بسم الله الرحمن الرحيم
التحذير من البدع
عباد الله
إنَّ الله تعَالى بعَث رسولَه محمّدًا على حينِ فَترةٍ من الرسل حين استَحكمَت الضلالة واشتدَّت الظلمة، وتاه الخلق في جاهليّةٍ جهلاء وسُبُل عمياء، لا تعرِف من الحق رسمًا ولا نصيبا ولا قَسمًا، فكانت رسالة النبيِّ التي أخرج الله بها الناس من داعيةِ أهوائهم وتقليدِ آبائهم قال الله تعالى:
( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ).
وحين قام النبيُّ في الناس بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا فسرعانَ ما عارض الأشقياء معروفَه بالنُّكر وقابلوا دعوتَه بالكفر، لكنّ الله تعالى أعلى كلمتَه وأظهر دينه، فقام رسول الله بما أوجَبَ ربّه، وهدى الله به إلى الحقّ، وأنقَذ به كثيرًا من الخلق، ولم يمتِ النبي حتى بلّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمّةَ وأكمل الدّينَ وتركنا على المحجّة البيضاء، ليلُها كنهارها، وخاف على النّاس أن يعودوا لداعيَةِ أهوائهم ويتركوا اتِّباعَه، أو يقلِّدوا غيرَهم ويترُكُوا سنّتَه ؛ لذا فقد أنذر وحذَّر وأخبر بظهور الفِتَن واندِراسِ السنَن وفشوِّ البدع، وحذَّر من أهل الأهواءِ الذين تشعَّبوا وتفرَّقوا بعد عصرِ النبوة.
ولم تَمضِ السّنون حتى ظهَرَ أهل الأهواء، وتشعَّبتِ الفرق، وتنكَّب بعضُ الخلق طريقَ السنة، وتاهوا في ضلالات الطّرُق، وهذا كلّه راجعٌ إلى ترك السنّة والجهل وتغليب الهوى وتحكيمِ العقل وتقليد الآباءِ وردِّ الحق لأجلِ الأشياخ والمتبوعين، وهذه رباعيّةُ البدع وعِدائيّة السّنن: الهوى وتحكيم العقل والتقليد والجهل. فالبدعة قد تكون بإحداث عبادة ليس لها أصل في الشرع و البدعة أعظم ذنبًا وأشد جرمًا من المعصية نفسها، فإن من شرب الخمر أو زنى يوشك أن يتوب ويعلم في قرارة نفسه أنه مذنب عاصي يسأل الله أن يهديه ويرده إليه، بينما صاحب البدعة لا يرى نفسه على منكر، بل يرى نفسه على صواب، بل ويتقرب بهذا العمل لله رب العالمين.
لذا توافَرَتِ الأدلة من الكتاب والسنة وأقوالِ الصحابةِ والتابعين والأئمّة المهديِّين وتضافرت على الحثِّ على لزوم السنّة واتّباع هدي النبي واجتناب البدَع والمحدثات، وقد حفل القرآن العظيم بآياتِ الاتِّباع والطاعة وأنَّ اتِّباع النبيِّ هو علامة المحبّة الحقّة قال الله تعالى : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )، وقال تعالى : ( وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ) ، وقال تعالى : ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) . ولَيسَ بعد النبيِّ إلاّ اتباعُ الهوى، قال الله تعالى : ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ ). وأهلُ الأهواء همُ المعرِضون عن السنَن، قال الله تعالى : ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ).
وهكذا هُم أهلُ البدع؛ ضيقٌ وضنك وحَرج، فلا انشراحَ في الصّدر ولا طُمأنينة؛ لأنَّ الهُدى لا يكون إلاّ في الاتِّباع، قال الله تعالى : ( فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ).
بل إنَّ الاتّباعَ ولزوم السنة هو مقتضَى شهادة أن محمدًا رسول الله، وهو طاعتُه فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتنابُ ما نهى عنه وزجَر وأن لا يُعبدَ الله إلاّ بما شرَع، فلا يجوز أن نتقرّبَ إلى الله بدينٍ أو عبادة لم يشرعها رسولُ الله ، وإلاّ كانت مردودةً موضوعَة، قال الله تعالى : ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ )، فلا يجوز اتِّباعُ الأقوال المخالفةِ للسّنة مهما كان قائِلها، وكلٌّ يؤخَذ من قوله ويردّ إلا رسول الله ، كما قال الإمام مالك رحمه الله. وقد قَالَ الإمام الشافعيّ رحمه الله: "أجمَع العلماءُ على أنَّ من استبانت له سنّة رَسول الله لم يَكن له أَن يدَعَها لقولِ أحد"، وقال الإمامُ أحمد رحمه الله: "عَجِبتُ لقوم عرَفوا الإسنادَ وصحّتَه يَذهبون إلى رأيِ سفيانَ والله تعالى يَقولُ: ( فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )، أتَدرِي مَا الفَتنَة؟ الفتنةُ الشّرك، لعلَّه إذا ردَّ بعضَ قوله أن يقع في قلبه شيءٌ من الزيغ فيهلك".
عباد الله
وكما أنّ الإسلامَ هو الاستسلام لله والانقيادُ له بالطاعة فإنَّ الدليل إذا قامَ والخبر إذا صحَّ عن المعصوم وجَب التسليم به والإذعانُ له، قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا ، ولقَد كانَ النبيّ يقولُ في خطبَتِه: ((إنَّ أحسنَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمّد ، وكلَّ محدثة بِدعة، وكلّ بدعة ضلالة))، وفي الصحيح من حديث العرباض بن ساريةَ أنَّ النبي قال: ((عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإنّ كلَّ بدعة ضلالة)).
عبادَ الله، السنةُ كلُّها خير، ولزومها هو الفلاحُ والنجاح. السنّة هي الاتباع وترك الابتداع. السنة هي الوقوف على حدودِ الشريعة، فلا يقصِّر فيها ولا يتعدّاها، قال الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وفي مسندِ الإمام أحمد بسنَد صحيح أنّ النبيّ قال: ((لكنّي أنام وأصلّي وأصوم وأفطر، فمن اقتدى بي فهو مِنّي، ومن رغب عن سنتي فليس مني)).
>