلِكَ تَعظِيمًا لِلشَّرِيعَةِ وَحِفظًا لِلدِّينِ ، وَأَمَّا إِذَا أَذَلَّت أُمَّةٌ عُلَمَاءَهَا ، أَو سَمَحَت بِأَن يَنَالَ مِنهُم سُفَهَاؤُهَا ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ نَذِيرٌ شُؤمٍ عَلَيهَا وَمِفتَاحُ شَرٍّ ، وَمُؤذِنٌ لها بِخَيبَةٍ وَخَسَارَةٍ . إِنَّ شَرَفَ العُلَمَاءِ لَيسَ مَربُوطًا بما لهم مِن مَنصِبٍ أَو وَظِيفَةٍ ، وَمَصدَرُ جَاهِهِم لَيسَ مَا هُم عَلَيهِ مِن حَسَبٍ أَو نَسَبٍ أَو مَالٍ ، وَمُوالاتُهُم لَيسَت حَسَبَ بُلدَانِهِم وَجِنسِيَّاتِهِم وَأَعرَاقِهِم وَانتِمَائِهِم ، بَل شَرَفُهُم بِمَا يَحمِلُونَهُ مِن عِلمِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَجَاهُهُم بِالتِزَامِهِم بِمَنهَجِ الأَنبِيَاءِ في العِلمِ وَالتَّعلِيمِ وَالجِهَادِ وَالدَّعوَةِ ، وَالمَنَاصِبُ هِيَ الَّتي تَشرُفُ بِالعُلَمَاءِ ، وَالبِلادُ هِيَ الَّتي تَفخَرُ بِهِم ، وَهُمُ المِيزَانُ في مَعرِفَةِ مَا عَلَيهِ العَامَّةِ مِنَ الأَحوَالِ ، وَأَهلُ الرَّأيِ في مُدلَهِمَّاتِ الأُمُورِ ، وَلا خَيرَ فِيمَن لا يَعرِفُ لهم قَدرَهُم وَمَنزِلَتَهُم ، وَلا بَرَكَةَ في لِسَانٍ يَطعَنُ في أَمَانَتِهِم وَدِيَانَتِهِم ، ولا عِزَّ لمن يَسعَى جَاهِدًا في تَشوِيهِ صُورَتِهِم ، أَلا فَأَخرَسَ اللهُ أَلسِنَةً تَتَقَوَّلُ عَلَيهِم مَا لم يَفعَلُوا ، وَفَضَّ أَفوَاهًا تَتشدق ِبنَقدِهِم عَلَى غَيرِ بُرهَانٍ ، وَأَعمَى أَعيُنًا لا تَنظُرُ لهم بِنَظرَةِ التَّقدِيرِ وَالتَّكرِيمِ . اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في عُلَمَائِنَا وَدُعَاتِنَا ، وَوَفِّقْنَا لِلاستِفَادَةِ مِنهُم وَسُلُوكِ طَرِيقِهِم عَلَى الحَقِّ ، وَاهدِنَا سَوَاءَ السَّبِيلِ وَتَبْ عَلَينَا ، وَاعفُ عنَّا واغفِرْ لَنَا وَارحَمْنَا ، أَنتَ مَولانَا فَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ . أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنَهيَهُ وَلا تَعصُوهُ . وَاعلَمُوا أَنَّ لِلوَقِيعَةِ في العُلَمَاءِ وَانتِهَاكِ أَعرَاضِهِم عَوَاقِبَ وَخِيمَةً وَنَتَائِجَ خَطِيرَةً وَآثَارًا سَلبِيَّةً ، يُدرِكُهَا مَن تَأَمَّلَ الوَاقِعَ وَاتَّسَعَ أُفُقُهُ وَبَعُدَ نَظَرُهُ . مِن ذَلِكَ أَنَّ جَرحَ العَالِمِ سَبَبٌ في امتِهَانِ مَا يَحمِلُهُ مِنَ العِلمِ وَرَدِّ مَا يَقُولُهُ مِنَ الحَقِّ ، بَلْ إِنَّ جَرحَ العَالِمِ مَا هُوَ إِلاَّ جَرحٌ لِلعِلمِ الَّذِي مَعَهُ وَتَنَقُّصٌ لِلمِيرَاثِ الَّذِي بَينَ جَنبَيهِ ، وَكَفَى بِذَلِكَ جَرحًا لِلنَّبيِّ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ وَإِيذَاءً لَهُ وَانتِقَاصًا ، وَكَفَى بِهِ إِيذَاءً لِلرَّبِّ ـ جَلَّ وَعَلا ـ وَإِغضَابًا لَهُ ، وَقَد قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ " إِنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُم عَذَابًا مُهِينًا . وَالَّذِينَ يُؤذُونَ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكتَسَبُوا فَقَدِ احتَمَلُوا بُهتَانًا وَإِثمًا مُبِينًا " وَمِنَ الآثَارِ أَنَّ جَرحَ العُلَمَاءَ إِسقَاطٌ لِلقُدُوَاتِ الصَّالِحَةِ لِلأُمَّةِ ، وَرَفعٌ لِلقُدُوَاتِ الزَّائِفَةِ السَّيِّئَةِ ، ممَّا يُبعِدُ طُلاَّبَ العِلمِ عَنِ العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ ، وَيُعَلِّقُهُم بِالجَاهِلِينَ وَالمُفسِدِينَ ، وَحِينَئِذٍ يَسِيرُ الشَّبَابُ عَلَى غَيرِ هُدًى ؛ فَيَتَعَرَّضُونَ لِلأَخطَارِ وَيَقَعُونَ في الأَخطَاءِ ، وَلا يَسلَمُونَ مِنَ الشَّطَطِ وَالزَّلَلِ ، وَمِن ثَمَّ يَكُونُونَ مَعَاوِلَ هَدمٍ وَعَوَامِلَ إِفسَادٍ . وَمِن آثَارِ تَجرِيحِ العُلَمَاءِ وَتَقلِيلِ شَأنِهِم في نَظَرِ العَامَّةِ ، وَإِذهَابِ هَيبَتِهِم وَإِنقَاصِ قِيمَتِهِم في صُّدُورِ الخَاصَّةِ ، أَنَّ هَذَا أكبرُ خِدمَةٍ وَمُسَاعَدَةٍ يُمكِنُ أَن تُقَدَّمَ لأَعدَاءِ اللهِ ، لِيُنَفِّذُوا مُخَطَّطَاتِهِم في تَغرِيبِ الأُمَّةِ وَإِبعَادِهَا عَن دِينِهَا ، وَلِيَسهُلَ عَلَيهِم تَخرِيبُ البِلادِ وَإِفسَادُ العِبَادِ ، وَلِيَتَمَكَّنُوا مِن غَزوِ الأَوطَانِ فِكرِيًّا وَتَدمِيرِهَا خُلُقِيًّا . أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاعرِفُوا لِعُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ قَدرَهُم ، وَعَظِّمُوا شَعَائِرَ رَبِّكُم " ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ " |
|
| | #24 (permalink) |
|
.:: مراقب ::. ![]() | أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " فَاتَّقُوا اللهَ مَا استَطَعتُم وَاسمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيرًا لأَنفُسِكُم وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، جُبِلَ النَّاسُ عَلَى مَحَبَّةِ ذَوَاتِهِم وَالانتِصَارِ لأَنفُسِهِم ، وَاعتَادُوا الضَّنَّ بما في أَيدِيهِم وَالشُّحَّ بما يَملِكُونَ " وَأُحضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ " وَمِن ثَمَّ فَإِنَّهَا لا بُدَّ أَن تَنشَأَ بَينَهُم بَعضُ الخِلافَاتِ وَإِن صَغُرَت ، وَتَتَعَدَّدَ مِنهُم وِجهَاتُ الأَنظَارِ وَإِنِ اقتَرَبَت ، وَقَد تَتَطَوَّرُ الخِلافَاتُ وَتَبتَعِدُ الوِجهَاتُ حَتى تَكُونَ لِجَاجًا وَخِصَامًا ، وَيَتَوَلَّدَ مِنهَا نِزَاعٌ وَشِقَاقٌ ، يَحصُلُ بَعدَهُ تَبَاعُدٌ وَتَنَافُرٌ ، تَتَعَقَّدُ بِسَبَبِهِ الحَيَاةُ وَيَفسُدُ العَيشُ ، وَتُشحَنُ القُلُوبُ وَتَضِيقُ الصُّدُورُ ، وَيُصبِحُ المُسلِمُ لا يُطِيقُ أَن يَملأَ عَينَيهِ بِرُؤيَةِ أَخِيهِ ، فَإِذَا لَمَحَهُ في طَرِيقٍ سَلَكَ غَيرَهُ ، وَإِن جَمَعَهُ بِهِ مَجلِسٌ خَرَجَ مُسرِعًا وَفَارَقَهُ ، بَل قَد يَكُونَانِ مِن جماعَةِ مَسجِدٍ وَاحِدٍ فَيَترُكَانِهِ أَو يَترُكُهُ أَحَدُهُمَا ، وَيَطُولُ الهَجرُ وَتَمتَدُّ القَطِيعَةُ ، وَتَذهَبُ الأَيَّامُ وَالأَعمَالُ لا تُرفَعُ ، وَتَمضِي السَّنَوَاتُ وَمَا في الاجتِمَاعِ مَطمَعٌ ، وَقَد تَتَعَدَّدُ المُحَاوَلاتُ مِن أَهلِ الخَيرِ لإِصلاحِ مَا فَسَدَ وَوَصلِ مَا انقَطَعَ ، وَمَعَ هَذَا يَظَلُّ في النُّفُوسِ شَيءٌ مِنَ الغَيظِ وَالمَوجِدَةِ ، وَيَبقَى التَّعَامُلُ مِن الجَانِبَينِ مَشُوبًا بِالحَذَرِ ، وَمِن ثَمَّ فَإِنَّهُ لا أَسرَعَ في إِطفَاءِ نَارِ الخِلافَاتِ وَإِخمَادِ لَهِيبِهَا ، وَلا أَنجَعَ في تَخفِيفِ سَعِيرِ العَدَاوَاتِ وَإِمَاتَةِ شُعَلِهَا ، مِن إِلقَاءِ بَردِ العَفوِ عَلَيهَا وَمُعَاجَلَتِهَا بِغَيثِ الصَّفحِ ، وَصَبِّ مَاءِ التَّسَامُحِ عَلَى القُلُوبِ ؛ لِيُطَهِّرَهَا مِن دَنَسِهَا وَيُنَقِّيَهَا مِن وَضَرِهَا ، وَيَسقِيَ جُذُورَ الحُبِّ وَيَروِيَ غِرَاسَ المَوَدَّةِ ، وَيُعِيدَ لأَغصَانِ الأُنسِ وَالأُلفَةِ رُوَاءَهَا ، فَتَرجِعَ لِلصَّفِّ وِحدَتُهُ ، وَيَعُودَ لِلكَلِمَةِ اجتِمَاعُهَا ، وَمِن ثَمَّ تَعِيشُ الأُمَّةُ أَفرَادًا وَجَمَاعَاتٍ في أَمنٍ وَاطمِئنَانٍ وَتَآلُفٍ ، فَتَتَفَرَّغُ لِمَا فِيهِ صَلاحُهَا وَفَلاحُهَا ، وَتَتَعَاوَنُ عَلَى مَا بِهِ فَوزُهَا وَنَجَاحُهَا . أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، لَقَد جَاءَ الإِسلامُ في هَذَا الشَّأنِ بما يَردَعُ بَوَادِرَ الظُّلمِ وَيَكُفُّ نَزَوَاتِ الانتِقَامِ ، وَتَكَاثَرَت نُصُوصُهُ لَقَطعِ رَغَبَاتِ الإِسَاءَةِ وَمَنعِ شَهَوَاتِ الانتِصَارِ ، بَل جَاءَت نُصُوصُهُ لِلارتِفَاعِ بِالمُسلِمِ عَنِ المُعَامَلَةِ بِالمِثلِ وَمُقَابَلَةِ الإِسَاءَةِ بِالإِسَاءَةِ ، وَحَثِّهِ على الدَّفعِ بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ ، وَتَرغِيبِهِ في الصَّفحِ عَنِ الأَذَى وَالعَفوِ عَنِ الإِسَاءَةِ ، وَالاتِّصَافِ بِالحِلمِ وَتَركِ الغَضَبِ ، وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الانتِصَارِ لِلنَّفسِ . قَالَ ـ تَعَالى ـ : " وَلا تَستَوِي الحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَليٌّ حَمِيمٌ " وَقَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالمِينَ " وَبِالعَفوِ وَالصَّفحِ أَمَرَ اللهُ ـ سُبحَانَهُ ـ نَبِيَّهُ فَقَالَ : " خُذِ العَفوَ وَأْمُرْ بِالعُرفِ وَأَعرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ " وَقَالَ ـ تَعَالى ـ : فَاصفَحِ الصَّفحَ الجَمِيلَ " وَبِالعَفوِ وَالصَّفحِ أَمَرَ اللهُ المُؤمِنِينَ ، وَجَعَلَ نَتِيجَتَهُ مَغفِرَتَهُ ذُنُوبَهُم وَرَحمَتَهُ إِيَّاهُم ، فَقَالَ ـ تَعَالى ـ : " وَلْيَعفُوا وَلْيَصفَحُوا " وقال : " وَإِن تَعفُوا وَتَصفَحُوا وَتَغفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " وقال : " إِن تُبدُوا خَيرًا أَو تُخفُوهُ أَو تَعفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا " بَل لَقَد جَعَلَ الصَّبرَ عَلَى الأَذَى وَغُفرَانَ الزَّلاتِ في بَعضِ الفَتَرَاتِ ممَّا يَجِبُ فَقَالَ ـ تَعَالى ـ : " وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزمِ الأُمُورِ " وَقَالَ ـ تَعَالى ـ في وَصفِ المُهَيَّئِينَ لِجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ : " وَالكَاظِمِينَ الغَيظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحسِنِينَ " وَقَد كَانَ العَفوُ خُلُقَ نَبِيِّنَا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَلَم يَكُنْ لِيَنتَقِمَ لِنَفسِهِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ بَل كَانَ يَعفُو وَيَصفَحُ ، بَل وَيَفعَلُ الخَيرَ وَيُحسِنُ إِلى مَن أَسَاءَ إِلَيهِ ، عَن عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهَا ـ قَالَت : مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ شَيئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلا امرَأَةً وَلا خَادِمًا ، إِلاَّ أَن يُجَاهِدَ في سَبِيلِ اللهِ ، وَمَا نِيلَ مِنهُ شَيءٌ قَطُّ فَيَنتَقِمَ مِن صَاحِبِهِ إِلاَّ أَن يُنتَهَكَ شَيءٌ مِن مَحَارِمِ اللهِ ـ تَعَالى ـ فَيَنتَقِمَ للهِ ـ تَعَالى ـ رَوَاهُ مُسلِمٌ . وَعَن أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : كُنتُ أَمشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَعَلَيهِ بُردٌ نَجرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ ، فَأَدرَكَهُ أَعرَابيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبذَةً شَدِيدَةً ، فَنَظَرتُ إِلى صَفحَةِ عَاتِقِ النَّبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَد أَثَّرَت بها حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِن شِدَّةِ جَبذَتِهِ ، ثم قَالَ : يَا محمدُ ، مُرْ لي مِن مَالِ اللهِ الَّذِي عِندَكَ ، فَالتَفَتَ إِلَيهِ فَضَحِكَ ، ثم أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ . أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ كُلَّ عَبدٍ لا بُدَّ أَن يُذنِبَ وَيُخطِئَ ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ يُحِبُّ أَن يَغفِرَ لَهُ رَبُّهُ وَيَعفُوَ عَنهُ سَيِّدُهُ ، وَإِنَّ العَفوَ عَنِ النَّاسِ لَمِن أَسبَابِ عَفوِ اللهِ عَنِ العَبدِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ :"وَلْيَعفُوا وَلْيَصفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ اللهُ لَكُم وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " قَالَ ابنُ كَثِيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : وَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَت في الصِّدِّيقِ حِينَ حَلَفَ أَلاَّ يَنفَعَ مِسطَحَ بنَ أُثَاثَةَ بِنَافِعَةٍ بَعدَ مَا قَالَ في عَائِشَةَ مَا قَالَ ... فَلَمَّا أَنزَلَ اللهُ بَرَاءَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ وَطَابَتِ النُّفُوسُ المُؤمِنَةُ وَاستَقَرَّت ، وَتَابَ اللهُ عَلَى مَن كَانَ تَكَلَّمَ مِنَ المُؤمِنِينَ في ذَلِكَ ، وَأُقِيمَ الحَدُّ عَلَى مَن أُقِيمَ عَلَيهِ ، شَرَعَ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالى وَلَهُ الفَضلُ وَالمِنَّةُ ـ يُعَطِّفُ الصِّدِّيقَ عَلَى قَرِيبِهِ وَنَسِيبِهِ وَهُوَ مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ ، فَإِنَّهُ كَانَ ابنَ خَالَةِ الصِّدِّيقِ ، وَكَانَ مِسكِينًا لا مَالَ لَهُ إِلاَّ مَا يُنفِقُ عَلَيهِ أَبُو بَكرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ وَكَانَ مِنَ المُهَاجِرِينَ في سَبِيلِ اللهِ ، وَقَد وَلَقَ وَلْقَةً تَابَ اللهُ عَلَيهِ مِنهَا ، وَضُرِبَ الحَدَّ عَلَيهَا ، وَكَانَ الصِّدِّيقُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ مَعرُوفًا بِالمَعرُوفِ ، لَهُ الفَضلُ وَالأَيَادِي عَلَى الأَقَارِبِ وَالأَجَانِبِ ، فَلَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ إِلى قَولِهِ : " أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ اللهُ لَكُم وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " أَي : فَإِنَّ الجَزَاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ ، فَكَمَا تَغفِرُ عَنِ المُذنِبِ إِلَيكَ نَغفِرُ لَكَ ، وَكَمَا تَصفَحُ نَصفَحُ عَنكَ ، فَعِندَ ذَلِكَ قَالَ الصِّدِّيقُ : بَلَى ، وَاللهِ إِنَّا نُحِبُّ يَا رَبَّنَا أَن تَغفِرَ لَنَا . ثم رَجَعَ إِلى مِسطَحٍ مَا كَانَ يَصِلُهُ مِنَ النَّفَقَةِ ، وَقَالَ : وَاللهِ لا أَنزَعُهَا مِنهُ أَبَدًا . اِنتَهَى كَلامُهُ . إِنَّهَا النُّفُوسُ المُؤمِنَةُ الطَّاهِرَةُ الَّتي استَنَارَت بِنُورِ الصِّدقِ وَالتَّصدِيقِ ، وَوَجَدَت مِن بَردِ اليَقِينِ بِالأَجرِ مَا أَطفَأَ لَهِيبَ غَضَبِهَا ، إِنَّهُم كِرَامُ النَّاسِ ، يَقبَلُونَ العُذرَ وَيُقِيلُونَ العَثرَةَ ، وَيَتَجَاوَزُونَ عَنِ الخَطَأِ وَيَدفِنُونَ الزَّلَّةَ ، وَيَطوُون المَاضِيَ طَيَّ الكَرِيمِ المُسَامِحِ ، يُنَزِّهُونَ أَنفُسَهُم عَنِ تَوبِيخِ مَنِ اعتَذَرَ أَوِ الإِثقَالِ عَلَيهِ ، بل وَلا يَلُومُونَهُ وَلا يُعَاتِبُونَهُ ، يَفعَلُونَ ذَلِكَ ابتِغَاءً لِلأَجرِ وَطَلَبًا لِلثَّوَابِ وَطَمَعًا في الرَّحمَةِ ، فَيَا مَن يُرِيدُ أَن يُقِيلَ اللهُ عَثرَتَهُ وَيَتَجَاوَزَ عَن زَلَّتِهِ ، أَقِلْ عَثَرَاتِ إِخوَانِكَ وَتَجَاوَزْ عَن زَلاَّتِهِم ، وَاعلَمْ أَنَّهُ ـ سُبحَانَهُ ـ رَحِيمٌ يُحِبُّ الرُّحَمَاءَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الكُرَمَاءَ ؛ فَلا تَكُنْ قَاسِيَ القَلبِ غَلِيظَ الطَّبعِ مُتَّبِعًا لِهَوَاكَ ، اُطلُبِ الأَجرَ مِن رَبِّكَ ، وَاسأَلْهُ أَن يَشرَحَ صَدرَكَ ، وَاحذَرْ قَسوَةَ القَلبِ بَعدَ أَن عَلِمتَ وَالتَّمَادِيَ في الضَّلالِ بَعدَ الذِّكرَى ، فَقَد قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدرَهُ للإِسلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكرِ اللهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، رَبُّوا نُفُوسَكُم عَلَى العَفوِ وَالصَّفحِ ، وَرَوِّضُوهَا عَلَى التَّسَامُحِ وَالرِّقَّةِ ، وَعَوِّدُوهَا عَلَى الرَّحمَةِ وَالرَّأفَةِ ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ هَذِهِ مِن صِفَاتِ أَهلِ الجَنَّةِ ، قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ " وَأَهلُ الجَنَّةِ ثَلاثَةٌ : ذُو سُلطَانٍ مُقسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ القَلبِ لِكُلِّ ذِي قُربى وَمُسلِمٍ ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ " إِنَّ دِينَنَا لَيسَ أَقوَالاً نُرَدِّدُهَا أَو شِعَارَاتٍ نُعلِنُهَا ، ثم لا نُطَبِّقَ مِنهَا في الوَاقِعِ إِلاَّ مَا تُملِيهِ عَلَينَا أَهوَاؤُنَا وَتَشتَهِيهِ أَنفُسُنَا ، لا وَأَلفُ لا ، إِنَّ دِينَنَا قِيَمٌ نَعتَنِقُهَا قَولاً وَعَمَلاً ، وَمَبَادِئُ نَتَمَسَّكُ بها سِرًّا وَعَلَنًا ، وَأُصُولٌ نَنطَلِقُ مِنهَا لإِصلاحِ أَنفُسِنَا ، وَمَنهَجٌ مُتَكَامِلٌ نُعَامِلُ بِهِ مَن حَولَنَا ، وَمَا شُرِعَتِ الشَّرَائِعُ إِلاَّ لِتُطَبَّقَ وَيُلتَزَمَ بها ، وَلا أُنزِلَ الدِّينُ إِلاَّ لِتَطهِيرِ البَاطِنِ وَتَغيِيرِ الظَّاهِرِ ، وَفي الحَدِيثِ : " إِنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إِلى صُوَرِكُم وَلا أَموَالِكُم ، وَلَكِنْ يَنظُرُ إِلى قُلُوبِكُم وَأَعمَالِكُم " رَوَاهُ مُسلِمٌ . اللَّهُمَّ أَصلِحْ قُلُوبَنَا ، وَاغفِرْ ذُنُوبَنَا ، وَاستُرْ عُيُوبَنَا ، وَاغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالمَيِّتِينَ ، إِنَّكَ أَنتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ . أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرَجًا " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، أَتَدرُونَ مَا أَكبَرُ عَائِقٍ لِلعَفوِ في دُنيَانَا ؟ أَتَعلَمُونَ مَا العَقَبَةُ الكَؤُودُ الَّتي لَو تَجَاوَزنَاهَا لَعَفَونَا عَن كُلِّ مَن أَسَاءَ إِلَينَا ؟ إِنَّهُ اعتِقَادُ كَثِيرٍ مِنَّا أَنَّ العَفوَ مُرَادِفٌ لِلضَّعفِ ، وَأَنَّهُ لا يَتَنَازَلُ عَن حَقِّهِ إِلاَّ العَاجِزُ الضَّعِيفُ . لَقَد تَرَسَّبَ في أَذهَانِنَا مِن أَخلاقِ الجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ لم تَكُنْ ذِئبًا أَكَلَتكَ الذِّئَابُ ، وَمِن ثَمَّ فَنَحنُ نَعتَقِدُ أَنَّ مِنَ الوَاجِبِ عَلَى كُلِّ مِن أُسِيءَ إِلَيهِ أَن يَرُدَّ الصَّاعَ بِصَاعَينِ ، وَأَن يُضَاعِفَ الكَيلَ لِمَن أَخطَأَ عَلَيهِ لِيَردَعَهُ بِذَلِكَ وَيَمنَعَهُ . وَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ المَنهَجُ الجَاهِلِيُّ مُؤَثِّرًا في بَعضِ النُّفُوسِ الجَاهِلِيَّةِ الخَبِيثَةِ ، ولا خُرُوجَ مِن بَعضِ المَوَاقِفِ مَعَهَا إِلاَّ بِهِ ، إِلاَّ أَنَّهُ يَبقَى مَنهَجًا شَاذًّا ، أَمَّا الرِّفعَةُ الحَقِيقِيَّةُ وَالقُوَّةُ الفِعلِيَّةُ ، فَإِنَّمَا هِيَ لِمَن عَفَا وَتَجَاوَزَ طلبًا لِمَا عِندَ اللهِ ، وَتَرَكَ الانتِقَامَ وَالانتِصَارَ لِوَجهِ اللهِ ، يَشهَدُ لِهَذَا كَلامُ أَصدَقِ البَشَرِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ حَيثُ قَالَ : " مَا نَقَصَت صَدَقَةٌ مِن مَالٍ ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلاَّ عِزًّا , وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ " رَوَاهُ مُسلِمٌ . وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الغَضَبِ " مُتَّفَقٌ عَلَيهِ . إِنَّ الإِسلامَ يُرِيدُ أَن يَكُونَ مُجتَمَعُ المُسلِمِينَ مُجتَمَعًا رَاقِيًا فَاضِلاً ، يَجمَعُ مَن فِيهِ الحُبُّ وَالوُدُّ وَالإِخَاءُ ، وَتَسُودُ فِيهِ المُرُوءَةُ وَالفَضلُ وَالصَّفَاءُ ، وَيَكثُرُ فِيهِ الخَيرُ وَالإِحسَانُ وَالعَطَاءُ ، يُرِيدُ لَهُ أَن يَكُونَ مُجتَمَعًا قَوِيَّ الأَركَانِ مُتَمَاسِكَ البُنيَانِ ، مُتَوَحِّدَ الصُّفُوفِ مُتَّفِقَةً أَهدَافُهُ ، مُتَّحِدَةً غَايَاتُهُ غَيرَ مُختَلِفَةٍ رُؤَاهُ . وَإِنَّ قِلَّةَ الحِلمِ وَكثَرَةَ الغَضَبِ وَإِرَادَةَ الانتِقَامِ ، إِنَّهَا لأَخلاقُ دَنِيئَةٌ وَصِفَاتٌ مَمقُوتَةٌ ، بل آفَاتٌ سَيِّئَةٌ وَأَمرَاضٌ مُعضِلَةٌ ، إِذَا استَشرَت في مُجتَمَعٍ قَوَّضَت بُنيَانَهُ وَهَدَمَت أَركَانَهُ ، وَقَادَتهُ إِلى هُوَّةٍ عَمِيقَةٍ وَحُفرَةٍ سَحِيقَةٍ ، وَقَطَعَت أَوَاصِرَ المَحَبَّةِ الَّتي بَينَ أَفرَادِهِ ، وَاجتَثَّت جُذُورَ الأُلفَةِ مِن قُلُوبِهِم ، وَمِن ثَمَّ فَقَد أَوصَى ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ بِتَركِ الغَضَبِ ، فَفِي البُخَارِيِّ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : أَوصِني . قَالَ : " لا تَغضَبْ " فَرَدَّ ذَلِكَ مِرَارًا ، قَالَ : " لا تَغضَبْ " وَإِنَّ في ضِمنِ هَذَا النَّهيِ المُتَكَرِّرِ عَنِ الغَضَبِ لأَمرًا بِالحِلمِ وَالأَنَاةِ وَمَدحًا لهما ، وَقَد جَاءَ ذَلِكَ عِندَ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ لِلأَشَجِّ : " إِنَّ فِيكَ لَخَصلَتَينِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ : الحِلمُ وَالأَنَاةُ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّهُ لَو ذَهَبَ المَرءُ لِيَنتَقِمَ مِن كُلِّ مَن أَخطَأَ في حَقِّهِ ، لَتَكَدَّرَت حَيَاتُهُ وَلَتَنَغَّصَ عَيشُهُ ، وَلَمَا سَلِمَ لَهُ قَرِيبٌ وَلا بَعِيدٌ ، وَلا يَهنَأُ في هَذِهِ الدُّنيَا وَيَستَمتِعُ بها إِلاَّ المُسَامِحُ ، وَصَدَقَ القَائِلُ : إِذَا ضَاقَ صَدرُ المَرءِ لم يَصفُ عَيشُهُ وَمَا يَستَطِيبُ العَيشَ إلاّ المُسامِحُ |
|
| | #26 (permalink) |
|
.:: مراقب ::. ![]() | أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فَإِنَّ بها النَّجَاةَ وَالفَوزَ في الآخِرَةِ ، وَلأَهلِهَا السَّلامَةُ وَالسُّرُورُ يَومَ القِيَامَةِ " وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِم لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُم يَحزَنُونَ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، قَلبُ المَرءِ هُوَ مُنطَلَقُ أَعمَالِهِ ، بِصَلاحِهِ تَصلُحُ عِندَ اللهِ وَتَزكُو ، وَبِفَسَادِهِ تَفسُدُ وَلا يُنتَفَعُ بها ، قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلا وَهِيَ القَلبُ " وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ مِن فِقهِ المَرءِ وَرَجَاحَةِ عَقلِهِ أَن يَحرِصَ عَلَى إِصلاحِ قَلبِهِ وَيَحذَرَ مِن فَسَادِهِ ، وإِنَّهُ لا صَلاحَ لِلقَلبِ بِمِثلِ دَوَامِ الطَّاعَةِ وَالاستِكثَارِ مِنهَا ، فَإِنَّهَا تُزَكِّيهِ وَتُطَهِّرُهُ وَتُرَقِّقُهُ ، وَلا فَسَادَ لَهُ بِمِثلِ كَثرَةِ وُرُودِ المَعَاصِي عَلَيهِ وَاعتِيَادِهِ لها ، إِذْ بها يُظلِمُ وَيَقسُو وَيَنتَكِسُ ، قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " تُعرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ كَالحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فَأَيُّ قَلبٍ أُشرِبَهَا نُكِتَت فِيهِ نُكتَةٌ سَودَاءُ ، وَأَيُّ قَلبٍ أَنكَرَهَا نُكِتَت فِيهِ نُكتَةٌ بَيضَاءُ ، حَتى تَصِيرَ عَلَى قَلبَينِ : عَلَى أَبيَضَ مِثلِ الصَّفَا ؛ فَلا تَضُرُّهُ فِتنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ ، وَالآخَرُ أَسوَدَ مُربَادًّا كَالكُوزِ مُجَخِّيًا ، لا يَعرِفُ مَعرُوفًا وَلا يُنكِرُ مُنكَرًا إِلاَّ مَا أُشرِبَ مِن هَوَاهُ " رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ . وَمَعنَى الحَدِيثِ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ أَنَّ العَبدَ إِذَا أَرخَى لِنَفسِهِ العِنَانَ وتَوَسَّعَ في ارتِكَابِ المَعَاصِي ، دَخَلَ قَلبَهُ بِكُلِّ مَعصِيَةٍ يَتَعَاطَاهَا ظُلمَةٌ ، وَأَصَابَتهُ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ وَحشَةٌ وَقَسوَةٌ ، وَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ افتُتِنَ وَاحتَرَقَ ، وَزَالَ عَنهُ نُورُ الإِسلامِ وَفَارَقَهُ ضِيَاءُ الإِيمَانِ ، وَعَلَتهُ ظُلمَةُ النِّفَاقِ وَتَغَشَّاهُ سَوَادُ الكُفرِ ، وَأَلِفَ الشَّرَّ وَاطمَأَنَّ إِلَيهِ ، وَاستَنكَرَ الخَيرَ وَنَفَرَ مِنهُ ، وَيَدُلُّ هَذَا الحَدِيثُ أَيضًا عَلَى أَنَّ القَلبَ مِثلُ الكُوزِ ، فَإِذَا انكَبَّ وَانتَكَسَ انصَبَّ مَا فِيهِ وَلم يَدخُلْهُ شَيءٌ بَعدَ ذَلِكَ ، وَكَفَى بِهَذَا المَثَلِ النَّبَوِيِّ البَلِيغِ تَقبِيحًا لِلمَعَاصِي وَبَيَانًا لِخَطَرِ عَاقِبَتِهَا وَسُوءِ مَغَبَّتِهَا ، وَكَفَى بِهِ تَحذِيرًا مِنَ التَّهَاوُنِ بها وَاستِصغَارِ شَأنِهَا !! وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ المُؤمِنَ وَإِن غَلَبَتهُ نَفسُهُ مَرَّةً أَو زَلَّت بِهِ قَدَمُهُ يَومًا ، فَإِنَّ لَهُ عِندَ كُلِّ ذَنبٍ تَوبَةً وَرُجُوعًا ، وَلَهُ مَعَ كُلِّ خَطِيئَةٍ استِغفَارٌ وَإِنَابَةٌ ، يَفعَلُ ذَلِكَ وَيَتَعَاهَدُ نَفسَهُ ؛ لِيَبقَى قَلبُهُ نَظِيفًا نَقِيًّا سَلِيمًا ، فَيَنجُوَ بِذَلِكَ مِنَ الخِزيِ " يَومَ يُبعَثُونَ . يَومَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلاَّ مَن أَتَى اللهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ " هَذِهِ هِيَ حَالُ المُؤمِنِ ، لا يَبتَعِدُ عَن رَبِّهِ مَهمَا حَاوَلَ عَدُوُّهُ أَن يَصُدَّهُ وَيُبعِدَهُ ، وَلا يَتَمَادَى في الغَيِّ وَإِن زَيَّنَ لَهُ الشَّيطَانُ أَو حَاوَلَ إِضلالَهُ ، بَل هُوَ تَوَّابٌ مُستَغفِرٌ مُنِيبٌ ، مُسلِمٌ لِرَبِّهِ مُنطَرِحٌ بَينَ يَدَيهِ ، مُتَعَرِّضٌ لِرَحمَتِهِ طَالِبٌ لِعَفوِهِ ، يَحذَرُ الآخِرَةَ وَيَرجُو رَحمَةَ رَبِّهِ ، أَمَّا ضَعِيفُ الإِيمَانِ وَقَلِيلُ التَّقوَى ، فَإِنَّهُ يَظَلُّ يَقتَرِفُ الذَّنبَ مُستَصغِرًا لَهُ ، غَيرَ نَاظِرٍ إِلى عَظَمَةِ مَن عَصَاهُ ، فَمَا تَزَالُ بِهِ الذُّنُوبُ وَإِنْ صَغُرَت حَتى يَقَعَ فِيمَا حَذَّرَ مِنهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ حَيثُ قَالَ : " إِيَّاكُم وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ؛ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَومٍ نَزَلَوا بَطنَ وَادٍ ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتى حَمَلُوا مَا أَنضَجُوا بِهِ خُبزَهُم ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتى يُؤخَذْ بها صَاحِبُهَا تُهلِكْهُ " وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ شَأنَ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ وَصَغَائِرِ السَّيِّئَاتِ إِذَا اجتَمَعَت ، فَكَيفَ بِإِتيَانِ الكَبَائِرِ وَالمُوبِقَاتِ وَانتِهَاكِ الحُرُمَاتِ ؟ كَيفَ بِبَواقِعَ تُرتَكَبُ لَيلاً وَنَهَارًا وَتُؤتَى سِرًّا وَجَهَارًا ، يَأتِيهَا أَصحَابُهَا مَرَّةً بَعدَ أُخرَى ، وَيَفعَلُونَهَا حِينًا بَعدَ حِينٍ ، وَيَسمَحُونَ لها بِطَعنِ قُلُوبِهِم طَعنَةً بَعدَ طَعنَةٍ ؟ وَتَمُرُّ الأَيَّامُ وَالطَّعَنَاتُ تَزدَادُ وَالقُلُوبُ تُنهَكُ ، وَتَذهَبُ اللَّيالي وَنُورُ الإِيمَانِ يَخبُو وَوَهَجُهُ يَضعُفُ ! فَتَثقُلُ عَلَى المَرءِ العِبَادَاتُ وَتَصعُبُ عَلَيهِ الطَّاعَاتُ ، وَلا يَجِدُ قُوَّةً لِلاستِكثَارِ مِنَ الخَيرَاتِ وَالازدِيَادِ مِنَ الحَسَنَاتِ ، ثُمَّ لا يَدرِي إِلاَّ وَقَد أَخَذَهُ المَوتُ وَهُوَ عَلَى غَيرِ أُهبَةٍ ، فَوَا حَسرَةَ المُفَرِّطِ وَيَا لَنَدَمِ مَن لم يَستَعِدَّ . أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ الرَّقِيبَ لَيَرَى في المُجتَمَعِ اليَومَ مُنكَرَاتٍ مُنتَشِرَةً مُتَكَرِّرَةً ، زَادَت في المُجتَمَعِ وَاستَفحَلَت ، وَقَلَّ مُستَنكِرُوهَا وَضَعُفَ مُنكِرُوهَا ، وَصَارَت لِكَثرَةِ مَن يَفعَلُهَا كَالمُبَاحِ الجَائِزِ ، غَيرَ أَنَّ أَعظَمَ تِلكَ المُنكَرَاتِ وَأَقوَاهَا أَثَرًا في إِمَاتَةِ القُلُوبِ وَجَعلِهَا تَستَمرِئُ مَا دُونَهَا ، تَركُ الصَّلاةِ وَالتَّهَاوُنُ بها ، وَالتَّكَاسُلُ عَن أَدَائِهَا مَعَ الجَمَاعَةِ ، وَهُمَا المُنكَرَانِ اللَّذَانِ حُرِمَ الوَاقِعُونَ فِيهِمَا خَيرًا كَثِيرًا وَابتُلُوا بِشُرُورٍ عَظِيمَةٍ ، إِذْ مِنَ المُتَقَرِّرِ في نُفُوسِ المُؤمِنِينَ بِدِلالَةِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، أَنَّ الصَّلاةَ هِيَ عَمُودُ الدِّينِ ، وَالنَّاهِيَةُ عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ ، وَالَّتي مَن حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيهَا حَفِظَ دِينَهُ ، وَمَن ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضيَعُ ، وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ مِن آثَارِ تَركِهَا بِالكُلِّيَّةِ أَو عَدَمِ أَدَائِهَا مَعَ الجَمَاعَةِ ، أَن تَجَرَّأَ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى اجتِرَاحِ السَّيِّئَاتِ بِأَنوَاعِهَا ، وَسَهُلَ عَلَيهِمُ الوُقُوعُ في المُخَالَفَاتِ بِأَلوَانِهَا ، فَأَكَلُوا الحَرَامَ وَتَغَذَّوا بِهِ ، وَتَنَاوَلُوا السُّحتَ وَنَبَتَت مِنهُ أَجسَادُهُم ، وَتَهَاوَنُوا بِأَكلِ الرِّشوَةِ وَاستَكثَرُوا مِنَ الرِّبَا ، وَعَمَّ فِيهِم إِطلاقُ النَّظَرِ في المَشَاهِدِ الَّتي تَسُمُّ القُلُوبَ وَتُمِيتُ الغَيرَةَ ، سَوَاءً بِمُعَاكَسَةِ النِّسَاءِ في الأَسوَاقِ وَالشَّوَارِعِ ، أَو بِمُضَايَقَتِهِنَّ عِندَ أَبوَابِ الجَامِعَاتِ وَالمَدَارِسِ ، أَو بِالتَّلَذُّذِ بِالجُلُوسِ أَمَامَ القَنَوَاتِ وَالدُّخُولِ في الشَّبَكَاتِ ، الَّتي تَنقُلُ مَشَاهِدَ اللِّوَاطِ وَالزِّنَا ، وَتَعرِضُ صُوَرَ الفُجُورِ وَالخَنَا ، هَذَا مَعَ إِسبَالِ الثِّيَابِ وَالتَّهَاوُنِ بِحَلقِ اللِّحَى ، وَاستِسهَالِ التَّصوِيرِ وَاعتِيَادِ الاستِمَاعِ لِلغِنَاءِ ، وَاستِمرَاءِ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالاستِهزَاءِ وَالسُّخرِيَةِ ، وَالاستِخفَافِ بِالكَذِبِ وَعَدَمِ التَّثَبُّتِ في نَقلِ الأَخبَارِ ، وَأَخذِ النَّاسِ بِالظَّنِّ وَالتُّهمَةِ ، وَعَدَمِ التَّبَيُّنِ وَالتَّأَكُّدِ ، وَقَطعِ الأَرحَامِ لأَتفَهِ الأَسبَابِ ، كُلُّ تِلكَ المُنكَرَاتِ ممَّا انتَشَرَ وَفَشَا وَعَمَّ وَطَمَّ ، وَلَو أَنَّنَا حَافَظنَا عَلَى الصَّلاةِ بِشُرُوطِهَا وَأَركَانِهَا وَسُنَنِهَا ، وَتَقَرَّبنَا إِلى اللهِ بِفِعلِ الرَّوَاتِبِ وَبَكَّرنَا إِلى المَسَاجِدِ ، لَنَهَتنَا صَلاتُنَا عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ ، وَلَكِنَّا لَمَّا تَسَاهَلنَا في عَمُودِ دِينِنَا بَلْ وَكَسَرَهُ بَعضُنَا ، استَمرَأنَا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ ، وَلم تَتَمَعَّرْ لِمُنكَرٍ وُجُوهُنَا ، وَلا وَجِلَت لِمَعصِيَةٍ قُلُوبُنَا . نَعَم ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ إِنَّ مَن يَقُومُ بَينَ يَدَيِ اللهِ في كُلِّ يَومٍ خَمسَ مَرَّاتٍ مُخلِصًا ، بَينَ تَكبِيرٍ وَتَسبِيحٍ وَتَحمِيدٍ ، وَقِرَاءَةٍ وَقُنُوتٍ وَدُعَاءٍ ، وَرُكُوعٍ بِتَعظِيمٍ وَسُجُودٍ بِخُضُوعٍ ، إِنَّهُ لَيَستَحيِي أَن يَتَسَمَّرَ أَمَامَ قَنَاةٍ أو شَبَكَةٍ ؛ لِيَنظُرَ إِلى مُغَنِّيَةٍ فَاسِقَةٍ أَو يَتَأَمَّلَ دَاعِرَةً فَاجِرَةً ، وَإِنَّ مَن يَقِفُ في المَسَاجِدِ مَعَ المُؤمِنِينَ وَيَركَعُ مَعَ الرَّاكِعِينَ ، لَن يَهنَأَ بِصُحبَةِ أَهلِ الزِّنَا وَالخَنَا ، أَو يَمِيلَ إِلى أَهلِ المُسكِرَاتِ وَالمُخَدِّرَاتِ ، أَو تَشُدَّهُ قَنَوَاتُ العَصَبِيَّةِ وَالنَّعَرَاتِ الجَاهِلِيَّةِ ، وَإِنَّ مَن يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ في أَوقَاتِهَا ، وَيَسأَلُ اللهَ أَن يَهدِيَهُ صِرَاطَ المُنعَمِ عَلَيهِم وَيُجَنِّبَهُ طَرِيقَ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَالضَّالِّينَ ، إِنَّهُ لَيَضِنُّ بِوَقتِهِ عَن أَن يُضِيعَهُ مَعَ البَطَّالِينَ ، وَيَحرِصُ عَلَى بَذلِ أَسبَابِ الاستِقَامَةِ والهِدَايَةِ ، وَيَعمَلُ عَلَى اجتِنَابِ أَسبَابِ الضَّلالِ وَالغِوَايَةِ ، وَإِنَّ مَن يَستَعِيذُ بِصدقٍ في آخِرِ صَلاتِهِ مِن عَذَابِ النَّارِ وَعَذَابِ القَبرِ ، لَيَحذَرُ أَشَدَّ الحَذَرِ مِن أَسبَابِ العَذَابِ فِيهِمَا ، مِن لِوَاطٍ وَزِنًا وَأَكلِ رِبًا ، وَكَذِبٍ وَغِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ ، وَسَرِقَةٍ وَغُلُولٍ وَخِيَانَةٍ ، أَلا فَاتَّقُوا اللهَ وَعُودُوا إِلى رَبِّكُم وَتُوبُوا مِن ذُنُوبِكُم ، وَحَافِظُوا عَلَى صَلاتِكُم وزَكُّوا أَنفُسَكُم وَأَصلِحُوا قُلُوبَكُم ، فَـ" قَد أَفلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَد خَابَ مَن دَسَّاهَا " اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَينَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ في قُلُوبِنَا ، وَكَرِّهْ إِلَينَا الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ ، وَاجعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ . أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ ، وَعَظِّمُوا شَعَائِرَهُ وَلا تَعصُوهُ " ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ " " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ . إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُم عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدعُو حِزبَهُ لِيَكُونُوا مِن أَصحَابِ السَّعِيرِ " " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادخُلُوا في السِّلمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُبِينٌ . فَإِنْ زَلَلتُم مِن بَعدِ مَا جَاءَتكُمُ البَيِّنَاتُ فَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، تَدَارَكُوا أَنفُسَكُم بِطَاعَةِ رَبِّكُم ، وَاحذَرُوا الشَّيطَانَ فَإِنَّهُ عَدُوُّكُم ، وَإِيَّاكُم وَالتَّهَاوُنَ بِالذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ مَعصِيَةً وَاحِدَةً قَد تُخرِجُ مِن رَحمَةِ اللهِ . قَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : يَا مَغرُورًا بِالأَمَانيِّ ، لُعِنَ إِبلِيسُ وَأُهبِطَ مِن مَنزِلِ العِزِّ بِتَركِ سَجدَةٍ وَاحِدَةٍ أُمِرَ بها ، وَأُخرِجَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ بِلُقمَةٍ تَنَاوَلَهَا ، وَحُجِبَ القَاتِلُ عَنهَا بَعدَ أَن رَآهَا عِيَانًا بِمَلءِ كَفٍّ مِن دَمٍ ، وَأُمِرَ بِقَتلِ الزَّاني أَشنَعَ القِتلاتِ بِإِيلاجِ قَدرَ الأَنمُلَةِ فِيمَا لا يَحِلُّ ، وَأُمِرَ بِإِيسَاعِ الظَّهرِ سِيَاطًا بِكَلِمَةِ قَذفٍ أَو بِقَطرَةٍ مِن مُسكِرٍ ، وَأَبَانَ عُضوًا مِن أَعضَائِكَ بِثَلاثَةِ دَرَاهِمَ ، فَلا تَأمَنْهُ أَن يَحبِسَكَ في النَّارِ بِمَعصِيَةٍ وَاحِدَةٍ مِن مَعَاصِيهِ " وَلا يَخَافُ عُقبَاهَا " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّهُ لا أَضعَفَ عَقلاً وَلا أَقَلَّ تَوفِيقًا ممَّن وَعَدَهُ رَبُّهُ وَعدَ الحَقِّ فَأَعرَضَ عَن وَعدِهِ وَعَصَاهُ ، ثُمَّ هُوَ بَعدَ ذَلِكَ يَتَّبِعُ شَيطَانَهُ وَيُطِيعُهُ مَعَ عِلمِهِ بِعَدَاوَتِهِ وَتَبَرُّئِهِ مِنهُ في يَومٍ لا يُغني مَولىً عَن مَولىً شَيئًا وَلا هُم يُنصَرُونَ ، وَاسمَعُوا إِلى كَلامِ رَبِّكُم في ذَلِكَ وَمَن أَصدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : "وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ استَكبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُم تَبَعًا فَهَل أَنتُم مُغنُونَ عَنَّا مِن عَذَابِ اللهِ مِن شَيءٍ قَالُوا لَو هَدَانَا اللهُ لَهَدَينَاكُم سَوَاءٌ عَلَينَا أَجَزِعنَا أَم صَبَرنَا مَا لَنَا مِن مَحِيصٍ . وَقَالَ الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ وَوَعَدتُكُم فَأَخلَفتُكُم وَمَا كَانَ ليَ عَلَيكُم مِن سُلطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوتُكُم فَاستَجَبتُم لي فَلا تَلُومُوني وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَا أَنَا بِمُصرِخِكُم وَمَا أَنتُم بِمُصرِخِيَّ إِنِّي كَفَرتُ بِمَا أَشرَكتُمُونِ مِن قَبلُ إِنَّ الظَّالمِينَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ " اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن مُنكَرَاتِ الأَخلاقِ وَالأَعمَالِ وَالأَهوَاءِ وَالأَدوَاءِ ، رَبِّ أَعِنَّا وَلا تُعِنْ عَلَينا ، وَانصُرْنَا وَلا تَنصُرْ عَلَينَا ، وَامكُرْ لَنَا وَلا تَمكُرْ عَلَينَا ، وَاهدِنَا وَيَسَّرِ الهُدَى لَنَا ، وَانصُرْنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا ، رَبِّ اجعَلنَا لَكَ شَكَّارِينَ لَكَ ذَكَّارِينَ ، لَكَ رَهَّابِينَ لَكَ مِطوَاعِينَ ، لَكَ مُخبِتِينَ أَوَّاهِينَ إِلَيكَ مُنِيبِينَ ، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوبَاِنَا ، وَاغسِلْ حَوبَاتِنَا ، وَأَجِبْ دَعَوَاتِنَا ، وَثَبَّتْ حِجَجَنَا ، وَسَدِّدْ أَلسِنَتَنَا وَاهدِ قُلُوبَنَا ، وَاسلُلْ سَخَائِمَ صُدُورِنَا . اللَّهُمَّ اقسِمْ لَنَا مِن خَشيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَينَنَا وَبَينَ مَعصِيَتِكَ ، وَمِن طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَينَا مَصَائِبَ الدُّنيَا ، وَمَتِّعْنَا بِأَسمَاعِنَا وَأَبصَارِنَا وَقُوَّتَنَا مَا أَحيَيتَنَا ، وَاجعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا ، وَاجعَلْ ثَأرَنَا عَلَى مَن ظَلَمَنَا ، وَانصُرْنَا عَلَى مَن عَادَانَا ، ولا تَجعَلْ مُصِيبَتَنَا في دِينِنَا ، وَلا تَجعَلِ الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّنَا ، وَلا مَبلَغَ عِلمِنَا ، وَلا تُسَلِّطْ عَلَينَا مَن لا يَرحَمُنَا . |
|
| | #27 (permalink) |
|
.:: مراقب ::. ![]() | أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، في مِثلِ هَذَا اليَومِ ، في الثَّانيَ عَشَرَ مِن شَهرِ رَبِيعِ الأَوَّلِ ، مِنَ السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ ، وَبَعدَ أَن بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ وَنَصَحَ الأُمَّةَ وَكَشَفَ اللهُ بِهِ الغُمَّةَ ، بَعدَ أَن قَضَى ثَلاثًا وَعِشرِينَ سَنَةً في تَبلِيغِ رِسَالَةِ رَبِّهِ وَالجِهَادِ في سَبِيلِهِ وَهِدَايَةِ الخَلقِ لأَقوَمِ السُّبُلِ ، إِذْ ذَاكَ نَزَلَت بِالمُسلِمِينَ أَعظَمُ مُصِيبَةٍ وَحَلَّت بِهِم أَكبَرُ فَاجِعَةٍ ، إِذْ قُبِضَ مِن بَينِهِم خَيرُ البَشَرِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ وَارتَفَعَت رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ إِلى بَارِئِهَا ، لَقَد مَاتَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، مَاتَ أَمِينُ الوَحيِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ وَوَدَّعَ الدُّنيَا حِينَ استَكمَلَ أَجلَهُ وَأَكمَلَ مُهِمَّتَهُ ، وَكَانَ رَبُّهُ ـ تَعَالى ـ قَد أَنزَلَ عَلَيهِ في حَجَّةِ الوَدَاعِ قَولَهُ ـ سُبحَانَهُ ـ : " اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِينًا " وَحِينَ سَمِعَهَا عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ بَكَى وَقَالَ : لَيسَ بَعدَ الكَمَالِ إِلاَّ النَّقصُ ، وَنَزَلَت سُورَةُ النَّصرِ تُشعِرُهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ بِأَنَّهُ قَد فَرَغَ مِن مُهَمَّتِهِ في الدُّنيَا ، وَأَنَّهُ لاحِقٌ بِالرَّفِيقِ الأَعلَى لِيَجزِيَهُ رَبُّهُ الجَزَاءَ الأَوفى ، وَكَانَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قَد أَشَارَ إِلى اقتِرَابِ أَجَلِهِ بما أعلَمَهُ اللهُ ، فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ كَانَ يَقُولُ في حَجَّةِ الوَدَاعِ : " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم ؛ لَعَلِّي لا أَلقَاكُم بَعدَ عَامِي هَذَا " وَفي لَفظٍ : " فَإِني لا أَدرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعدَ حَجَّتي هَذِهِ " وَفي آخِرِ شَهرِ صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ ، خَرَجَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ إِلى البَقِيعِ مِن جَوفِ اللَّيلِ ، فَدَعَا لأَهلِ البَقِيعِ وَاستَغفَرَ لهم ، كَمَا دَعَا لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ كَالمُوَدِّعِ لهم . ثم أَخَذَتْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ حُمًّى شَدِيدَةٌ وَصُدَاعٌ شَدِيدٌ ، وَكَانَ يَطُوفُ عَلَى نَسَائِهِ وَقَد ثَقِلَ وَاشتَدَّ بِهِ المَرَضُ ، فَدَعَاهُنَّ وَاستَأذَنَهُنَّ أَن يُمَرَّضَ في بَيتِ عَائِشَةَ فَأَذِنَّ لَهُ . وَمَعَ مَا كَانَ بِهِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ مِن شِدَّةِ المَرَضِ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَلَمَّا عَجزَ يَومًا عَنِ الخُرُوجِ قَالَ : " أَصَلَّى النَّاسُ ؟ " قِيلَ : لا ؛ هُم يَنتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : " ضَعُوا لي مَاءً في المِخضَبِ " فَفَعَلُوا فَاغتَسَلَ ، ثم ذَهَبَ لِيَنُوءَ ـ أَي : لِيَنهَضَ ـ فَأُغمِيَ عَلَيهِ ، ثم أَفَاقَ فَقَالَ : " أَصَلَّى النَّاسُ ؟ " قِيلَ : لا ؛ هُم يَنتَظِرُونَكَ ، فَاغتَسَلَ ثَانِيَةً ثم أُغمِيَ عَلَيهِ ، وَثَالِثَةً كَذَلِكَ ، وَفي كُلِّ مَرَّةٍ يَسأَلُ عَنِ الصَّلاةِ ، فَأَرسَلَ إِلى أَبي بَكرٍ أَن يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، فَصَلَّى بهم ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَيَّامًا ، ثم إِنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَجَدَ في نَفسِهِ خِفَّةً ، فَخَرَجَ يُهَادَى بَينَ رَجُلَينِ ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَومَأَ إِلَيهِ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ بِأَلاَّ يَتَأَخَّرَ ، وَأُجلِسَ إِلى جَنبِهِ وَأُتِمَّتِ الصَّلاةُ . وَفي الصَّحِيحَينِ عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَنحنُ في المَسجِدِ عَاصِبًا رَأسَهُ بِخِرقَةٍ ، فَقَعَدَ عَلَى المِنبرِ ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنى عَلَيهِ وَقَالَ : " إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبدًا بَينَ الدُّنيَا وَبَينَ مَا عِندَهُ ، فَاختَارَ مَا عِندَ اللهِ " فَبَكَى أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ وَقَالَ : فَدَينَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، فَقَالَ النَّبيُّ : " يَا أَبَا بَكرٍ ، لا تَبكِ ؛ إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكرٍ ، وَلَو كُنتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً مِن أُمَّتي لاتَّخَذتُ أَبَا بَكرٍ ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسلامِ وَمَوَدَّتُهُ ، لا يَبقَى في المَسجِدِ بَابٌ إِلاَّ سُدَّ إِلاَّ بَابَ أَبي بَكرٍ " وَفي الصَّحِيحَينِ عَنِ أَنسِ بنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَنَّ أَبَا بَكرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ كَان يُصَلِّي لهم في وَجَعِ النَّبيِّ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، حَتى إِذَا كَانَ يَومُ الاثنَينِ وَهُم صُفُوفٌ في الصَّلاةِ فَكَشَفَ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ سِترَ الحُجرَةِ يَنظُرُ إِلَينَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجهَهُ وَرَقَةُ مُصحَف ، ثم تَبَسَّمَ يَضحَكُ ، فَهَمَمنَا أَن نَفتَتِنَ مِنَ الفَرَحِ بِرُؤيَةِ النَّبيِّ ، فَنَكَصَ أَبُو بَكرٍ عَلَى عَقِبَيهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ خَارِجٌ إِلى الصَّلاةِ ، فَأَشَارَ إِلَينَا النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ أَن أَتِمُّوا صَلاتَكُم ، وَأَرخَى السِّترَ ، فَتُوُفِّيَ مِن يَومِهِ . وَقَد كَانَ فَرَحُهُم ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُم ـ ظَنًّا أَنَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ شُفِيَ ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّهَا نَظرَةُ الوَدَاعِ الأَخِيرَةُ . وَكَانَ يَقُولُ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : " يَا عَائِشَةُ ، مَا أَزَالُ أَجِِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلتُ بِخَيبَرَ ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدتُ انقِطَاعَ أَبهُرِي مِن ذَلِكَ السُّمِّ " وَهَكَذَا رُزِقَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ الشَّهَادَةَ بِسَبَبِ سُمِّ اليَهُودِ الخَوَنَةِ نَقَضَةِ العُهُودِ وَقَتَلَةِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِم مِنَ اللهِ مَا يَستَحِقُّونَ ، وَقَدِ اشتَدَّ الوَجَعُ عَلَيهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في مَرَضِهِ ذَلِكَ ، فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : دَخَلتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ يُوعَكُ ، فَحَسَستُهُ بِيَدِي فَقُلتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّكَ تُوعَكُ وَعكًا شَدِيدًا ! فَقَالَ : " أَجَلْ ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُم " قَالَ : فَقُلتُ : ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجرَينِ ؟ قَالَ : " أَجَلْ ، ذَلِكَ كَذَلِكَ ، مَا مِن مُسلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوكَةٌ فَمَا فَوقَهَا إِلاَّ كَفَّرَ اللهُ بها سَيِّئَاتِهِ وَحُطَّت عَنهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا " وَمَعَ مَا قَاسَاهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ مِنَ الشَّدَائِدِ وَمَا عَانَاهُ مِن آلامِ المَوتِ ، فَإِنَّهُ لم يَغفَلْ عَنِ التَّأكِيدِ عَلَى قَضِيَّةِ التَّوحِيدِ وَسَدِّ أَبوَابِ الشِّركِ ، فَعَن عَائِشَةَ وَابنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا ـ قَالا : لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ طَفِقَ يَطرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجهِهِ ، فَإِذَا اغتَمَّ كَشَفَهَا عَن وَجهِهِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ يَقُولُ : " لَعنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ " يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا . رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ . وَكَانَ آخِرَ مَا أَوصَى بِهِ وَكَرَّرَهُ مِرَارًا الصَّلاةُ ، فَفِي حَدِيثِ أَنسِ بنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : كَانَت عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ حِينَ حَضَرَهُ المَوتُ : " الصَّلاةَ الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَت أَيمَانُكُم ، الصَّلاةَ الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَت أَيمَانُكُم " حَتى جَعَلَ يُغَرغِرُ بها صَدرُهُ ، وَمَا يَكَادُ يَفِيضُ بها لِسَانُهُ . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ . وَصَدَقَ اللهُ : " لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ " وَفي الصَّحِيحَينِ أَيضًا أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ رَأَى السِّوَاكَ وَأَخَذَهُ وَاستَنَّ بِهِ أَحسَنَ مَا يَكُونُ استِنَانًا ، وَبَينَ يَدَيهِ رَكوَةٌ فِيهَا مَاءٌ ، فَجَعَلَ يُدخِلُ يَدَيهِ في المَاءِ ، فَيَمسَحُ بهما وَجهَهُ وَيَقُولُ : " لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، إِنَّ لِلمَوتِ سَكَرَاتٍ " ثم نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ في الرَّفِيقِ الأَعلَى " يُرَدِّدُهَا حَتى قُبِضَ وَمَالَت يَدُهُ . وَتَسَرَّبَ الخَبَرُ بَينَ الصَّحَابَةِ في لَحَظَاتٍ ، فَضَجُّوا بِالبُكَاءِ وَأَظلَمَت عَلَيهِمُ الدُّنيَا ، وَاشتَدَّتِ بِهِمُ الرَّزِيَّةُ وَعَظُمَ فِيهِمُ الخَطْبُ ، وَأَخَذُوا يَبكُونَ لا يَدرُونَ مَا يَصنَعُونَ ، وَحُقَّ لهم ذَلِكَ ؛ لَقَد غَابَ الرَّسُولُ المُصطَفَى وَمَاتَ الحَبِيبُ المُجتَبَى ، لَقَد افتَقَدُوا مُهجَةَ قُلُوبِهِم وَمَن كَانَ مِلءَ أَسمَاعِهِم وَأَبصَارِهِم ، وَلم يَكَادُوا يُصَدِّقُون خَبَرَ الوَفَاةِ وَلم يَستَوعِبْهُ بَعضُهُم لِعِظَمِ المُصِيبَةِ وَهَولِ الصَّدمَةِ ، حَتى كَانَ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ يُهَدِّدُ مَن يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَد مَاتَ . وَكَانَ أَبُو بَكرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَد خَرَجَ في الصَّبَاحِ إِلى مَنزِلِهِ بِالسُّنحِ في طَرَفِ المَدِينَةِ ، فَأَقبَلَ بِفَرَسِهِ سَرِيعًا حِينَ سَمِعَ الخَبَرَ ، فَنَزَلَ وَدَخَلَ المَسجِدَ ، وَلم يُكَلِّمْ أَحَدًا حَتى دَخَلَ الحُجرَةَ الشَّرِيفَةَ ، فَقَصَدَ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُردَةٍ حَبِرَةٍ ، ثم أَكَبَّ عَلَيهِ وَقَبَّلَهُ وَبَكَى ، ثم قَالَ : بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي ، طِبتَ حَيًّا وَمَيِّتًا . ثم خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ ، فَقَالَ : اُسكُتْ يَا عُمَرُ ، فَأَبى إِلاَّ أَن يَتَكَلَّمَ ، فَأَقبَلَ النَّاسُ إِلى أَبي بَكرٍ وَتَرَكُوا عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِينَ ـ فَحَمِدَ اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَثنى عَلَيهِ وَقَالَ : أَمَّا بَعدُ : فَمَن كَانَ مِنكُم يَعبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَد مَاتَ ، وَمَن كَانَ يَعبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ . وَتَلا قَولَ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ : " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلَى أَعقَابِكُم وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيئًا وَسَيَجزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ " قَالَ ابنُ عَبَّاسٍِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا ـ : وَاللهِ ، لَكَأَنَّ النَّاسَ لم يَعلَمُوا أَنَّ اللهَ أَنزَلَ هَذِهِ الآيَةَ حَتى تَلاهَا أَبُو بَكرٍ ، فَتَلَقَّاهَا مِنهُ النَّاسُ ، فَمَا أَسمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إِلاَّ يَتلُوهَا ، قَالَ عُمَرُ : وَاللهِ ، مَا هُوَ إِلاَّ أَن سَمِعتُ أَبَا بَكرٍ تَلاهَا فَعُقِرتُ حَتى مَا تُقِلُّني رِجلايَ ، وَحَتى أَهوَيتُ إِلى الأَرضِ ، حِينَ سَمِعتُهُ تَلاهَا عَلِمتُ أَنَّ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قَد مَاتَ . وَصَدَقَ اللهُ : " إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ " وَكَانَت وَفَاتُهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ في يَومِ الاثنَينِ الثَّانيَ عَشَرَ مِن رَبِيعِ الأَوَّلِ في السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشرَةَ مِنَ الهِجرَةِ ، وَقَد غُسِّلَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَعَلَيهِ ثِيَابُهُ وَلم يُجَرَّدْ كَرَامَةً لَهُ ، ثم دَخَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ عَلَيهِ أَفرَادًا ، ثم دُفِنَ في مَوضِعِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ لَيلَةَ الأَربِعَاءِ . عَن أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : لَمَّا كَانَ اليَومُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ النَّبيُّ المَدِينَةَ أَضَاءَ مِنهَا كُلُّ شَيءٍ ، فَلَمَّا كَانَ اليَومُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظلَمَ مِنهَا كُلُّ شَيءٍ ، وَمَا نَفَضنَا أَيدِيَنَا مِنَ التُّرَابِ وَإِنَّا لَفِي دَفنِهِ حَتى أَنكَرنَا قُلُوبَنَا . اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى محمدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ . اللُّهَمَّ ارزُقْنَا اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ وَاحشُرْنَا في زُمرَتِهِ ، وَاسقِنَا مِن حَوضِهِ شَربَةً هَنِيئَةً لا نَظمَأُ بَعدَهَا أَبَدًا . أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ . أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، مَاتَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ كَمَا سَمِعتُم في الثَّانيَ عَشَرَ مِن رَبِيعِ الأَوَّلِ ، وَهُوَ اليَومُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ عِيدًا لِمَولِدِهِ ، غَافِلِينَ عَن أَنَّهُ لم يَثبُتْ مَولِدُهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ في هَذَا اليَومِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ هُوَ وَفَاتُهُ ، فَكَأَنَّهُم بِهَذَا يَحتَفِلُونَ بِيَومِ وَفَاتِهِ ، وَايمُ اللهِ لَقَد فَعَلُوا ذَلِكَ وَإِنْ لم يَشعُرُوا ، فَقَد أَمَاتُوا سُنَّتَهُ بِإِحيَاءِ هَذِهِ البِدعَةِ المُنكَرَةِ وَأَمثَالِهَا ، وَابتَعَدُوا عَن طَرِيقَتِهِ وَمَا عَرَفُوا مَحَبَّتَهُ ، وَإِلاَّ لَو أَحَبُّوهُ حَقَّ المَحَبَّةِ لاتَّبعُوا سُنَّتَهُ وَلاهتَدُوا بِهَديِهِ ، وَلَتَأَسَّوا بِهِ مُمتَثِلِينَ قَولَ رَبِّهِم ـ جَلَّ وَعَلا ـ : " لَقَد كَانَ لَكُم في رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرجُو اللهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا " وَقَولَهُ : " قُلْ إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحبِبْكُم اللهُ وَيَغفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُم وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " فَالمَحَبَّةُ تَقتَضِي الاتِّبَاعَ وَلَيسَ الإِحدَاثَ وَالابتِدَاعَ ، وَاتِّبَاعُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في أَقوَالِهِ وَأَفعَالِهِ أَحَدُ رَكَائِزِ دِينِ الإِسلامِ وَأَسَاسِيَّاتِهِ ، بَلْ هُوَ مِن أَعظَمِ مُسَلَّمَاتِ الشَّرِيعَةِ وَالأُمُورِ المَعلُومَةِ مِنهَا بِالضَّرُورَةِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا " وَأَمَّا إِقَامَةُ الحَفَلاتِ الإِنشَادِيَّةِ المُختَلَطَةِ ، وَإِطرَابُ المَسَامِعِ بِالمَدَائِحِ النَّبَوِيَّةِ الشِّركِيَّةِ ، فَإِنَّمَا هُوَ نَوعٌ مِنَ الغُلُوِّ المَنهِيِّ عَنهُ ، فَقَد صَحَّ عَنهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ : " إِيَّاكُم وَالغُلُوَّ في الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُمُ الغُلُوُّ في الدِّينِ " وَقَالَ : " لا تُطرُوني كَمَا أَطرَتِ النَّصَارَى ابنَ مَريَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبدٌ ، فَقُولُوا : عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ " أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ . وَإِنَّ فِيمَا شَرَعَهُ اللهُ ـ تَعَالى ـ مِن تَعظِيمِ رَسُولِهِ وَوَسَائِلِ مَحَبَّتِهِ الشَّرعِيَّةِ ، إِنَّ فِيهَا مَا يُغني عَن كُلِّ وَسِيلَةٍ تُبتَدَعُ وَتُحدَثُ ، وَإِنَّنَا حِينَ نَتَكَلَّمُ عَن هَذِهِ البِدعَةِ مَعَ عَدَمِ حُدُوثِهَا في أَوسَاطِنَا وَللهِ الحَمدُ ، فَإِنَّمَا نَفعَلُ ذَلِكَ لِنُبَيِّنَ خَطَرَهَا وَنُحَذِّرَ مِنهَا فِئَامًا مِنَ المُسلِمِينَ تُقَامُ تِلكَ البِدعَةُ في بُلدَانِهِم ، وَخَوفًا مِن أَن يَغتَرَّ بها بَعضُ مَن لا عِلمَ عِندَهُ ، وَلا سِيَّمَا مَعَ هَذَا الانفِتَاحِ الإِعلامِيِّ عَبرَ القَنَوَاتِ وَالإِذَاعَاتِ وَالشَّبَكَاتِ ، وَالَّذِي أَصبَحَ الشِّركُ وَالبِدعَةُ يُعرَضُ مِن خِلالِهِ عَلَى المُسلِمِينَ صَبَاحَ مَسَاءَ ، لِذَلِكَ وَجَبَ التَّنَبُّهُ وَعَدَمُ الاغتِرَارِ بِانتِشَارِ البِدَعِ وَعَرضِهَا وَتَسوِيقِهَا مِن قِبَلِ بَعضِ المُغَرَّرِ بِهِم ، فَالحَقُّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ ، كَمَا أَنَّ عَلَينَا جَمِيعًا أَن نُحَصِّنَ أَنفُسَنَا وَبُيُوتَنَا وَمُجتَمَعَنَا مِن مِثلِ هَذِهِ البِدَعِ وَالمُحدَثَاتِ ، وَهُوَ مَا لا يَتِمُّ إِلاَّ بِتَعلِيمِهِم أُصُولَ الدِّينِ الحَنِيفِ ، وَالأَخذِ بِهِم في طَرِيقِ الهِدَايَةِ وَصَدِّهِم عَن سُبُلِ الغِوَايَةِ ، وَجَلبِ وَسَائِلِ الإِصلاحِ الَّتي تُفِيدُهُم في بُيُوتِهِم ، وَالحَذَرِ مِن وَسَائِلِ الفِتنَةِ وَالفَسَادِ . |
|
| | #28 (permalink) |
|
.:: مراقب ::. ![]() | أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجعَلْ لَكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، الخَطأُ في حَيَاةِ النَّاسِ أَمرٌ وَارِدٌ وَطَبِيعَةٌ غَيرُ مُستَنكَرَةٍ ، فَلَيسُوا بِمَلائِكَةٍ مُقَرَّبِينَ لا يَعصُونَ وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ ، وَمَا هُم بِأَنبِيَاءَ مُنَزَّهِينَ وَلا مُرسَلِينَ مَعصُومِينَ ، وَلا يَستَطِيعُ أَيُّ إِنسَانٍ مَهمَا عَلا شَأنُهُ أَن يَدَّعِيَ العِصمَةَ لِنَفسِهِ ، وَلا يَقدِرُ امرُؤٌ مَهمَا بَلَغَ مِنَ العِلمِ وَالتَّقوَى وَحُسنِ الخُلُقِ أَن يُزَكِّيَ نَفسَهُ وَيَتَبَرَّأَ مِن خَطَئِهِ ، وَصَدَقَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ حِينَ قَالَ : " كُلُّ بَني آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ " فَالخَطَأُ ـ إِذًا ـ وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ ، وَالزَّلَلُ حَاصِلٌ وَلا بُدَّ ، وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ الخَطَأَ الحَقِيقِيَّ إِنَّمَا هُوَ التَّمَادِي في الخَطَأِ وَالإِصرَارِ عَلَى الزَّلَلِ وَعَدَمُ الاعتِرَافِ بِالتَّقصِيرِ ، وَالجِدَالُ عَنِ النَّفسِ بِالبَاطِلِ وَتَمَحُّلُ المَعَاذِيرِ وَلَو بِالزُّورِ ، وَاعتِبَارُ الرُّجُوعِ إِلى الصَّوَابِ نَقِيصَةً لِلذَّاتِ أَو حَطًّا مِنَ القَدرِ ، تِلكُم هِيَ قَاصِمَةُ الظُّهُورِ وَبَلِيَّةُ البَلايَا ، وَالَّتي رُفِعَت بِسَبَبِهَا خَيرَاتٌ وَنُزِعَت بَرَكَاتٌ ، وَنَزَلَت جَرَّاءَهَا ابتِلاءَاتٌ وَحَلَّت نَكَبَاتٌ ، وَفَسَدَت بِشُؤمِهَا وَشَائِجُ وَقُطِعَت عَلائِقُ . وَلِنَعلَمَ خَطَرَ هَذَا الأَمرِ وَسَيِّئَ أَثَرِهِ عَلَى صَاحِبِهِ ، فَيَكفِينَا أَن نَسمَعَ مَا صَحَّ عَنهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ حَيثُ قَالَ : " إِنَّ اللهَ حَجَبَ التَّوبَةَ عَن كُلِّ صَاحِبِ بِدعَةٍ حَتى يَدَعَ بِدعَتَهُ " فَرَبُّنَا ـ جَلَّ وَعَلا ـ وَهُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ الغَفُورُ الوَدُودُ ، الَّذِي يَبسُطُ يَدَهُ بِاللَّيلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ ، قَد حَجَبَ التَّوبَةَ عَن صَاحِبِ البِدعَةِ وَلم يَقبَلْهَا مِنهُ ، لِمَاذَا ؟! لأَنَّهُ مَفتُونٌ بها مُصِرٌّ عَلَيهَا مُعجَبٌ بها ، لا يُقِرُّ بِخَطَئِهِ وَلا يَعتَرِفُ بِزَلَلِهِ ، بَلْ يَرَى نَفسَهُ عَلَى صَوَابٍ وَيَعتَقِدُ أَنَّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ . فَلِمَاذَا لا نَعتَرِفُ بِأَخطَائِنَا ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ مِن حِينِ أَن نَقَعَ فِيهَا لِنَعُودَ ؟ لِمَاذَا لا نُفَكِّرُ في التَّرَاجُعِ عَنهَا مُبَاشَرَةً لِنَغسِلَ دَرَنَهَا وَنَمحُوَ أَثَرَهَا ؟ لِمَاذَا تَذهَبُ عُقُولُنَا بَعدَ الخَطَأِ إِلى تَلَمُّسِ المَعَاذِيرِ وَتَمَحُّلِهَا ؟ لِمَاذَا يَنصَبُّ تَفكِيرُنَا عَلَى البَحثِ عَنِ الحِجَجِ وَإِن كَانَت وَاهِيَةً لِنُسَوِّغَ لأَنفُسِنَا الاستِمرَارَ وَالتَّمَادِي ؟ أَكُلَّ هَذَا تَكَبُّرًا وَغَرُورًا وَعُلوًّا وَإِصرَارًا ؟! أَلَمْ نَعلَمْ أَنَّ الأَبوَينِ ـ عَلَيهِمَا السَّلامُ ـ أَخطَآ فَأَقَرَّا بِالزَّلَّةِ وَاعتَرَفَا بِالتَّقصِيرِ فَغَفَرَ اللهُ لهُمَا وَتَابَ عَلَيهِمَا ؟ وَأَنَّ إِبلِيسَ عَصَى وَاستَكبَرَ وَأَبى فَأَحَلَّ اللهُ عَلَيهِ لَعنَتَهُ إِلى يَومِ الدِّينِ وَجَعَلَهُ إِمَامًا لأَهلِ النَّارِ وَقَائِدًا لِحَصَبِ جَهَنَّمَ ؟! إِنَّهُ لَمِن أَخطَرِ الأَمرَاضِ الَّتي ابتُلِيَ بها المُجتَمَعُ في السَّنَوَاتِ المُتَأَخِّرَةِ بِصُورَةٍ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ ، أَن يُخطِئَ المَرءُ إِمَّا عَن غَفلَةٍ وَنِسيَانٍ أَو عَن ضَعفٍ وَجِبِلَّةٍ ، أَو حَتى عَن تَعَمُّدٍ وَإِصرَارٍ ، ثُمَّ لا يُفكِرَ في الرُّجُوعِ وَالأَوبَةِ ، بَل يُسَارِعُ إِلى تَسوِيغِ خَطَئِهِ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ ، وَلا يَهتَمُّ بِأَنَّهُ قَدِ انحَرَفَ عَنِ الطَّرِيقِ المُستَقِيمِ وَجَانَبَهُ ، وَأَنَّ وَاجِبَهُ الَّذِي لا خِيَارَ لَهُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ إِلى جَادَّةِ الصَّوَابِ وَالعَودَةُ لِلحَقِّ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ . وَلَو ذَهَبنَا نَبحَثُ عَن أَسبَابِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ السَّيِّئَةِ وَنَضَعُ العِلاجَ لِهَذَا المَرَضِ الخَطِيرِ ، لَوَجَدنَا أَسبَابًا مُتَعَدِّدَةً ، وَلأَلفَينَا في كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الحَلَّ الأَمثَلَ لِمَن وَفَّقَهُ اللهُ وَسَدَّدَهُ . فَمِن تِلكَ الأَسبَابِ ضَعفُ الإِيمَانِ وَخَلَلُ التَّصَوُّرِ ، وَالزُّهدُ في الأَجرِ وَقِلَّةُ التَّفكِيرِ في العَوَاقِبِ ، أَمَّا المُؤمِنُ الَّذِي عَرَفَ نَفسَهُ حَقَّ مَعرِفَتِهَا وَأَقَرَّ بِضَعفِهَا وَاعتَرَفَ بِعَجزِهَا ، فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ إِمَّا أَن يَتُوبَ وَيَنزِعَ عَن خَطَئِهِ وَيَعتَذِرَ عَمَّا بَدَرَ مِنهُ ، فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيهِ وَيَعذُرَهُ الآخَرُونَ وَتَطهُرَ قُلُوبُهُم عَلَيهِ ، وَيَمحُوَ اعتِذَارُهُ مَا قَد يَكُونُ حَاكَ في الصُّدُورِ ضِدَّهُ ، وَإِمَّا أَن يَتَمَادَى في غَيِّهِ وَيُصِرَّ عَلَى إِسَاءَتِهِ ، فَتَتَكَاثَرَ بِذَلِكَ سَيِّئَاتُهُ وَتَعظُمَ ، وَيُظلِمَ فُؤَادُهُ وَيَقسُوَ قَلبُهُ ، وَمِن ثَمَّ تَتَّسِعُ الفَجوَةُ بَينَهُ وَبَينَ الآخَرِينَ ، فَلا يَنتُجُ عَن ذَلِكَ إِلاَّ العَدَاوَةُ وَالبَغضَاءُ وَالنُّفرَةُ وَالشَّحنَاءُ ، مَعَ مَا يَتبَعُهَا مِن تَكَدُّر وَهَمٍّ وَغَمٍّ ، وَأَمرَاضٍ نَفسِيَّةٍ وَقَلَقٍ دَائِمٍ ، وَضِيقٍ في الحَيَاةِ وَضَنكٍ في المَعِيشَةِ . وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ إِيمَانَ العَبدِ بِأَنَّهُ إِذَا تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيهِ ، وَأَنَّ اللهَ يُبَدِّلُ سَيِّئَاتِ المُسِيءِ إِذَا تَابَ حَسَنَاتٍ وَيَرفَعُهُ بِذَلِكَ دَرَجَاتٍ ، وَأَنَّهُ إِذَا تَرَاجَعَ صُقِلَ قَلبُهُ ، وَأَنَّهُ مَا زَادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلاَّ عِزًّا ، وَلا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلا رَفَعَهُ ، إِنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَمِمَّا يَحدُو نُفُوسَ العَارِفِينَ إِلى المُسَارَعَةِ بِالتَّوبَةِ وَالبِدَارِ بِالاعتِذَارِ ، وَالحَذَرِ مِنَ التَّمَادِي وَالإِصرَارِ . وَمِن أَسبَابِ التَّمَادِي في الخَطَأِ مَا أُوتِيَهُ بَعضُ النَّاسِ مِن قُوَّةٍ في الجَدَلِ وَشِدَّةٍ في الخُصُومَةِ ، وَطُولِ عِنَادٍ وَدَوَامِ لَجَاجَةِ ، وَلَحنٍ في القَولِ وَقُدرَةٍ عَلَى الإِقنَاعِ وَلَو بِالبَاطِلِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَكَانَ الإِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلاً " وَإِنَّ لِلمُجتَمَعِ دَورًا كَبِيرًا في تَشجِيعِ مِثلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ ، حَيثُ يُعجَبُونَ بِكُلِّ ذِي حُجَّةٍ وَيَمدَحُونَ الشَّدِيدَ في الخُصُومَةِ ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ مِثلَ هَذَا قَد أَسَاءَ إِلى نَفسِهِ قَبلَ أَن يُسِيءَ إِلى غَيرِهِ ، وَأَنَّ اللهَ ـ تَعَالى ـ قَد مَقَتَهُ وَالنَّبيَّ ـ عَلَيهِ السَّلامُ ـ قَد ذَمَّهُ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعجِبُكَ قَولُهُ في الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيُشهِدُ اللهَ عَلَى مَا في قَلبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ " وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " مَا ضَلَّ قَومٌ بَعدَ هُدًى كَانُوا عَلَيهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ " ثُمَّ قَرَأَ " مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً " وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " إِنَّ أَبغَضَ الرِّجَالِ إِلى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ " كَم مِن مُشكِلاتٍ تَحدُثُ بَينَ اثنَينِ فَتَتَضَاعَفُ نَتَائِجُهَا وَتَسُوءُ الأَحوَالُ فِيهَا وَتَتَعَقَّدُ الأُمُورُ ، وَقَد كَانَ أَيسَرُ عِلاجٍ لها وَأَقرَبُ طَرِيقٍ لِحَلِّهَا هُوَ الاعتِرَافَ بِالخَطَأِ وَالمُبَادَرَةَ بِالاعتِذَارِ ، وَالشَّهَادَةَ بِالحَقِّ وَلَو عَلَى النَّفسِ بَدَلاً مِنَ الخِصَامِ وَاللَّجَاجَةِ وَالمِرَاءِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " يَا أَيُّهَا الََّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَو عَلَى أَنفُسِكُم أَوِ الوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَو فَقِيرًا فَاللهُ أَولى بهمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعدِلُوا وَإِن تَلوُوا أَو تُعرِضُوا فَإِنََّ اللهَ كَانَ بما تَعمَلُونَ خَبِيرًا " وَمِن أَسبَابِ التَّمَادِي في الخَطَأِ وَرَدِّ الحَقِّ الكِبرُ وَالتَّعَالِي ، قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كَانَ في قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ " فَقَالَ رَجُلٌ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَن يَكُونَ ثَوبُهُ حَسَنًا وَنَعلُهُ حَسَنًا . قَالَ : " إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ ، الكِبرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمطُ النَّاسِ " رَوَاهُ مُسلِمٌ ، وَمَعنى بَطَرُ الحَقِّ : دَفعُهُ وَرَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ وَعَدَمُ الاعتِرَافِ بِهِ ، وَمَعنى غَمطُ النَّاسِ : احتِقَارُهُم . وَلا تَرَى المُتَكَبِّرَ إِلاَّ مُعتَدًّا بِرَأيِهِ مُتَعَصِّبًا لَهُ ، لا يَقبَلُ بِغَيرِهِ وَإِن كَانَ أَصَحَّ وَأَصوَبَ ، أَمَّا المُتَواضِعُ فَإِنَّ تَوَاضُعَهُ يَحمِلُهُ عَلَى قَبُولِ الرَّأيِ الآخَرِ وَتَقدِيرِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ مَتى كَانَ صَوَابًا ، ذَلِكَ أَنَّهُ لا يُقَدِّسُ نَفسَهُ فَيَدَّعِي لها العِصمَةَ مِنَ الخَطَأِ ، وَلا يَستَخِفُّ بِآرَاءِ الآخَرِينَ أَو يُسَفِّهُهَا لِيُخفِيَ أَخطَاءَهُ وَيُعمِيَ الأَعيُنَ عَن مُشَاهَدَتِهَا ، بَلْ إِنَّ لَهُ في حَيَاتِهِ مَحَطَّاتٍ يُرَاجِعُ فِيهَا نَفسَهُ ، وَوَقَفَاتٍ يُصَحِّحُ فِيهَا مَسَارَهُ ، حَتى لا يَستَرسِلَ في خَطَأٍ وَقَعَ فِيهِ أَو يَستَمِرَّ في هَوًى انسَاقَ إِلَيهِ . أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَاحذَرُوا التَّمَادِيَ في الخَطَأِ وَالبَاطِلِ ، وَكُونُوا رَجَّاعِينَ لِلحَقِّ مُؤثِرِينَ لَهُ وَلَو عَلَى أَنفُسِكُم ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالقِسطِ وَلا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلَى أَلاَّ تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ " أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ ، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن أَسبَابِ استِفحَالِ الخَطَأِ وَالتَّمَادِي فِيهِ ، التَّصَرُّفَ في حَالِ الغَضَبِ دُونَ تَعَقُّلٍ وَتَفَكُّرٍ ، وَالاستِرسَالَ مَعَ شَيَاطِينِ الجِنِّ وَالإِنسِ فِيمَا يُملُونَهُ ، وَتَركَ المَجَالِ لِلِّسَانِ لِيَنطَلِقَ في تِلكَ الحَالِ بِالسَّبِّ أَو يَنفَلِتَ بِالتَّعيِيرِ ، أَو يَكِيلَ مِنَ الكَلامِ أَسوَأَهُ وَأَفحَشَهُ ، وَقَد تَبلُغُ قُوَّةُ الغَضَبِ بِبَعضِ النَّاسِ إِلى أَن يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفَاتٍ يَندَمُ عَلَيهَا بَعدَ هُدُوئِهِ ، لَكِنَّهُ لا يَقدِرُ أَن يُعَالِجَ نَتَائِجَهَا بِتِلكَ السُّهُولَةِ ، لأَنَّهَا تَكُونُ قَد طَعَنَت قُلُوبًا كَثِيرَةً فَغَضِبَت هِيَ الأُخرَى ، فَيُكَابِرُ كُلٌّ مِن جَانِبِهِ ، وَتَتَعَقَّدُ الأُمُورُ وَيَتَمَادَى السَّفَهُ بِأَهلِهِ ، ثم لَعَلَّهَا لا تَعُودُ الأُمُورُ بَعدَ ذَلِكَ إِلى مَجَارِيهَا إِلاَّ بَعدَ وَقتٍ طَوِيلٍ ، أَو بَعدَمَا يُرِيقُ الطَّرَفَانِ مَاءَ الوُجُوهِ وَيُبذَلُ مِنَ المَالِ وَالجَاهِ مَا يُبذَلُ ، وَهُنَا تَأتي بَعضُ الأَعرَافِ الاجتِمَاعِيَّةِ أَوِ العَادَاتِ القَبَلِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ ، فَتَزِيدُ الأُمُورُ سُوءًا وَتَعقِيدًا ، وَتُدخِلُ في المُشكِلاتِ مَعَ أَصحَابِهَا أَقَارِبَهُم وَجِيرَانَهُم وَمَن حَولَهُم ، وَيَطُولُ بها مَا كَانَ قَصِيرًا وَيَكبُرُ مَا كَانَ صَغِيرًا ، وَلَو أَنَّ المُخطِئَ استَعَاذَ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ حِينَ أَخطَأَ وَبَادَرَ إِلى الاعتِذَارِ ، لَذَهَبَ الشَّيطَانُ بَعِيدًا وَلَزَالَ مَا في النُّفُوسِ ، فَعَن سُلَيمَانَ بنِ صُرَدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : استَبَّ رَجُلانِ عِندَ النَّبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَغضَبُ وَيَحمَرُّ وَجهُهُ وَتَنتَفِخُ أَودَاجُهُ ، فَنَظَرَ إِلَيهِ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ : " إِنِّي لأَعلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنهُ ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ " الحَدِيثَ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ . أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَاحذَرُوا الغَضَبَ وَالكِبرَ ، وَتَوَاضَعُوا وَلِينُوا لِلحَقِّ ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ لِلصَّوَابِ وَالحَقِّ خَيرٌ مِنَ التَّمَادِي في الخَطَأِ وَالبَاطِلِ . |
|
| | #29 (permalink) |
|
.:: مراقب ::. ![]() | أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجعَلْ لَكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، الخَطأُ في حَيَاةِ النَّاسِ أَمرٌ وَارِدٌ وَطَبِيعَةٌ غَيرُ مُستَنكَرَةٍ ، فَلَيسُوا بِمَلائِكَةٍ مُقَرَّبِينَ لا يَعصُونَ وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ ، وَمَا هُم بِأَنبِيَاءَ مُنَزَّهِينَ وَلا مُرسَلِينَ مَعصُومِينَ ، وَلا يَستَطِيعُ أَيُّ إِنسَانٍ مَهمَا عَلا شَأنُهُ أَن يَدَّعِيَ العِصمَةَ لِنَفسِهِ ، وَلا يَقدِرُ امرُؤٌ مَهمَا بَلَغَ مِنَ العِلمِ وَالتَّقوَى وَحُسنِ الخُلُقِ أَن يُزَكِّيَ نَفسَهُ وَيَتَبَرَّأَ مِن خَطَئِهِ ، وَصَدَقَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ حِينَ قَالَ : " كُلُّ بَني آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَخَيرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ " فَالخَطَأُ ـ إِذًا ـ وَاقِعٌ لا مَحَالَةَ ، وَالزَّلَلُ حَاصِلٌ وَلا بُدَّ ، وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ الخَطَأَ الحَقِيقِيَّ إِنَّمَا هُوَ التَّمَادِي في الخَطَأِ وَالإِصرَارِ عَلَى الزَّلَلِ وَعَدَمُ الاعتِرَافِ بِالتَّقصِيرِ ، وَالجِدَالُ عَنِ النَّفسِ بِالبَاطِلِ وَتَمَحُّلُ المَعَاذِيرِ وَلَو بِالزُّورِ ، وَاعتِبَارُ الرُّجُوعِ إِلى الصَّوَابِ نَقِيصَةً لِلذَّاتِ أَو حَطًّا مِنَ القَدرِ ، تِلكُم هِيَ قَاصِمَةُ الظُّهُورِ وَبَلِيَّةُ البَلايَا ، وَالَّتي رُفِعَت بِسَبَبِهَا خَيرَاتٌ وَنُزِعَت بَرَكَاتٌ ، وَنَزَلَت جَرَّاءَهَا ابتِلاءَاتٌ وَحَلَّت نَكَبَاتٌ ، وَفَسَدَت بِشُؤمِهَا وَشَائِجُ وَقُطِعَت عَلائِقُ . وَلِنَعلَمَ خَطَرَ هَذَا الأَمرِ وَسَيِّئَ أَثَرِهِ عَلَى صَاحِبِهِ ، فَيَكفِينَا أَن نَسمَعَ مَا صَحَّ عَنهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ حَيثُ قَالَ : " إِنَّ اللهَ حَجَبَ التَّوبَةَ عَن كُلِّ صَاحِبِ بِدعَةٍ حَتى يَدَعَ بِدعَتَهُ " فَرَبُّنَا ـ جَلَّ وَعَلا ـ وَهُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ الغَفُورُ الوَدُودُ ، الَّذِي يَبسُطُ يَدَهُ بِاللَّيلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ ، قَد حَجَبَ التَّوبَةَ عَن صَاحِبِ البِدعَةِ وَلم يَقبَلْهَا مِنهُ ، لِمَاذَا ؟! لأَنَّهُ مَفتُونٌ بها مُصِرٌّ عَلَيهَا مُعجَبٌ بها ، لا يُقِرُّ بِخَطَئِهِ وَلا يَعتَرِفُ بِزَلَلِهِ ، بَلْ يَرَى نَفسَهُ عَلَى صَوَابٍ وَيَعتَقِدُ أَنَّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ . فَلِمَاذَا لا نَعتَرِفُ بِأَخطَائِنَا ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ مِن حِينِ أَن نَقَعَ فِيهَا لِنَعُودَ ؟ لِمَاذَا لا نُفَكِّرُ في التَّرَاجُعِ عَنهَا مُبَاشَرَةً لِنَغسِلَ دَرَنَهَا وَنَمحُوَ أَثَرَهَا ؟ لِمَاذَا تَذهَبُ عُقُولُنَا بَعدَ الخَطَأِ إِلى تَلَمُّسِ المَعَاذِيرِ وَتَمَحُّلِهَا ؟ لِمَاذَا يَنصَبُّ تَفكِيرُنَا عَلَى البَحثِ عَنِ الحِجَجِ وَإِن كَانَت وَاهِيَةً لِنُسَوِّغَ لأَنفُسِنَا الاستِمرَارَ وَالتَّمَادِي ؟ أَكُلَّ هَذَا تَكَبُّرًا وَغَرُورًا وَعُلوًّا وَإِصرَارًا ؟! أَلَمْ نَعلَمْ أَنَّ الأَبوَينِ ـ عَلَيهِمَا السَّلامُ ـ أَخطَآ فَأَقَرَّا بِالزَّلَّةِ وَاعتَرَفَا بِالتَّقصِيرِ فَغَفَرَ اللهُ لهُمَا وَتَابَ عَلَيهِمَا ؟ وَأَنَّ إِبلِيسَ عَصَى وَاستَكبَرَ وَأَبى فَأَحَلَّ اللهُ عَلَيهِ لَعنَتَهُ إِلى يَومِ الدِّينِ وَجَعَلَهُ إِمَامًا لأَهلِ النَّارِ وَقَائِدًا لِحَصَبِ جَهَنَّمَ ؟! إِنَّهُ لَمِن أَخطَرِ الأَمرَاضِ الَّتي ابتُلِيَ بها المُجتَمَعُ في السَّنَوَاتِ المُتَأَخِّرَةِ بِصُورَةٍ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ ، أَن يُخطِئَ المَرءُ إِمَّا عَن غَفلَةٍ وَنِسيَانٍ أَو عَن ضَعفٍ وَجِبِلَّةٍ ، أَو حَتى عَن تَعَمُّدٍ وَإِصرَارٍ ، ثُمَّ لا يُفكِرَ في الرُّجُوعِ وَالأَوبَةِ ، بَل يُسَارِعُ إِلى تَسوِيغِ خَطَئِهِ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ ، وَلا يَهتَمُّ بِأَنَّهُ قَدِ انحَرَفَ عَنِ الطَّرِيقِ المُستَقِيمِ وَجَانَبَهُ ، وَأَنَّ وَاجِبَهُ الَّذِي لا خِيَارَ لَهُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ إِلى جَادَّةِ الصَّوَابِ وَالعَودَةُ لِلحَقِّ الَّذِي هُوَ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ . وَلَو ذَهَبنَا نَبحَثُ عَن أَسبَابِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ السَّيِّئَةِ وَنَضَعُ العِلاجَ لِهَذَا المَرَضِ الخَطِيرِ ، لَوَجَدنَا أَسبَابًا مُتَعَدِّدَةً ، وَلأَلفَينَا في كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الحَلَّ الأَمثَلَ لِمَن وَفَّقَهُ اللهُ وَسَدَّدَهُ . فَمِن تِلكَ الأَسبَابِ ضَعفُ الإِيمَانِ وَخَلَلُ التَّصَوُّرِ ، وَالزُّهدُ في الأَجرِ وَقِلَّةُ التَّفكِيرِ في العَوَاقِبِ ، أَمَّا المُؤمِنُ الَّذِي عَرَفَ نَفسَهُ حَقَّ مَعرِفَتِهَا وَأَقَرَّ بِضَعفِهَا وَاعتَرَفَ بِعَجزِهَا ، فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ إِمَّا أَن يَتُوبَ وَيَنزِعَ عَن خَطَئِهِ وَيَعتَذِرَ عَمَّا بَدَرَ مِنهُ ، فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيهِ وَيَعذُرَهُ الآخَرُونَ وَتَطهُرَ قُلُوبُهُم عَلَيهِ ، وَيَمحُوَ اعتِذَارُهُ مَا قَد يَكُونُ حَاكَ في الصُّدُورِ ضِدَّهُ ، وَإِمَّا أَن يَتَمَادَى في غَيِّهِ وَيُصِرَّ عَلَى إِسَاءَتِهِ ، فَتَتَكَاثَرَ بِذَلِكَ سَيِّئَاتُهُ وَتَعظُمَ ، وَيُظلِمَ فُؤَادُهُ وَيَقسُوَ قَلبُهُ ، وَمِن ثَمَّ تَتَّسِعُ الفَجوَةُ بَينَهُ وَبَينَ الآخَرِينَ ، فَلا يَنتُجُ عَن ذَلِكَ إِلاَّ العَدَاوَةُ وَالبَغضَاءُ وَالنُّفرَةُ وَالشَّحنَاءُ ، مَعَ مَا يَتبَعُهَا مِن تَكَدُّر وَهَمٍّ وَغَمٍّ ، وَأَمرَاضٍ نَفسِيَّةٍ وَقَلَقٍ دَائِمٍ ، وَضِيقٍ في الحَيَاةِ وَضَنكٍ في المَعِيشَةِ . وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ إِيمَانَ العَبدِ بِأَنَّهُ إِذَا تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيهِ ، وَأَنَّ اللهَ يُبَدِّلُ سَيِّئَاتِ المُسِيءِ إِذَا تَابَ حَسَنَاتٍ وَيَرفَعُهُ بِذَلِكَ دَرَجَاتٍ ، وَأَنَّهُ إِذَا تَرَاجَعَ صُقِلَ قَلبُهُ ، وَأَنَّهُ مَا زَادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلاَّ عِزًّا ، وَلا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلا رَفَعَهُ ، إِنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَمِمَّا يَحدُو نُفُوسَ العَارِفِينَ إِلى المُسَارَعَةِ بِالتَّوبَةِ وَالبِدَارِ بِالاعتِذَارِ ، وَالحَذَرِ مِنَ التَّمَادِي وَالإِصرَارِ . وَمِن أَسبَابِ التَّمَادِي في الخَطَأِ مَا أُوتِيَهُ بَعضُ النَّاسِ مِن قُوَّةٍ في الجَدَلِ وَشِدَّةٍ في الخُصُومَةِ ، وَطُولِ عِنَادٍ وَدَوَامِ لَجَاجَةِ ، وَلَحنٍ في القَولِ وَقُدرَةٍ عَلَى الإِقنَاعِ وَلَو بِالبَاطِلِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَكَانَ الإِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلاً " وَإِنَّ لِلمُجتَمَعِ دَورًا كَبِيرًا في تَشجِيعِ مِثلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ ، حَيثُ يُعجَبُونَ بِكُلِّ ذِي حُجَّةٍ وَيَمدَحُونَ الشَّدِيدَ في الخُصُومَةِ ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ مِثلَ هَذَا قَد أَسَاءَ إِلى نَفسِهِ قَبلَ أَن يُسِيءَ إِلى غَيرِهِ ، وَأَنَّ اللهَ ـ تَعَالى ـ قَد مَقَتَهُ وَالنَّبيَّ ـ عَلَيهِ السَّلامُ ـ قَد ذَمَّهُ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعجِبُكَ قَولُهُ في الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيُشهِدُ اللهَ عَلَى مَا في قَلبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ " وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " مَا ضَلَّ قَومٌ بَعدَ هُدًى كَانُوا عَلَيهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ " ثُمَّ قَرَأَ " مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً " وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " إِنَّ أَبغَضَ الرِّجَالِ إِلى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ " كَم مِن مُشكِلاتٍ تَحدُثُ بَينَ اثنَينِ فَتَتَضَاعَفُ نَتَائِجُهَا وَتَسُوءُ الأَحوَالُ فِيهَا وَتَتَعَقَّدُ الأُمُورُ ، وَقَد كَانَ أَيسَرُ عِلاجٍ لها وَأَقرَبُ طَرِيقٍ لِحَلِّهَا هُوَ الاعتِرَافَ بِالخَطَأِ وَالمُبَادَرَةَ بِالاعتِذَارِ ، وَالشَّهَادَةَ بِالحَقِّ وَلَو عَلَى النَّفسِ بَدَلاً مِنَ الخِصَامِ وَاللَّجَاجَةِ وَالمِرَاءِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " يَا أَيُّهَا الََّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَو عَلَى أَنفُسِكُم أَوِ الوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَو فَقِيرًا فَاللهُ أَولى بهمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعدِلُوا وَإِن تَلوُوا أَو تُعرِضُوا فَإِنََّ اللهَ كَانَ بما تَعمَلُونَ خَبِيرًا " وَمِن أَسبَابِ التَّمَادِي في الخَطَأِ وَرَدِّ الحَقِّ الكِبرُ وَالتَّعَالِي ، قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كَانَ في قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ " فَقَالَ رَجُلٌ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَن يَكُونَ ثَوبُهُ حَسَنًا وَنَعلُهُ حَسَنًا . قَالَ : " إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ ، الكِبرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمطُ النَّاسِ " رَوَاهُ مُسلِمٌ ، وَمَعنى بَطَرُ الحَقِّ : دَفعُهُ وَرَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ وَعَدَمُ الاعتِرَافِ بِهِ ، وَمَعنى غَمطُ النَّاسِ : احتِقَارُهُم . وَلا تَرَى المُتَكَبِّرَ إِلاَّ مُعتَدًّا بِرَأيِهِ مُتَعَصِّبًا لَهُ ، لا يَقبَلُ بِغَيرِهِ وَإِن كَانَ أَصَحَّ وَأَصوَبَ ، أَمَّا المُتَواضِعُ فَإِنَّ تَوَاضُعَهُ يَحمِلُهُ عَلَى قَبُولِ الرَّأيِ الآخَرِ وَتَقدِيرِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ مَتى كَانَ صَوَابًا ، ذَلِكَ أَنَّهُ لا يُقَدِّسُ نَفسَهُ فَيَدَّعِي لها العِصمَةَ مِنَ الخَطَأِ ، وَلا يَستَخِفُّ بِآرَاءِ الآخَرِينَ أَو يُسَفِّهُهَا لِيُخفِيَ أَخطَاءَهُ وَيُعمِيَ الأَعيُنَ عَن مُشَاهَدَتِهَا ، بَلْ إِنَّ لَهُ في حَيَاتِهِ مَحَطَّاتٍ يُرَاجِعُ فِيهَا نَفسَهُ ، وَوَقَفَاتٍ يُصَحِّحُ فِيهَا مَسَارَهُ ، حَتى لا يَستَرسِلَ في خَطَأٍ وَقَعَ فِيهِ أَو يَستَمِرَّ في هَوًى انسَاقَ إِلَيهِ . أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَاحذَرُوا التَّمَادِيَ في الخَطَأِ وَالبَاطِلِ ، وَكُونُوا رَجَّاعِينَ لِلحَقِّ مُؤثِرِينَ لَهُ وَلَو عَلَى أَنفُسِكُم ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالقِسطِ وَلا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلَى أَلاَّ تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ " أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ ، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن أَسبَابِ استِفحَالِ الخَطَأِ وَالتَّمَادِي فِيهِ ، التَّصَرُّفَ في حَالِ الغَضَبِ دُونَ تَعَقُّلٍ وَتَفَكُّرٍ ، وَالاستِرسَالَ مَعَ شَيَاطِينِ الجِنِّ وَالإِنسِ فِيمَا يُملُونَهُ ، وَتَركَ المَجَالِ لِلِّسَانِ لِيَنطَلِقَ في تِلكَ الحَالِ بِالسَّبِّ أَو يَنفَلِتَ بِالتَّعيِيرِ ، أَو يَكِيلَ مِنَ الكَلامِ أَسوَأَهُ وَأَفحَشَهُ ، وَقَد تَبلُغُ قُوَّةُ الغَضَبِ بِبَعضِ النَّاسِ إِلى أَن يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفَاتٍ يَندَمُ عَلَيهَا بَعدَ هُدُوئِهِ ، لَكِنَّهُ لا يَقدِرُ أَن يُعَالِجَ نَتَائِجَهَا بِتِلكَ السُّهُولَةِ ، لأَنَّهَا تَكُونُ قَد طَعَنَت قُلُوبًا كَثِيرَةً فَغَضِبَت هِيَ الأُخرَى ، فَيُكَابِرُ كُلٌّ مِن جَانِبِهِ ، وَتَتَعَقَّدُ الأُمُورُ وَيَتَمَادَى السَّفَهُ بِأَهلِهِ ، ثم لَعَلَّهَا لا تَعُودُ الأُمُورُ بَعدَ ذَلِكَ إِلى مَجَارِيهَا إِلاَّ بَعدَ وَقتٍ طَوِيلٍ ، أَو بَعدَمَا يُرِيقُ الطَّرَفَانِ مَاءَ الوُجُوهِ وَيُبذَلُ مِنَ المَالِ وَالجَاهِ مَا يُبذَلُ ، وَهُنَا تَأتي بَعضُ الأَعرَافِ الاجتِمَاعِيَّةِ أَوِ العَادَاتِ القَبَلِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ ، فَتَزِيدُ الأُمُورُ سُوءًا وَتَعقِيدًا ، وَتُدخِلُ في المُشكِلاتِ مَعَ أَصحَابِهَا أَقَارِبَهُم وَجِيرَانَهُم وَمَن حَولَهُم ، وَيَطُولُ بها مَا كَانَ قَصِيرًا وَيَكبُرُ مَا كَانَ صَغِيرًا ، وَلَو أَنَّ المُخطِئَ استَعَاذَ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ حِينَ أَخطَأَ وَبَادَرَ إِلى الاعتِذَارِ ، لَذَهَبَ الشَّيطَانُ بَعِيدًا وَلَزَالَ مَا في النُّفُوسِ ، فَعَن سُلَيمَانَ بنِ صُرَدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : استَبَّ رَجُلانِ عِندَ النَّبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَغضَبُ وَيَحمَرُّ وَجهُهُ وَتَنتَفِخُ أَودَاجُهُ ، فَنَظَرَ إِلَيهِ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ : " إِنِّي لأَعلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنهُ ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ " الحَدِيثَ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ . أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَاحذَرُوا الغَضَبَ وَالكِبرَ ، وَتَوَاضَعُوا وَلِينُوا لِلحَقِّ ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ لِلصَّوَابِ وَالحَقِّ خَيرٌ مِنَ التَّمَادِي في الخَطَأِ وَالبَاطِلِ . |
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
(مشاهدة الكل)
عدد الذين شاهدوا هذا الموضوع : 35 :
| |
| (القناص), ماجد, محمد بن خنين, مجالسي, لحــ الجرووح ـن, منسف البراقع, ام رسن, المارد الازرق, البتار, البصري, الدانه 33, السيرة الحسنة, النجم المعتلي, ابو ريان, ابو سيف(049), ابو نـــmkـــواف, ابو طارق, ابوسلطان, ابووائل, تتعبني نظراتك, بقايا جروووح, حامل المسك, ياسمينة المنتدى, جســاس, حفيد مجمش, دوت كوم, larbi aout, سلطان الشوق, صاحب المعالي, صـادق, سهم الله, فلسفة فكر, كنق الفياض |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| منبر الجامع الجنوبي بالرويضة ****خطبة الشيخ عبد الله البصري في تحريم الإختلاط | الغمام الماطر | روحانيات | 15 | 17-10-2011 01:39 PM |
| دعواتكم لسماحة الشيخ عبدالله بن جبرين .. | السفير | احتواء ما لا يحتوى | 11 | 30-04-2009 12:10 AM |
| (( الشيخ / عبدالله بن وهق )) | سعد بن تويم | نشيد الروح | 12 | 28-04-2009 03:34 PM |
| ننعي لكم خبر وفاة الشيخ حمد بن عبدالله الســلمان | عبد العزيز بن عبد الله | أخبار الرويضة | 15 | 15-09-2008 01:33 AM |
| الشيخ / عبدالله الغديان يتعرض لحادث | الخفاش الأسود | احتواء ما لا يحتوى | 11 | 09-04-2008 01:46 AM |