![]() |
![]() ![]() |
![]() |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| |
| ||||||||
| [IMG]file:///C:/Users/user/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image001.g if[/IMG] اللهم بلغنا رمضان 25/8/1431هـ أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بما تَعمَلُونَ . وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُم أَنفُسَهُم أُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ . لا يَستَوِي أَصحَابُ النَّارِ وَأَصحَابُ الجَنَّةِ أَصحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، بَعدَ لَيَالٍ أَربَعٍ أَو خَمسٍ ، يَحِلُّ بِالأُمَّةِ الإِسلامِيَّةِ ضَيفٌ غَالٍ وَوَافِدٌ كَرِيمٌ ، إِنَّهُ شَهرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرآنُ ، وَكُتِبَ عَلَى الأُمَّةِ فِيهِ الصِّيَامُ ، وَسُنَّ لَهَا فِيهِ التَّهَجُّدُ وَالقِيَامُ ، إِنَّهُ الشَّهرُ الَّذِي يَغتَنِمُهُ مُوَفَّقُونَ فَيُبَادِرُونَ ، وَيُسَابِقُونَ إِلى الخَيرِ وَيَتَنَافَسُون َ ، فَيَفُوزُونَ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ وَعَظِيمِ الجَزَاءِ ، وَيُضِيعُهُ مُفرِّطُونَ ويُعرِضُ فِيهِ مَخذُولُونَ ، فَيَتَبَاطَؤُون َ وَيَتَأَخَّرُون َ عَنِ اكتِسَابِ الأَجرِ ، أَو يَتَلَبَّسُونَ بِالمَعَاصِي فَيُثقِلُونَ كَوَاهِلَهُم بِالسَّيِّئَاتِ وَالوِزرِ . وَذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ مِمَّن عَلِمَ في قُلُوبِهِم خَيرًا ، وَتِلكَ حِكمَتُهُ الَّتي يُضِلُّ بها مَن عَلِمَ أَنَّهُم دُونَ ذَلِكَ " يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ في الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالمِينَ وَيَفعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ " " وَالَّذِينَ اهتَدَوا زَادَهُم هُدىً وَآتَاهُم تَقوَاهُم " " مَن يَهدِ اللهُ فَهُوَ المُهتَدِي وَمَن يُضلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ " وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ عَلَى المُسلِمِ في قُدُومِ هَذَا الشَّهرِ المُبَارَكِ أَن يَكُونَ شُغلُهُ الشَّاغِلُ وَهَمُّهُ الدَّائِمُ اللُّجُوءَ إِلى رَبِّهِ ـ سُبحَانَهُ ـ وَسُؤَالَهُ التَّوفِيقَ لاغتِنَامِ هَذَا المَوسِمِ العَظِيمِ بما يُقَرِّبُهُ إِلَيهِ زُلفَى ، وَأَن يَشرَحَ صَدرَهُ لِلمُضِيِّ فِيمَا يُرضِيهِ ـ جَلَّ وَعَلا ـ ، وَأَن يَرزُقَهُ قَلبًا يَعقِلُ المَوَاعِظَ وَتَنفَعُهُ الذِّكرَى ، وَنَفسًا تَخِفُّ إِلى الطَّاعَةِ وَتَأَلَفُهَا ، وَيَدًا تَصنَعُ المَعرُوفَ وَتَندَى بِالعَطَاءِ ، فَإِنَّهُ مَا زَكَا مَن زَكَا وَلا أَفلَحَ مَن أَفلَحَ إِلاَّ بِتَوفِيقِ اللهِ لَهُ ، وَلا سَارَ في طَرِيقِ الجَنَّةِ مَن سَارَ إِلاَّ بِرَحمَةِ اللهِ ، وَلا خَابَ إِلاَّ مَن قَسَا قَلبُهُ وَخَبُثَت نَفسُهُ ، وَأَعرَضَ عَمَّا فِيهِ نَفعُهُ وَنَجَاتُهُ " أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدرَهُ لِلإِسلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكرِ اللهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ . اللهُ نَزَّلَ أَحسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانيَ تَقشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُم وَقُلُوبُهُم إِلى ذِكرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن هَادٍ " وَيَقُولُ ـ سُبحَانَهُ ـ فِيمَن لم يُوَفَّقُوا : " نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُم " وَيَقُولُ ـ تَعَالى ـ في آخَرِينَ ممَّن تكَاسَلُوا عَنِ الخَيرِ : " وَلَو أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُم فَثَبَّطَهُم وَقِيلَ اقعُدُوا مَعَ القَاعِدِين " إِنَّ جُمهُورَ الأُمَّةِ وَعَامَّةَ المُسلِمِينَ لَيَفرَحُونَ بِهَذَا الشَّهرِ فَرَحًا عَظِيمًا ، وَيَستَنفِرُونَ قُوَاهُم في هَذَا المَوسِمِ بما لا يَكَادُونَ يَفعَلُونَهُ في غَيرِهِ ، وَيَبذُلُونَ جُهُودَهُم فِيهِ لِلتِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ مَعَ اللهِ ، مُستَحضِرِينَ مَا وَرَدَ مِنَ التَّرغِيبِ وَالبِشَارَةَ ، وَتَرَى الدُّعَاةَ وَالوَاعِظِينَ يُذَكِّرُونَ وَيُنَوِّعُونَ مَوَاعِظَهُم ، وَجَمعِيَّاتِ البِرِّ وَالمُؤَسَّسَات ِ الخَيرِيَّةَ وَمَكَاتِبَ الدَّعوَةِ تُهَيِّئُ الفُرَصَ لِمَن يَبغِي الخَيرِ ، وَتُمَهِّدُ طُرُقَ التَّزَوُّدِ لِلآخِرَةِ لِمَن يُرِيدُ أَن يَسلُكَهَا ، غَيرَ أَنَّ القُلُوُبَ الَّتي أَرَادَ اللهُ بِأَهلِهَا خَيرًا تَتَلَقَّى المَوَاعِظَ وَتَنشَرِحُ لَهَا وَتَندَى بها ، وَتُشرِقُ بِنُورِ رَبِّهَا وَتَستَنِيرُ بِآيَاتِهِ ، وَتَتَفَتَّحُ لِعَمَلِ الخَيرِ وَتَهَشُّ لَهُ وَتَبَشُّ بِهِ ، في حِينِ أَنَّ القُلُوبَ القَاسِيَةَ تَظَلُّ مُغَلَّفَةً بِقَسوَتِهَا وَغِلظَتِهَا ، مُحَاطَةً بِغِشَاوَتِهَا وَظُلمَةِ إِعرَاضِهَا وَمَعَاصِيهَا ، لا تَتَحَرَّكُ لِدَاعِي الخَيرِ ، وَلا تَلتَفِتُ لِمُنَادِي الحَقِّ ، وَشَتَّانَ بَينَ هَذِهِ وَتِلكَ ، وَفَرقٌ عَظِيمٌ بَينَ هَؤُلاءِ وَأُولَئِكَ ، شَتَّانَ بَينَ مَن يَشرَحُ اللهُ صَدرَهُ وَيَمُدُّ لَهُ مِن نُورِهِ فَيَخشَاهُ وَيَتَّقِيهِ ، مُتَلَقِّيًا ذِكرَهُ ـ تَعَالى ـ في وَجَلٍ يَقشَعِرُّ مِنهُ جِلدُهُ ؛ ثُمَّ تَهدَأُ بِالحَقِّ نَفسُهُ ، وَيَأنَسُ إِلَيهِ قَلبُهُ ؛ فَيَلِينُ وَيَطمَئِنُّ إِلى ذِكرِ اللهِ ، شَتَّانَ بَينَ ذَلِكَ وَبَينَ مَن صَدرُهُ ضَيِّقٌ حَرَجٌ ، لا يَقبَلُ الهُدَى وَلا يَجنَحُ إِلَيهِ وَلا يَرغَبُ فِيهِ " وَمَن يُضلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن هَادٍ " فَهَنِيئًا لِمَن أَعطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسنَى ، فَوَفَّقَهُ رَبُّهُ وَيَسَّرَهُ لِليُسرَى ، وَيَا لَخَيبَةِ مَن بَخِلَ وَاستَغنَى وَكَذَّبَ بِالحُسنَى ، فَوُكِلَ إِلى نَفسِهِ وَيُسِّرَ لِلعُسرَى ، قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبشِرُوا ؛ فَإِنَّهُ لَن يُدخِلَ الجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ " قَالُوا : وَلا أَنتَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : " وَلا أَنَا إِلاَّ أَن يَتَغَمَّدَنيَ اللهُ مِنهُ بِرَحمَةٍ ، وَاعلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ العَمَلِ إِلى اللهِ أَدوَمُهُ وَإِن قَلَّ " أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَاجتَهِدُوا بِتَسدِيدِ العَمَلِ وَإِتقَانِهِ ، وَإِلاَّ فَلا أَقَلَّ مِنَ المُقَارَبَةِ وَاتِّقَاءِ اللهِ مَا استَطَعتُم ، تَقرَّبُوا إِلى اللهِ بِالفَرَائِضِ وَتَزَوَّدُوا مِنَ النَّوَافِلِ ، وَدَاوِمُوا عَلَى عَمَلِ الخَيرِ وَاستَكثِرُوا مَن الصَّالِحَاتِ ، مَعَ الاجتِهَادِ أَن يَكُونَ أَحَدُكُم في كُلِّ يَومٍ أَفضَلَ مِنهُ في الَّذِي قَبلَهُ ، وَأَن يَكُونَ في كُلِّ عَامٍ أَقرَبَ إِلى اللهِ مِنَ العَامِ الَّذِي سَبَقَهُ ، فَإِنَّ العَبدَ لا يَزدَادُ بِمُرُورِ الأَيَّامِ إِلاَّ قُربًا مِنَ المَوتِ وَنَقصًا في الأَجَلِ ، غَيرَ أَنَّ المُؤمِنَ يَزدَادُ مَعَ الأَيَّامِ حِرصًا عَلَى الآخِرَةِ وَزُهدًا في الدُّنيَا ، وَتَزوُّدًا مِن صَالِحِ العَمَلِ وَتَوبَةً مِنَ السَّيِّئَاتِ ، قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " خَيرُ النَّاسِ مَن طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ " وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ المُؤمِنَ عُمُرُهُ إِلاَّ خَيرًا " وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ : " اغتَنِمْ خَمسًا قَبلَ خَمسٍ ، شَبَابَكَ قَبلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبلَ فَقرِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَبلَ شُغلِكَ ، وَحَيَاتَكَ قَبلَ مَوتِكَ " جَعَلَني اللهُ وَإِيَّاكُم مِمَّن يُدرِكُ الشَّهرَ الكَرِيمَ وَيَفُوزُ فِيهِ بِالأَجرِ العَظِيمِ ، وَأَقُولُ مَا تَسمَعُونَ وَأَستَغفِرُ اللهَ . أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنَهيَهُ وَلا تَنسَوهُ " وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مِن أَمرِهِ يُسرًا " ثُمَّ اعلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ مِمَّا يَزِيدُ المُؤمِنَ حِرصًا عَلَى إِتقَانِ عَمَلِهِ وَاجتِهَادًا في تَحصِيلِ الصَّالِحَاتِ قَدرَ طَاقَتِهِ ، أَن يَستَحضِرَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ آخِرَ رَمَضَانَ يَشهَدُهُ ، فَليَصُمْ فِيهِ صِيَامَ مُوَدِّعٍ ، وَليُصَلِّ فِيهِ صَلاةَ مُوَدِّعٍ ، وَليَجتَهِدْ فِيهِ اجتِهَادَ مَن لَعَلَّهُ لا يُدرِكُهُ مَرَّةً أُخرَى ، فَكَم مِمَّن صَامَ مَعَنَا في العَامِ المَاضِي وَقَامَ ، ثُمَّ هُوَ في عَامِهِ هَذَا حَبِيسُ قَبرِهِ وَرَهِينُ عَمَلِهِ ، أَلا فَاتَّقُوا اللهَ وَاسأَلُوهُ التَّوفِيقَ ، وَمَن وَفَّقَهُ اللهُ لإِدرَاكِ رَمَضَانَ فَليُشَمِّرْ عَن سَاعِدِ الجِدِّ مِن أَوَّلِ يَومٍ ، وَليَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَليُنِبْ إِلَيهِ وَليَحذَرِ التَّسوِيفَ ، فَإِنَّ إِدرَاكَ مَوَاسِمِ الخَيرِ نِعمَةٌ لا تَعدِلُهَا نِعمَةٌ ، وَالمَغبُونُ المَحرُومُ مَن لم يَتَعَامَلْ مَعَ رَبِّهِ ، يَقُولُ ـ تَعَالى ـ في الحَدِيثِ القُدسِيِّ : " مَن جَاءَ بِالحََسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا وَأَزِيدُ ، وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثلُهَا أُو أَغفِرُ ، وَمَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبرًا تَقَرَّبتُ مِنهُ ذِرَاعًا ، وَمَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبتُ مِنهُ بَاعًا ، وَمَن أَتَاني يَمشِي أَتَيتُهُ هَروَلَةً ، وَمَن لَقِيَني بِقُرَابِ الأَرضِ خَطِيئَةً لا يُشرِكُ بي شَيئًا لَقِيتُهُ بِمِثلِهَا مَغفِرَةً " وقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " إِنَّ اللهَ ـ تَعَالى ـ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ ، فَمَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَم يَعمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ ـ تَعَالى ـ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً ، فَإِنْ هَمَّ بها فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ ـ تَعَالى ـ عِندَهُ عَشرَ حَسَنَاتٍ إِلى سَبعِ مِئَةِ ضَعفٍ إِلى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَم يَعمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً ، فَإِنْ هَمَّ بها فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ ـ تَعَالى ـ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ، وَلا يَهلِكُ عَلَى اللهِ إِلاَّ هَالِكٌ " قَالَ الإِمَامُ ابنُ رَجَبٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ وَقَولُهُ بَعدَ ذَلِكَ : " وَلا يَهلِكُ عَلَى اللهِ إِلاَّ هَالِكٌ " يَعني بَعدَ هَذَا الفَضلِ العَظِيمِ مِن اللهِ وَالرَّحمَةِ الوَاسِعَةِ مِنهُ بِمُضَاعَفَةِ الحَسَنَاتِ وَالتَّجَاوُزِ عَنِ السَّيِّئَاتِ ، لا يَهلِكُ عَلَى اللهِ إِلاَّ مَن هَلَكَ وَأَلقَى بِيَدِهِ إِلى التَّهلُكَةِ وَتَجَرَّأَ عَلَى السَّيِّئَاتِ وَرَغِبَ عَنِ الحَسَنَاتِ وَأَعرَضَ عَنهَا .
|
| ||||||||
| مدرسه رمضان3/9/1431هـ [IMG]file:///C:/Users/user/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image001.g if[/IMG]أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، رَمَضَانُ مَوسِمٌ إِيمَانيٌّ كَبِيرٌ ، وَسُوقٌ لِلمُتَاجَرَةِ مَعَ اللهِ مُتَنَوِّعَةُ العَطَاءِ ، تُعرَضُ فِيهَا بَضَائِعُ الآخِرَةِ بِأَيسَرِ الأَثمَانِ ، وَيُرَغَّبُ فِيهَا في كُلِّ مَكَانٍ وَقَد طَابَ الزَّمَانُ ، وَتَرَى النَّاسَ مِن بَعدُ مُختَلِفِي المَشَارِبِ مُتَعَدِّدِي الاهتِمَامَاتِ ، يَتَّجِهُ كُلٌّ مِنهُم إِلى مَا يُنَاسِبُهُ وَيُوَافِقُهُ " قَد عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشرَبَهُم " وَبِحَسَبِ قُوَّةِ إِيمَانِ النَّاسِ بِرَبِّهِم وَقُربِهِم مِنهُ وَصِدقِ يَقِينِهِم بِوَعدِهِ وَوَعِيدِهِ ، يَكُونُ نَشَاطُهُم وَتَعلُو هِمَمُهُم . وَقَد كَانَ النَّاسُ إِلى أَزمِنَةٍ قَرِيبَةٍ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ في حَالِ عَجِيبَةٍ ، لا يَجِدُ المُسلِمُ مَعَهَا عَنَتًا وَلا مَشَقَّةً في عَمَلِ الصَّالحَاتِ وَفِعلِ الخَيرَاتِ ، فَكُلُّ القُلُوبِ مُتَّجِهَةٌ إِلى رَبِّهَا حَرِيصَةٌ عَلَى مَا يُقَرِّبُهَا مِن مَولاهَا ، مَشغُولَةٌ بما يَزِيدُ إِيمَانَهَا وَيَنفَعُهَا في أُخرَاهَا ، أَمَّا في أَزمَانِنَا هَذِهِ فَإِنَّ المَرءَ لا يُعدَمُ عَلَى الشَّرِّ مُعِينًا وَلا عَنِ الخَيرِ مُخَذِّلاً ، بَل لَقَد أَصبَحَ كَثِيرٌ مِمَّا حَولَهُ لا يُعِينُهُ عَلَى الاجتِهَادِ وَالطَّاعَةِ ، وَلا يُسَاعِدُهُ عَلَى التَّبَتُّلِ وَالعِبَادَةِ ، وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ مِنَ المُتَعَيِّنِ عَلَى المُسلِمِينَ وَلا سِيَّمَا في أَوقَاتِ العِبَادَةِ وَمَوَاسِمِ التَّزَوُّدِ ، أَن يَكُونُوا قُدُوَاتٍ لِبَعضِهِم في الاجتِهَادِ ، وَأَن يَدُلَّ بَعضُهُم بَعضًا إِلى الخَيرِ وَالهُدَى ، وَأَن يَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى ، فَهَذَا بِجُهدِهِ وَذَاكَ بِمَالِهِ ، وَصَاحِبُ العِلمِ يُوَجِّهُ وَالعَامِلُ يَصبِرُ ، وَالفَتى يُشَارِكُ وَالكَبِيرُ يُشَجِّعُ . وَإِنَّ مِن نِعَمِ اللهِ الَّتي تُذكَرُ فَتُشكَرُ ، أَن يَجِدَ المُسلِمُ مِن إِخوَانِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ وَالدُّعَاةِ وَالعَامِلِينَ في الجَمعِيَّاتِ وَالمُؤَسَّسَات ِ الخَيرِيَّةَ ، مِن يَبسُطُوُنَ لَهُ بَضَائِعَ الخَيرِ وَيُقَرِّبُونَه َا إِلَيهِ وَيُذَكِّرُونَه ُ بِفَضلِهَا ؛ لِيَختَارَ مِنهَا مَا يَقدِرُ عَلَيهِ وَيَسَعُهُ عَمَلُهُ ، وَإِنَّ مِنَ التَّوفِيقِ أَن يَبحَثَ المُسلِمُ عَنِ البِيئَاتِ الخَيِّرَةِ الَّتي تُعِينُهُ عَلَى الطَّاعَةِ في هَذَا الشَّهرِ المُبَارَكِ ، فَيَصبِرَ نَفسَهُ فِيهَا مَعَ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ ، وَلا يَعدُوَ عَينَيهِ عَنهُم مُرِيدًا زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا ، أَو مُطِيعًا مَن أَغفَلَ اللهُ قَلبَهُ عَن ذِكرِهِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمرُهُ فُرُطًا ، فَيَكفِي المُرِيدَ نَجَاةَ نَفسِهِ وَفِكَاكَ رَقَبَتِهِ طَردًا لِلدُّنيَا أَحَدَ عَشَرَ شَهرًا طُوَالَ سَنَتِهِ ، قَد لا يُقَدِّمُ فِيهَا لأُخرَاهُ شَيئًا يُذكَرُ ، وَلا يَنفَعُ أُمَّتَهُ بِشَيءٍ يُعَدُّ ، فَمَا أَجمَلَهُ بِهِ أَن يَجعَلَ شَهرَ رَمَضَانَ لَهُ كَالدَّورَةِ التَّدرِيبِيَّة ِ المُكَثَّفَةِ ، الَّتي يَتَزَوَّدُ فِيهَا بما يُقَوِّي قَلبَهُ وَيُزَكِّي نَفسَهُ وَيَشرَحُ صَدرَهُ ، وَيَبعَثُ هِمَّتَهُ إِلى الآخِرَةِ وَيُزَهِّدُهُ في الدُّنيَا ، وَيُعَوِّدُهُ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَامتِثَالِ أَمرِهِ وَنَهيِهِ ! مَا الَّذِي يَضُرُّ لَو تَعَاوَنَ مَجمُوعَةٌ مِنَ المُسلِمِينَ في كُلِّ مَسجِدٍ فَعَكَفُوا عَلَى كِتَابِ رَبِّهِم بَعدَ كُلِّ صَلاةٍ لِمُدَّةِ نِصفِ سَاعَةٍ أَو أَقَلَّ أَو أَكثَرَ ، لِيَقتَدِيَ بِهِم غَيرُهُم وَيَتَقَوَّى بِهِم مَن سِوَاهُم ؟! إِنَّهُ لَمِنَ المُؤسِفِ وَالمُوحِشِ حَقًّا أَن يَتَلَفَّتَ المُسلِمُ بَعدَ الصَّلاةِ في المَسجِدِ ، بَاحِثًا عَمَّن يَقطَعُ وَحدَتَهُ وَيُؤنِسُ وَحشَتَهُ ، وَيَشُدُّ عَزِيمَتَهُ لِيَعِيشَ لَحَظَاتٍ مَعَ كِتَابِ رَبِّهِ ، فَلا يَجِدُ حَولَهُ أَحَدًا ، فَتَرَاهُ يَتَمَلمَلُ قَلِيلاً وَيَتَلَفَّتُ يَمِينًا وَشِمَالاً ، ثُمَّ لا يَلبَثُ أَن يُسلِمَ لِهَوَى النَّفسِ القِيَادَ وَيَخرُجَ ، وَلَو أَنَّهُ وَجَدَ مِن إِخوَانِهِ قَومًا يَتَرَنَّمُونَ بِالقُرآنِ مِن حَولِهِ لأَعَانُوهُ فَصَبَرَ وَصَابَرَ . لَقَد كَانَتِ المَسَاجِدُ إِلى عَهدٍ قَرِيبٍ في جَمِيعِ دِيَارِ المُسلِمِينَ وَخَاصَّةً في رَمَضَانَ ، لا تَخلُو مِنَ العُبَّادِ وَالمُتَقَرِّبِ ينَ طُوَالَ سَاعَاتِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ ، بَينَ تَالٍ وَدَاعٍ وَمُستَغفِرٍ ، وَرَاكِعٍ وَسَاجِدٍ ومُتَهَجِّدٍ ، فَمَا أَحرَانَا أَن نُعِيدَ إِلى مَسَاجِدِنَا نَشَاطَهَا التَّعَبُّدِيَّ بِتَنَوُّعِهِ ! مَا أَحرَانَا أَن نُعِيدَ لِرَمَضَانَ بِالقُرآنِ رَوحَانِيَّتَهُ ! وَأَن نَتَدَارَسَ كِتَابَ رَبِّنَا وَنَتَعَاوَنَ عَلَى تِلاوَتِهِ وَفَهمِهِ ، فَقَد كَانَ جِبرِيلُ يَلقَى نَبِيَّنَا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في كُلِّ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرآنَ ، فَهَلاَّ اقتَدَينَا وَاتَّبَعنَا ، لِيَشعُرَ مَن يَرَانَا أَنَّنَا نَمُرُّ بِمَوسِمِ عِبَادَةٍ حَقًّا !! قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ " مَا اجتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُون َهُ فِيمَا بَينَهُم ، إِلاَّ نَزَلَت عَلَيهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ وَحَفَّتهُم المَلائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَن عِندَهُ " وَمِنَ البِيئَاتِ الخَيِّرَةِ في رَمَضَانَ صَلاةُ التَّرَاوِيحِ ، نِصفُ سَاعَةٍ أَو تَزِيدُ قَلِيلاً ، يَقضِيهَا المُسلِمُ مَعَ إِخوَانِهِ صُفُوفًا وَرَاءَ إِمَامٍ وَاحِدٍ ، مُتَّجِهِينَ لِرَبٍّ وَاحِدٍ ، يَسعَونَ لِهَدَفٍ وَاحِدٍ ، يَستَمِعُونَ آيَاتِ المَثَاني ، وَيَركَعُونَ وَيَسجُدُونَ وَيَقنُتُونَ ، وَيَدعُونَ وَيَبتَهِلُونَ وَيَستَغفِرُونَ ، في لَحَظَاتٍ إِيمَانِيَّةٍ عَامِرَةٍ ، تَعقُبُهَا فَرحَةٌ بِالطَّاعَةِ غَامِرَةٌ ، فَيَا سَعَادَةَ مَن رَكَعَ مَعَ الرَّاكِعِينَ وَقَامَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا مَعَ المُصَلِّينَ ، يَقِفُ دَقَائِقَ مَعدُودَةً فَيُكتَبُ لَهُ قِيَامُ لَيلَةٍ كَامِلَةٍ ، وَقَد يُدرِكُ لَيلَةَ القَدرِ الَّتي هِيَ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ ، فَيَفُوزُ بِذَلِكَ فَوزًا عَظِيمًا بِعَمَلٍ يَسِيرٍ ، وَ" مَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ " وَ" مَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ " مَا أَحرَى المُسلِمَ أَن يَحرِصَ عَلَى المَسَاجِدِ الكَثِيرَةِ الجَمَاعَةِ ، وَأَن يَحذَرَ مِن تَسَلُّطِ الشَّيطَانِ عَلَيهِ ، فَيَترُكَ صَلاةَ التَّرَاوِيحِ وَيَهَجُرَ السُّنَّةَ ، أَو يَتَقَاعَسَ وَيُصَلِّيَ في بَيتِهِ ، أَو يَنفَرِدَ بِجَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ لِيُؤَدُّوا صَلاةً بَارِدَةً ضَعِيفَةَ الخُشُوعِ لا يَذكُرُونَ اللهَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً ، قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " صَلاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزكَى مِن صَلاتِهِ وَحدَهُ ، وَصَلاتُهُ مَعَ الرَّجُلَينِ أَزكَى مِن صَلاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ ، وَمَا كَانَ أَكثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلى اللهِ ـ تَعَالى ـ " وَمِنَ البِيئَاتِ الخَيِّرَةِ في شَهرِ رَمَضَانَ ، وَالَّتي تَبرُزُ فِيهَا وَحدَةُ المُسلِمِينَ وَتَقوَى فِيهَا إِلَفَتُهُم وَتَظهَرُ مَحَبَّتُهُم ، بِيئَاتُ تَفطِيرِ الصَّائِمِينَ ، وَهِيَ البِيئَاتُ الَّتي تَقُومُ عَلَيهَا جَمعِيَّاتُ البِرِّ وَالمُؤَسَّسَات ُ الخَيرِيَّةُ وَمَكَاتِبُ الدَّعوَةِ ، وَتُهَيِّئُ لَهَا الأَمَاكِنَ المُنَاسِبَةَ وَتُجَهِّزُهَا بِأَدَوَاتِهَا وَتُعِدُّ لَهَا العُدَّةَ ، وَتُوَفِّرُ لَهَا العَامِلِينَ وَتُنَظِّمُ فِيهَا الدُّرُوسَ وَالمَوَاعِظَ ، فَكَم هُوَ جَمِيلٌ أَن يَجعَلَ المُسلِمُ مِن مَالِهِ شَيئًا لِهَذِهِ المَنَاشِطِ ، وَكَم هُوَ حَرِيٌّ بِهِ أَن يَجعَلَ مِن يَومِهِ العَامِرِ بِالطَّاعَةِ نَصِيبًا لِهَذِهِ المَوَاقِعِ ، فَيُمَرَّ بها لِيَرَى ثَمَرَةَ عَطَائِهِ أَوَّلاً ، فَيَنشَطَ وَيُضَاعِفَ العَطَاءَ وَيَزدَادَ بَذلاً ، وَلِيُشَارِكَ في دَعمِهَا المَعنَوِيِّ ثَانِيًا ، وَيَعرِفَ نِعمَةَ اللهِ عَلَيهِ أَنْ جَعَلَهُ مُسلِمًا يَشهَدُ شَهَادَةَ الحَقِّ ، فَيَجتَمِعَ هُوَ وَأَخُوهُ العَرَبيُّ وَالعَجَمِيُّ عَلَى مَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ ، لا يَربِطُهُم إِلاَّ الدِّينُ الحَقُّ ، وَلا يُؤِلِّفُ بَينَهُم إِلاَّ الحُبُّ في اللهِ ، فَيَقوَى بِذَلِكَ إِيمَانُهُ وَيَتَرَسَّخُ يَقِينُهُ بِعَظَمَةِ دِينِهِ ، وَ" مَن فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثلُ أَجرِهِ " وَمِنَ البِيئَاتِ الرَّمَضَانِيَّ ةِ الخَيِّرَةِ وَقتُ السَّحَرِ ، الأَكلَةُ المُبَارَكَةِ وَالوَجبَةُ الطَّيِّبَةُ ، وَقتُ النُّزُولِ الإِلَهِيِّ الكَرِيمِ ، وَفُرصَةُ الاستِغفَارِ وَالدُّعَاءِ وَالابتِهَالِ وَرَفعِ الحَاجَاتِ ، يَحرِصُ عَلَيهَا المُبَارَكُونَ ، وَيَشهَدُهَا المُوَفَّقُونَ ، وَلا يُضِيعُهَا إِلاَّ المَحرُومُونَ المُفَرِّطُونَ ، قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " تَسَحَّرُوا فَإِنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً " وَقَالَ : " عَلَيكُم بِهَذَا السَّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الغَدَاءُ المُبَارَكُ " فَليَحرِصِ المُسلِمُ عَلَى مَا يَنفَعُهُ وَلْيَحذَرِ النَّومَ وَالكَسَلَ ، وَليُكثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالاستِغفَارِ وَسُؤَالِ اللهِ مَا شَاءَ مِن خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ ، قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " إِذَا مَضَى شَطرُ اللَّيلِ أَو ثُلُثَاهُ ، يَنزِلُ اللهُ إِلى السَّمَاءِ الدُّنيَا فَيَقُولُ : هَل مِن سَائِلٍ فَيُعطَى ؟ هَل مِن دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَهُ ؟ هَل مِن مُستَغفِرٍ فَيُغفَرَ لَهُ ؟ حَتَّى يَنفَجِرَ الصُّبحُ " وَمِنَ البِيئَاتِ الرَّمَضَانِيَّ ةِ الخَيِّرَةِ سَاعَةُ الإِفطَارِ ، فَرحَةُ المُؤمِنِ وَفُرصَةُ الدَّاعِي ، فِيهَا مَجَالٌ لِلدَّعوَةِ وَالاستِغفَارِ ، وَلَحَظَاتٌ لِلمُنَاجَاةِ لا تُضَاعَ ، المَرءُ إِذ ذَاكَ أَضعَفُ مَا يَكُونُ مِن أَثَرِ الصِّيَامِ ، قَد خَوَى مِنَ الجُوعِ بَطنُهُ ، وَيَبِسَت مِنَ العَطَشِ شَفَتَاهُ ، وَتَهَيَّأَ لِطَاعَةِ رَبِّهِ في الفِطرِ كَمَا أَطَاعَهُ في الصَّومِ " وَلِلصَّائِمِ فَرحَتَانِ يَفرَحُهُمَا : إِذَا أَفطَرَ فَرِحَ بِفِطرِهِ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَومِهِ " فَمَا أَجمَلَهَا مِن سَاعَةٍ وَمَا أَهنَأَهَا مِن لَحَظَاتٍ ، خَاصَّةً إِذَا دَعَا المَرءُ فِيهَا بَعضَ إِخوَانِهِ وَفَطَّرَهُم وَنَالَ مِثلَ أَجرِهِم ! أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ رَمَضَانَ فُرصَةٌ لا تُعَوَّضُ لِلتَّغيِيرِ لِلأَحسَنِ ، وَمَجَالٌ خِصبٌ لِتَهذِيبِ النَّفسِ وَتَعوِيدِهَا الطَّاعَاتِ ، فَيَجِبُ استِثمَارُ سَاعَاتِهِ المُبَارَكَةِ وَاستِغلالُ أَوقَاتِهِ الشَّرِيفَةِ ، وَالتَّزَوُّدُ قَدرَ الإِمكَانِ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ ، صَلاةً وَدُعَاءً ، وَقِرَاءَةً لِلقُرآنِ وَذِكرًا ، وَصَدَقَةً وَإِحسَانًا ، وتَفَطِيرًا لِلصَّائِمِينَ ، وَقَضَاءً لِلحَاجَاتِ وَتَفرِيجًا لِلكُرُبَاتِ . وَإِنَّ في دَاخِلِ كُلٍّ مِنَّا خَيرًا يَجِبُ أَن يُنَمِّيَهُ وَيُقَوِّيَهُ ، وَشَرًّا يَجِبُ أَن يَتَخَلَّصَ مِنهُ وَيَقضِيَ عَلَيهِ ، وَالتَّغيِيرُ إِلى الأَفضَلِ مُمكِنٌ لِمَن صَحَّت نِيَّتُهُ ، هَيِّنٌ عَلَى مَن قَوِيَت عَزِيمَتُهُ وَصَلُبَت إِرَادَتُهُ ، وَمَن لم يَتَقَدَّمْ فَهُوَ يَتَأَخَّرُ ، فَمَا أَحرَى المُؤمِنَ أَن يُحَافِظَ عَلَى مَا بَنَاهُ في نَهَارِهِ فَلا يَهدِمَهُ في لَيلِهِ ! وَأَن يَشِحَّ بِحَسَنَاتِ لِيلِهِ فَلا يُبَدِّدَهَا في نَهَارِهِ ! فَاستَعِينُوا بِرَبِّكُم وَاحرِصُوا عَلَى مَا يَنفَعُكُم وَلا تَعجِزُوا ، استَعِيذُوا بِاللهِ مِنَ العَجزِ وَالكَسَلِ ، وَاحذَرُوا التَّسوِيفَ وَتَجَنَّبُوا التَّأجِيلَ " كَلاَّ وَالقَمَرِ . وَاللَّيلِ إِذْ أَدبَرَ . وَالصُّبحِ إِذَا أَسفَرَ . إِنَّهَا لإِحدَى الكُبَرِ . نَذِيرًا لِلبَشَرِ . لِمَن شَاءَ مِنكُم أَن يَتَقَدَّمَ أَو يَتَأَخَّرَ . كُلُّ نَفسٍ بما كَسَبَت رَهِينَةٌ . إِلاَّ أَصحَابَ اليَمِينِ . في جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ . عَنِ المُجرِمِينَ . مَا سَلَكَكُم في سَقَرَ . قَالُوا لم نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ . وَلم نَكُ نُطعِمُ المِسكِينَ . وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ . وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ . حَتَّى أَتَانَا اليَقِينُ . فَمَا تَنفَعُهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ " أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ حَقَّ تُقَاتِهِ ، وَسَارِعُوا إِلى مَغفِرَتِهِ وَمَرضَاتِهِ ، وَاعلَمُوا أَنَّ عَرضَ البَضَائِعِ في هَذِهِ السُّوقِ الرَّمَضَانِيَّ ةِ لا يَقتَصِرُ عَلَى أَهلِ الإِحسَانِ مِن طُلاَّبِ الآخِرَةِ وَالدَّالِّينَ عَلَى الخَيرِ ، وَلا عَلَى أَهلِ التِّجَارَةِ مِن طُلاَّبِ الدُّنيَا المُنشَغِلِينَ بِتَنمِيَةِ أَموَالِهِم ، بَل حَتَّى أَهلُ الشَّرِّ وَشَيَاطِينُ الإِنسِ ، هُم أَيضًا يَعرِضُونَ شَرَّ البِضَاعَةِ ، خَاصَّةً في هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي انفَتَحَت فِيهِ الثَّقَافَاتُ عَلَى بَعضِهَا ، وَرَاجَت سُوقُ الإِعلامِ وَصَارَ لَهَا رُوَّادُهَا . وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ عَلَى المُسلِمِ الحَذَرَ مِمَّن يَسرِقُونَ وَقتَهُ ويُبعِدُونَهُ عَن رَبِّهِ ، نَعَمْ ـ أَيُّهَا الإِخوَةُ ـ إِنَّ هَذِهِ القَنَوَاتِ الشِّرِّيرَةَ المَاكِرَةَ تَسرِقُ الوَقتَ وَالجُهدَ وَالمَالَ ، وَقَبلَ ذَلِكَ وَأَخطَرُ مِنهُ ، فَهِيَ تَسرِقُ الدِّينَ وَتُفسِدُ عَلَى النَّاسِ قُلُوبَهُم ، وَمَاذَا يَنتَظِرُ مَن فَسَدَ قَلبُهُ وَقَد قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلا وَهِيَ القَلبُ " كَيفَ نَستَنكِرُ أَن يُضِيعَ بَعضُنَا الصَّلَوَاتِ وَيَتَّبِعُوا الشَّهَوَاتِ وَيَتَقَاعَسُوا عَن الخَيرَاتِ وَهُم قَد عَلَّقُوا قُلُوبَهُم بِالقَنَوَاتِ ؟! كَيفَ نُرِيدُ أَن يَجِدُوا لِشَهرِ الخَيرِ طَعمًا وَيُقَدِّمُوا فِيهِ لأَنفُسِهِم خَيرًا وَهُم يَمِيلُونَ مَعَ أَهلِ الشَّهَوَاتِ ؟! إِنَّهُ لَو لم يَكُن مِن شُؤمِ المَعَاصِي إِلاَّ أَنَّهَا تَصرِفُ العَبدَ عَنِ الطَّاعَةِ لَكَفَى ! سُئِلَ بَعضُ الصَّالحِينَ : أَيَجِدُ لَذَّةَ الطَّاعَةِ مَن يَعصِي ؟ فَقَالَ : وَلا مَن هَمَّ . ـ يَعني وَلا مَن هَمَّ بِالمَعصِيَةِ ـ وقَالَ الإِمَامُ ابنُ الجَوزِيِّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : فَرُبَّ شَخصٍ أَطلَقَ بَصَرَهُ فَحُرِمَ اعتِبَارَ بَصِيرَتِهِ ، أَو لِسَانَهُ فَحَرَمَهُ اللهُ صَفَاءَ قَلبِهِ ، أَو آثَرَ شُبهَةً في مَطعَمِهِ فَأَظلَمَ سِرُّهُ ، وَحُرِمَ قِيَامَ اللَّيلِ وَحَلاوَةَ المُنَاجَاةِ إِلى غَيرِ ذَلِكَ . فَيَا مَن تَجِدُ مِن نَفسِكَ في رَمَضَانَ ثِقَلاً عَنِ الطَّاعَةِ وَإِعرَاضًا عَنِ الخَيرِ ، تَفَقَّدْ نَفسَكَ وَاحفَظْ جَوَارِحَكَ ، وَغُضَّ بَصَرَكَ وَلْيَصُمْ لِسَانُكَ وَسَمعُكَ ، وَاحفَظِ اللهَ يَحفَظْكَ ، اِحفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، وَتَقَرَّبْ إِلَيهِ تَجِدْهُ خَيرًا ممَّا تَظُنُّ ، فَوَاللهِ لا يَخِيبُ عَبدٌ أَقبَلَ عَلَى رَبِّهِ وَسَأَلَهُ التَّوفِيقَ " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَستَجِيبُو ا لي وَلْيُؤمِنُوا بي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ " وَفي الحَدِيثِ القُدسِيِّ يَقُولُ ـ تَعَالى ـ : " أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَاني " اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ . |
| ||||||||
| التحذير من القول على الله بلا علم 10/9/1431هـ أَمَّا بَعدُ فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بما تَعمَلُونَ " تَذَكَّرُوا أَنَّكُم في شَهرٍ أَيَّامُهُ مَعدُودَاتٌ وَلَيَالِيهِ مُبَارَكَاتٌ ، يُوشِكُ أَن تُصبِحُوا وَقَد هَلَّ هِلالُ العِيدِ فَفَازَ مُجِدٌّ وَاغتَبَطَ مُجتَهِدٌ ، وَخَسِرَ مُفَرِّطٌ وَتَحَسَّرَ مُقتَصِدٌ . لَقَد مَضَى ثُلُثُ شَهرِكُم وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، فَاعمُرُوا أَوقَاتَ شَهرِكُمُ الشَّرِيفَةَ بما يُرضِي رَبَّكُم ، وَاحذَرُوا مَا يُنقِصُ ثَوَابَ أَعمَالِكُم أَو يَذهَبُ بِأَجرِكُم ، وَإِيَّاكُم أَن تَكُونُوا ممَّن يَختِمُونَ صِيَامَهُم بِحُضُورِ مَجَالِسِ اللَّغوِ وَشُهُودِ الزُّورِ ، بِمُشَاهَدَةِ مَا تَنضَحُ بِهِ بَعضُ الفَضَائِيَّاتِ المُفسِدَةِ مِنَ السُّخرِيَةِ بِدِينِ اللهِ وَالاستِهزَاءِ بِشَرعِهِ ، وَجَعلِ أَحكَامِهِ مَادَّةً لِلتَّنَدُّرِ وَالتَّفَكُّهِ ، فَقَد وَصَفَ ـ سُبحَانَهُ ـ عِبَادَ الرَّحمَنِ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِم سُجَّدًا وَقِيَامًا بِقَولِهِ : " وَالَّذِينَ لا يَشهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغوِ مَرُّوا كِرَامًا " وحَذَّرَنَا رَبُّنَا ـ جَلَّ وَعَلا ـ مِن حُضُورِ مَجَالِسِ الاستِهزَاءِ الآثِمَةِ فَقَالَ : " وَقَد نَزَّلَ عَلَيكُم في الكِتَابِ أَن إِذَا سَمِعتُم آيَاتِ اللهِ يُكفَرُ بها وَيُستَهزَأُ بها فَلا تَقعُدُوا مَعَهُم حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيرِهِ إِنَّكُم إِذًا مِثلُهُم إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا " أَيُّهَا المُسلِمُونَ : حُرمَةُ الدِّينِ عَظِيمَةٌ ، وَتَبدِيلُهُ إلى مَا يُرِيدُهُ النَّاسُ كَبِيرَةٌ ، وَالخَوضُ فِيهِ بِلا عِلمٍ ذَنبٌ وَجَرِيرَةٌ ، وَالنُّصُوصُ في التَّحذِيرِ مِن ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ " وَلا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسؤُولاً " وَقَالَ ـ تَعَالى ـ : " قُل أَرَأَيتُم مَا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِن رِزقٍ فَجَعَلتُم مِنهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُل آللهُ أَذِنَ لَكُم أَم عَلَى اللهِ تَفتَرُونَ . وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ يَومَ القِيَامَةِ " بَلْ لَقَد قَرَنَ ـ تَعَالى ـ تَحرِيمَ ذَلِكَ بِالشِّركِ وَالفَوَاحِشِ فَقَالَ : " قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثمَ وَالبَغيَ بِغَيرِ الحَقِّ وَأَن تُشرِكُوا بِاللهِ مَا لم يُنَزِّلْ بِهِ سُلطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعلَمُونَ " وَبِالجَهلِ بِالحَقِّ ضَلَّ أَكثَرُ أَهلِ الأَرضِ وَأَعرَضُوا ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " بَل أَكثَرُهُم لا يَعلَمُونَ الحَقَّ فَهُم مُعرِضُونَ " وَمِن ثَمَّ فَقَد أَلزَمَ ـ سُبحَانَهُ ـ مَن جَهِلَ شَيئًا مِن دِينِهِ بِالرُّجُوعِ إلى أَهلِ العِلمِ وَالأَخذِ عَنهُم ؛ لِيَعبُدَ رَبَّهُ عَلَى بَصِيرَةٍ ، فَقَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِنْ كُنتُم لا تَعلَمُونَ " ذَلِكُم أَنَّ العِبَادَةَ عَلَى جَهلٍ تُؤَدِّي إلى البِدَعِ وَتُوصِلُ إلى الشِّركِ ، وَيُنهِكُ العَابِدُ فِيهَا نَفسَهُ وَيُنصِبُ جَسَدَهُ بِلا أَجرٍ ، فَيَكُونُ مِمَّن " ضَلَّ سَعيُهُم في الحَيَاةِ الدُّنيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا " وَلأَنَّ مَقَامَ العِلمِ مَرغُوبٌ وَدَرَكَ الجَهلِ مَرفُوضٌ ؛ فَإِنَّ الإِنسَانَ بِطَبِيعَتِهِ يَأبى الوَصفَ بِالجَهلِ وَيَتَرَفَّعَ عَن أَن يُوصَمَ بِهِ ، وَيُحِبُّ أَن يُنسَبَ إلى العِلمِ وَيُمدَحَ بِهِ ، وَذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَيَرفَعُ بِهِ مَن أَرَادَ ، غَيرَ أَنَّ ثَمَّةَ مَن قَد يَدَّعِي العِلمَ وَلا عِلمَ لَهُ ، فَيَخُوضُ في الشَرِيعَةِ بِجَهلٍ فَيَضِلُّ وَيُضِلُّ غَيرَهُ ، وَإِنَّهُ مَعَ كَثرَةِ أَدَوَاتِ الشُّهرَةِ وَالظُّهُورِ بِاتِّسَاعِ وَسَائِلِ الإِعلامِ وَالاتِّصَالِ ، وَتَعَدُّدِ أَسَالِيبِ التَّلمِيعِ وَالتَّزيِيفِ ، وَاستِحكَامِ الجَهلِ بِالشَّرِيعَةِ في النَّاسِ ، انبَرَى لِلفِقهِ وَالفُتيَا مَن لَيسَ مِن أَهلِهَا ، ممَّن هُوَ إِمَّا قَارِئٌ مُجَوِّدٌ ، أَو وَاعِظٌ مُؤَثِّرٌ ، أَو إِخبَارِيٌّ يُحسِنُ القَصَّ وَيَسحَرُ بِبَيَانِهِ ، فَأَتَى بَعضُ مَن أُولِعَ مِن هَؤُلاءِ بِالغَرَائِبِ بِشُذُوذٍ مِنَ الفِقهِ ، استُبِيحَت بِهِ مُحرَّمَاتٌ أَو أُسقِطَت بِهِ وَاجِبَاتٌ ، بَل تَعَدَّى الأَمرُ ذَلِكَ إلى تَقَحُّمِ مُتَخَصِّصِينَ في الإِدَارَةِ أَو التَّربِيَةِ أَو غَيرِهَا مِنَ العُلُومِ الدُّنيَوِيَّةِ لِلكَلامِ في سِيرَةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَسِيرَةِ أَصحَابِهِ ، فَأَتَوا بِشَنَائِعَ مِنَ الخَطَأِ ، وَهَكَذَا : مَن تَكَلَّمَ في غَيرِ فَنِّهِ أَتَى بِالعَجَائِبِ ، وَأَعجَبُ مِن ذَلِكَ وَأَخطَرُ أَنْ صَارَ الحَلالُ وَالحَرَامُ كَلأً مُبَاحًا وَعِرضًا مُستَبَاحًا لأَهلِ النِّفَاقِ وَالفِسقِ وَالفُجُورِ ، مِنَ الصَّحَفِيِّينَ الجَهَلَةِ وَالإِعلامِيِّي نَ الكَذَبَةِ ، الَّذِينَ لم يَتَوَرَّعُوا عَنِ الكَلامِ في دِيَنِ اللهِ بِلا عِلمٍ وَالخَوضِ في الحَلالِ وَالحَرَامِ بِهَوًى وَجَهلٍ ، بَلْ وَصَلَ الأَمرُ إِلى أَن يَظهَرَ لِلنَّاسِ مُغَنٍّ رَقِيعٌ أَو مُمَثِّلٌ خَلِيعٌ ، أَو رَاقِصَةٌ فَاجِرَةٌ أَو مُمَثِّلَةٌ دَاعِرَةٌ ، فيَرفُضُونَ مِنَ الشَّرِيعَةِ مَا تَأبَاهُ نُفُوسُهُم المَرِيضَةُ ، وَيُعلِنُونَ ذَلِكَ في جُرأَةٍ عَلَى اللهِ وَعَلَى الشَّرِيعَةِ ، مَعَ جَهلٍ ذَرِيعٍ بِأَقدَارِ أَنفُسِهِمُ الوَضِيعَةِ ، وَهَكَذَا تُعمِي الشُّهرَةُ المَرءَ فَلا يَعرِفُ مِقدَارَ نَفسِهِ ، وَتَجعَلُهُ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعلَمُ وَهُوَ لا يَعلَمُ ، وَهَكَذَا يَندَفِعُ المُعجَبُونَ بِهِ أَوِ المُستَغِلُّونَ لَهُ فَيَدفَعُونَهُ بِالمَدحِ وَالثَّنَاءِ إلى تَجَاوُزِ مَا يُحسِنُ إلى مَا لا يَحسِنُ ، فَيَأتي بِالأَوَابِدِ وَالبَوَاقِعِ ، وَمِن ثَمَّ كَانَ مِن أَوجَبِ الوَاجِبَاتِ حِمَايَةُ جَنَابِ الشَرِيعَةِ مِن عَبَثِ العَابِثِينَ وَسُخرِيَةِ السَّاخِرِينَ ، أَو مِمَّن يَخُوضُونَ فِيهَا بِجَهلٍ أَو بِهَوًى ، فَيُخَالِفُونَ النَّصَّ أَوِ يَخرِقُونَ الإِجمَاعَ ، قَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : مَن أَفتَى النَّاسَ وَلَيسَ بِأَهلٍ لِلفَتوَى فَهُوَ آثِمٌ عَاصٍ ، وَمَن أَقَرَّهُ مِن وُلاةِ الأُمُورِ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ آثِمٌ أَيضًا . ثُمَّ نَقَلَ عَن ابنِ الجَوزِيِّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قَولَهُ : وَيَلزَمُ وَلِيَّ الأَمرِ مَنعُهُم كَمَا فَعَلَ بَنُو أُمَيَّةَ . وَهَؤُلاءِ بِمَنزِلَةِ مَن يَدُلُّ الرَّكبَ وَلَيسَ لَهُ عِلمٌ بِالطَّرِيقِ ، وَبِمَنزِلَةِ الأَعمَى الَّذِي يُرشِدُ النَّاسَ إلى القِبلَةِ ، وَبِمَنزِلَةِ مَن لا مَعرِفَةَ لَهُ بِالطِّبِّ وَهُوَ يُطِبُّ النَّاسَ ، بَل هُوَ أَسوَأُ حَالاً مِن هَؤُلاءِ كُلِّهِم ... وَنَقَلَ أَئِمَّةُ الأَحنَافِ عَن أَبي حَنِيفَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قَولَهُ : لا يَجُوزُ الحَجرُ إِلاَّ عَلَى ثَلاثَةٍ : عَلَى المُفتي المَاجِنِ ، وَعَلَى المُتَطَبِّبِ الجَاهِلِ ، وَعَلَى المُكَارِي المُفلِسِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الفَاحِشِ إِذَا لم يُحجَرْ عَلَيهِم ، فَالمُفتي المَاجِنُ يُفسِدُ عَلَى النَّاسِ دِينَهُم ، وَالمُتَطَبِّبُ الجَاهِلُ يُفسِدُ أَبدَانَهُم ، وَالمُكَارِي المُفلِسُ يُتلِفُ أَموَالَهُم ، فَيُمنَعُونَ مِن ذَلِكَ دَفعًا لِلضَّرَرِ . وَقَد فَسَّرُوا المُفتِيَ المَاجِنَ بِأَنَّهُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الحِيَلَ ؛ لِيَحتَالُوا عَلَى الشَّرِيعَةِ ، وَمَا أَكثَرَ مَن يَفعَلُ ذَلِكَ في زَمَنِنَا هَذَا بِاسمِ التَّيسِيرِ ، أَو بِدَعوَى مُوَافَقَةِ رُوحِ العَصرِ ، أََو بِدَافِعِ الخُضُوعِ لِعُمُومِ البَلوَى وَالاتِّكَاءِ عَلَى المَقَاصِدِ ، وَلَو كَانَ بِانتِهَاكِ الشَرِيعَةِ وَإِسقَاطِ أَحكَامِهَا . وَإِذَا كَانَ يَجِبُ مَنعُ الجَاهِلِ مِنَ الخَوضِ في الشَّرِيعَةِ ، فَوَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ أَلاَّ يَستَمِعُوا إِلَيهِ وَلا يَأخُذُوا عَنهُ ، وَلا يَسألُوهُ عَمَّا أَشكَلَ عَلَيهِم في دِينِهِم ، وَإِنَّمَا يَرجِعُونَ إلى العُلَمَاءِ الثِّقَاتِ المَشهُودِ لَهُم بِالعِلمِ وَالفَضلِ ، وَقَد كَانَ هَذَا هُوَ دَيدَنَ الأُمَّةِ مِن عَهدِ القُرُونِ المُفَضَّلَةِ إِلى عَهدٍ قَرِيبٍ ، خَاصَّةً في هَذِهِ البِلادِ المُبَارَكَةِ ، الَّتي دَرَجَ أَهلُهَا عَلَى تَقدِيرِ العِلمِ وَإِعزَازِ أَهلِهِ ، فَكَانُوا يَحتَاطُونَ لأَنفُسِهِم فَلا يَأخُذُونَ دِينَهُم إِلاَّ عَمَّن يَثِقُونَ في دِينِهِ وَعِلمِهِ ، غَيرَ أَنَّهَا نَبَتَت في هَذِهِ البِلادِ نَوَابِتُ ممَّن لا يَرجُونَ للهِ وَقَارًا ، فَعَبَثُوا بِمَقَامِ الفَتوَى وَتَسَاهَلُوا فِيهَا ، وَسَهَّلُوا لِلنَّاسِ سُلُوكَ كُلِّ طَرِيقٍ نَشَازٍ لَيسَت لَهُم ، فَكَانَ لا بُدَّ مِن وَقفَةٍ جَادَّةٍ حَازِمَةٍ ، تُعِيدُ الشَّارِدَ وَتُقَيِّدُ الآبِدَ ، وَتَهدِي الضَّالَّ وَتُثَبِّتُ المَهتَدِيَ ، وَهُوَ مَا تَوَلاَّهُ وَليُّ الأَمرِ وَفَّقَهُ اللهُ ، حَيثُ أَصدَرَ أَمرَهُ بِأَلاَّ يَتَوَلىَّ الإِفتَاءَ إِلاَّ أَهلُهُ ، مِن حَمَلَةِ العِلمِ الشَّرعِيِّ الرَّاسِخِينَ ، أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَامتَثِلُوا أَمرَ وَليِّ الأَمرِ أَثَابَهُ اللهُ ، وَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لا تَعلَمُونَ . أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ : " وَلا تَقُولُوا لما تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لا يُفلِحُونَ " أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ ، وَاقَدُرُوا هَذَا الشَّهرَ المُبَارَكَ قَدرَهُ وَلا تُضِيعُوهُ ، اُعمُرُوا أَوقَاتَهُ الشَّرِيفَةَ بِأَنوَاعِ الطَّاعَاتِ ، فَإِنَّ العَمَلَ فِيهَا لَيسَ كَالعَمَلِ في غَيرِهَا ، حَافِظُوا عَلَى الفَرَائِضِ وَاستَكثِرُوا مِنَ النَّوَافِلِ ، وَاعلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ حُفَّت بِالمَكَارِهِ فَاصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ، وَالنَّارَ قَد حُفَّت بِالشَّهَوَاتِ فَانتَبِهُوا وَاحذَرُوا وَاتَّقُوا ، قَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مَا تَرجُونَهُ غَدًا عِندَ رَبِّكُم ، وَفُّوا أَعمَالَكُم وَقُومُوا قِيَامًا طَوِيلاً ، وَلا تَكُونُوا ممَّن لا يَذكُرُونَ اللهَ في صَلاتِهِم إِلاَّ قَلِيلاً ، فَإِنَّ المَوتَ آتٍ وَلِقَاءَ اللهِ قَرِيبٌ ، وَالتَّنَافُسُ المَقصُودُ وَالتَّسَابُقُ المَحمُودُ وَالفَلاحُ المَنشُودُ ، إِنَّمَا هُوَ في الخُشُوعِ وَالتَّبَتُّلِ وَالقُنُوتِ للهِ ، لا في سُرعَةِ الخُرُوجِ مِنَ المَسَاجِدِ وَاغتِنَامِ مَجَالِسِ اللَّهوِ وَاللَّغوِ " مَن كَانَ يَرجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ . وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنِ العَالمِينَ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَنَجزِيَنَّه ُم أَحسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعمَلُونَ " |
| |||||||||||
| |
| |||||||||||
| |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| منبر الجامع الجنوبي بالرويضة ****خطبة الشيخ عبد الله البصري في تحريم الإختلاط | الغمام الماطر | روحانيات | 15 | 17-10-2011 01:39 PM |
| دعواتكم لسماحة الشيخ عبدالله بن جبرين .. | السفير | احتواء ما لا يحتوى | 11 | 30-04-2009 12:10 AM |
| (( الشيخ / عبدالله بن وهق )) | سعد بن تويم | نشيد الروح | 12 | 28-04-2009 03:34 PM |
| ننعي لكم خبر وفاة الشيخ حمد بن عبدالله الســلمان | عبد العزيز بن عبد الله | أخبار الرويضة | 15 | 15-09-2008 01:33 AM |
| الشيخ / عبدالله الغديان يتعرض لحادث | الخفاش الأسود | احتواء ما لا يحتوى | 11 | 09-04-2008 01:46 AM |
![]() | ![]() |