الخطبة الثانية
عباد الله
تمسَّكوا في كلِّ وقتٍ وحين بوصيَّة خالقِكم جلّ وعلا: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131].
وعدٌ مِنَ الله لا يُخلَف ، إنّه وعدٌ مِنَ الله مشروط وعهدٌ مَربوط بعهود، إنه بِشارة للأمّة في كلِّ زمان ومكانٍ، متى وفَّتِ الأمّة بشروطه نَعِمت وفازت، وهذا العَهدُ هو ما تضَمَّنه قولُ ربِّنا جل وعلا: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَن َّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنّ َ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّ َهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ [النور:55].
إن من يلقي النظر إلى غزوة أُحد وإلى السبب الرئيس للهزيمة لوجد أنه يكمن في المعصية، وإن تعجبوا ـ عباد الله ـ فعجبٌ أمر هذه المعصية في أُحد، إنها لم تكن في فشوِّ شرك بينهم ، ولم تكن في إقصاء شريعة وتحكيم قوانين خارجة عنها، ولا في فساد نساء أو انحراف شباب، بل إنهم خرجوا إلى أُحد ومعهم إيمانهم بالله وحبهم لرسوله ودفاعهم عن الحق وطلبهم رفعة الدين ونصرته ، ولكن يَبْلو الله المؤمنين في أحد، فينزل الرماة عن الجبل خلافا لما أمرهم به رسول الله حيث خاف بعضهم فوات حظه من الغنائم، ثم كانت الكارثة، هزيمة موجعة، فاجعة مهولة، وأثابهم الله غماً بغم، وكُسرت رباعية الرسول ، وشُج رأسه، وقتل سبعون شهيداً.
فالله أكبر ما أعظم أثر المعصية على واقع المسلمين حتى في أحلك الظروف، تلك هي معصيتهم فما هي معاصينا إذا؟ يقول الرسول : ((إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلَّط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم)) رواه أحمد وغيره[1].
إن شؤم المعصية، يعمُّ مهما قلَّ حجمه، أو ضعف الاكتراث به، يمحق البركة، ويفسد العمل. فإلى تحقيقِ شروطِ هذا العَهدِ ـ أيّتها الأمّة ـ بادروا، وفي واقِعِكم وجميع مناحي حياتِكم التزموا؛ يتحقَّق لكم هذا الوعدُ، ويحصُل لكم هذا العهد، فتفلِحوا أبدًا، وتَسعَدوا سَرمدًا، ولا يهلكُ على اللهِ إلا هالك.
.
.