القناعة أربح بضاعة 19 / 11 / 1433
الخطبة الأولى :
أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرجًا . وَيَرزُقْهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمرِهِ قَد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدرًا "
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، تَقدِيرُ النِّعَمِ أَوِ ازدِرَاؤُهَا ، سَبَبٌ لِلقَنَاعَةِ وَالرِّضَا ، أَو سَبِيلٌ إِلى الطَّمَعِ وَالجَشَعِ ، وَمَرَدُّ ذَلِكَ في الغَالِبِ هُوَ نَظرُ الإِنسَانِ إِلى مَن حَولَهُ ، فَإِنْ هُوَ مَدَّ عَينَيهِ إِلى مَا مُتِّعَ بِهِ أَقوَامٌ مِن زَهرَةِ الحَيَاةِ الدُّنيَا ، وَتَشَوَّفَ إِلى مَا يَملِكُهُ الأَغنِيَاءُ وَالكُبَرَاءُ وَالمُترَفُونَ ، أَدَّى بِهِ ذَلِكَ إِلى ازدِرَاءِ مَا عِندَهُ مِن نِعَمِ اللهِ الكَثِيرَةِ ، فَجَعَلَ يَتَطَلَّعُ إِلى مَا لا يُطِيقُ ، وَجَعَلَت نَفسُهُ تَتَلَهَّفُ عَلَى مَا لا يُحَصِّلُ ، وَأَمَّا إِنْ رَزَقَهُ اللهُ التَّبَصُّرَ وَالتَّأَمُّلَ في الأَكثَرِينَ ، وَعَلِمَ بِأَنَّهُم أَقَلُّ مِنهُ في الدُّنيَا حَظًّا وَأَضيَقُ رِزقًا ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَيُورِثُهُ تَقدِيرَ مَا أَنعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيهِ ، وَالكَفَّ عَمَّا لَيسَ في يَدَيهِ ، وَالالتِفَاتَ إِلى مَا يُصلِحُ شَأنَهُ في أُخرَاهُ ، لِعِلمِهِ أَنَّهُ لَن يَكُونَ إِلاَّ مَا قَدَّرَ اللهُ ، وَلَن يَنَالَ أَحَدٌ غَيرَ مَا قُسِمَ لَهُ ، وَفي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " اُنظُرُوا إِلى مَن هُوَ أَسفَلَ مِنكُم ، وَلَا تَنظُرُوا إِلى مَن هُوَ فَوقَكُم ، فَإِنَّهُ أَجدَرُ أَلاَّ تَزدَرُوا نِعمَةَ اللهِ "
إِنَّهَا وَصِيَّةٌ نَافِعَةٌ جَامِعَةٌ ، وَتَوجِيهٌ نَبَوِيٌّ عَظِيمٌ ، لَوِ اتَّخَذَهُ المُسلِمُ مَنهَجًا لَهُ في هَذَا الجَانِبِ المُهِمِّ مِن حَيَاتِهِ ، لَرُزِقَ شُكرَ نِعَمِ اللهِ عَلَيهِ بِالاعتِرَافِ بها ، وَلَتَحَدَّثَ بها وَلَو بَينَهُ وَبَينَ نَفسِهِ ، وَلَرُزِقَ الاستِعَانَةَ بها عَلَى طَاعَةِ الخَالِقِ المُنعِمِ ـ سُبحَانَهُ ـ وَلَسَلِمَ مِن كَثِيرٍ مِمَّا يَتَحَمَّلُهُ غَيرُهُ مِن دُيُونٍ ، أَو مَا يَتَعَدَّونَ عَلَيهِ مِن حُقُوقٍ ، أَو مَا يَتَّصِفُونَ بِهِ مِن سَيِّئِ خُلُقٍ وَلَئِيمِ طَبعٍ ، وَهِي السَّيِّئَاتُ الَّتي يَدفَعُ الكَثِيرِينَ إِلَيهَا أَو إِلى بَعضِهَا ، نَظَرُهُم بِتَلَهُّفٍ إِلى مَن هُوَ فَوقَهُم ، وَتَغَافُلُهُم عَمَّن هُوَ أَسفَلَ مِنهُم .
إِنَّ القُلُوبَ لَتَمرَضُ وَإِنَّ النُّفُوسَ لَتَسقَمُ ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَيُبتَلَى بِالهَمِّ وَالغَمِّ ، مِن دَوَامِ النَّظَرِ إِلى مَن هُوَ أَكثَرُ مِنهُ في الدُّنيَا حَظًّا ، وَنِسيَانِ مَن هُوَ أَقَلُّ مِنهُ عَطَاءً وَنَصِيبًا ، وَلِهَذَا فَإِنَّ أَعظَمَ دَوَاءٍ لِتِلكَ القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ وَالنُّفُوسِ الخَوَّارَةِ ، أَن يَلحَظَ أَصحَابُهَا في كُلِّ وَقتٍ وَحِينٍ أَنَّهُم لَيسُوا الأَقَلَّ مِن غَيرِهِم نَصِيبًا وَلا الأَسوَأَ حَظًّا ، بَل ثَمَّةَ مَن هُوَ دُونَهُم في عَقلِهِ أَو مَالِهِ ، وَهُنَاكَ مَن هُوَ أَوضَعُ نَسَبًا وَأَقَلُّ شَرَفًا ، وَمَن هُوَ أَدنى جَاهًا أَو عِلمًا ، وَالدُّنيَا مَلِيئَةٌ بِالمُبتَلَينَ بِأَصنَافِ البَلاءِ في أَجسَادِهِم أَو دِينِهِم أَو خَلقِهِم أَو خُلُقِهِم ، في حِينِ أَنَّ آخَرِينَ يُوَازِنُونَ أَنفُسَهُم بِالأَغنِيَاءِ وَأَهلِ الجَاهِ ، فَيَزدَادُونَ غَمًّا وَهَمًّا ، وَلَو وَازَنُوهَا بِالفُقَرَاءِ وَالمَحرُومِينَ ، لَمَا وَسِعَتهُمُ الدُّنيَا مِنَ الفَرَحِ ، وَلَطَفَحَ بِهِمُ السُّرُورُ ، وَلأَكثَرُوا مِن شُكرِ رَبِّهِم وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ وَحَمدِهِ ، فَعُوفُوا وَسَلِمُوا مِنَ البَلاءِ .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، قَد يَظُنُّ بَعضُ النَّاسِ أَنَّ في هَذَا الحَدِيثِ تَحطِيمًا لِلطُّمُوحِ وَتَقيِيدًا لِلتَّفكِيرِ ، وَقَتلاً لِرُوحِ التَّنَافُسِ الشَّرِيفِ ، وَمَنعًا لِلنَّاسِ مِنَ التَّقَدُّمِ وَالازدِيَادِ مِنَ الخَيرِ ، وَلَيسَ الأَمرُ كَذَلِكَ ، وَمَا كَانَ الإِسلامُ لِيَأمُرَ أَتبَاعَهُ بِهَذَا وَلا يُقِرُّهُم عَلَيهِ ، إِذْ مَا هُوَ بِدِينِ رَهبَنَةٍ وَلا تَبَتُّلٍ تَامٍّ ، وَلا انقِطَاعٍ عَمَّا يَقُوتُ الإِنسَانَ وَيُقِيمُ أَوَدَهُ ، وَلا انصِرَافٍ عَمَّا يَضمَنُ لَهُ الحَيَاةَ الكَرِيمَةَ وَالعِيشَةَ النَّقِيَّةَ ، وَلَكِنَّ المَقصُوَدَ أَن يَتَّصِفَ المُسلِمُ بِالقَنَاعَةِ وَالرِّضَا ؛ لِيَهنَأَ بِحَيَاتِهِ وَيَصفُوَ لَهُ عَيشُهُ ، وَلا يَكُونَ كَحَالِ مَن شَغَلُوا أَنفُسَهُم بِمُطَارَدَةِ الآخَرِينَ وَالنَّظَرِ إِلى مَا أُوتُوا ، ظَانِّينَ أَنَّهُم بِذَلِكَ يَدفَعُونَ أَنفُسَهُم لِلصُّعُودِ في مَرَاقي السَّعَادَةِ ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ مَن كَانَ هَذَا شَأنَهُ ، يَنظُرُ فِيمَا عِندَ فُلانٍ وَيَطمَعُ أَن يَكُونَ مِثلَ فُلانٍ ، وَيَتَطَلَّعُ إِلى مِثلِ مَالِ هَذَا ولا يَقنَعُ بِغَيرِ جَاهِ ذَاكَ ، فَلَن يُحَصِّلَ السَّعَادَةَ أَبَدًا ؛ لأَنَّ مَعنى ذَلِكَ أَنَّهُ لَن يَسعَدَ إِلاَّ إِذَا أَصبَحَ أَعلَى النَّاسِ في كُلِّ شَيءٍ ، وَهَذَا مِن أَبعَدِ المُحَالِ ؛ وَقَدِ اقتَضَت الحِكمَةُ الرَّبَّانِيَّة ُ في هَذَا الكَونِ ، أَنَّ مَن كَمُلَت لَهُ أَشيَاءُ قَصُرَت عَنهُ أَشيَاءُ ، وَمَن عَلا بِأُمُورٍ سَفُلَت بِهِ أُمُورٌ ، وَيَأبى اللهُ ـ تَعَالى ـ الكَمَالَ المُطلَقَ لأَحَدٍ مِن خَلقِهِ كَائِنًا مَن كَانَ ؛ وَمِن ثَمَّ كَانَتِ القَنَاعَةُ وَالرِّضَا مِن أَجَلِّ النِّعَمِ وَأَعظَمِ المِنَحِ الَّتي يُغبَطُ عَلَيهَا صَاحِبُهَا ، بَل هِيَ الفَلاحُ وَالنَّجَاةُ ، قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " قَد أَفلَحَ مَن أَسلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللهُ بما آتَاهُ " رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ .
وَإِذَا كَانَ بَعضُ السَّلَفِ قَد جَعَلَ أَعلَى مَنَازِلِ القَنَاعَةِ أَن يَقتَنِعَ المُسلِمُ بِالبُلغَةِ مِن دُنيَاهُ ، وَيَصرِفَ نَفسَهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِمَا سِوَاهُ ، ثم جَعَلَ أَوسَطَ حَالِ المُقتَنِعِ أَن تَنتَهِيَ بِهِ القَنَاعَةُ إِلى الكِفَايَةِ ، وَيَحذِفَ الفُضُولَ وَالزِّيَادَةَ ، ثم جَعَلَ أَدنى مَنَازِلِهَا أَن تَنتَهِيَ بِهِ القَنَاعَةُ إِلى الوُقُوفِ عَلَى مَا سَنَحَ ، فَلا يَكرَهُ مَا أَتَاهُ وَإِن كَانَ كَثِيرًا ، وَلا يَطلُبُ مَا تَعَذَّرَ وَإِن كَانَ يَسِيرًا . فَإِنَّنَا نَقُولُ لِلنَّاسِ : إِن لم تَتَّصِفُوا بِأَعلَى القَنَاعَةِ وَهُوَ الزُّهدُ في الدُّنيَا وَالتَّقَلُّلُ مِنهَا ، فَكُونُوا مِن أَهلِ الكِفَايَةِ تَرتَاحُوا وَتَسلَمُوا ، وَإِلاَّ فَمَا لَكُم عَنِ المَرتَبَةِ الثَّالِثَةِ ، الَّتي تُنَمُّونَ فِيهَا أَموَالَكُم وَتِجَارَاتِكُم ، وَتَضرِبُون في الأَرضِ طَلَبًا لِرِزقِ رَبِّكُم ، وَتَمشُونَ في مَنَاكِبِهَا سَعيًا فِيمَا يُصلِحُ شَأنَكُم ، وَلَكِنْ بِلا تَجَاوُزٍ لِحُدُودِ اللهِ ، وَلا تَخَوُّضٍ في مَالِ اللهِ ، وَلا تَحَاسُدٍ وَلا تَنَافُسٍ وَلا تَكَاثُرٍ ، وَلا تَسَخُّطٍ مِن مَرتَبَةٍ وَلا تَبَرُّمٍ مِن مِهنَةٍ ، وَلا اتِّصَافٍ بِالنِّفَاقِ وَإِذلالٍ لِلنُّفُوسِ لِغَيرِ اللهِ مِن أَجلِ مَنصِبٍ أَو جَاهٍ ، وَلا تَنَازُلٍ عَنِ المَبَادِئِ أَو تَميِيعٍ لِلثَّوَابِتِ رَغبَةً في المَالِ ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا لا يُقَرُّ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلى مَا مَتَّعنَا بِهِ أَزوَاجًا مِنهُم زَهرَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفتِنَهُم فِيهِ وَرِزقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبقَى . وَأْمُرْ أَهلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصطَبِرْ عَلَيهَا لَا نَسأَلُكَ رِزقًا نَحنُ نَرزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقوَى .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، مَا كَانَتِ القَنَاعَةُ لِتَمنَعَ مِن مُلكِ مَالٍ وَلو كَانَ وَفِيرًا ، وَلا مِن تَحصِيلِ جَاهٍ وَلَو كَانَ عَرِيضًا ، وَلَكِنَّهَا تَأبى أَن يَلِجَ حُبُّ الدُّنيَا قَلبَ المُسلِمِ فَيَملِكَ عَلَيهِ عَقلَهُ وَيَستَحوِذَ عَلَى تَفكِيرِهِ ، حَتى يَدفَعَهُ إِلى مَنعِ مَا عَلَيهِ مِن حُقُوقٍ أَو تَعَدِّي مَا يَردَعُهُ مِن حُدُودٍ ، أَوِ إِلى أَن يَتَكَاسَلَ عَن طَاعَةٍ أَو يُفَرِّطَ في فَرِيضَةٍ ، أَو يَرتَكِبَ مُحَرَّمًا أَو يَستَسهِلَ مَكرُوهًا ، أَلا فَاتَّقُوا اللهَ وَالزَمُوا القَنَاعَةَ ، وَاتَّخِذُوهَا سِلاحًا وَاجعَلُوهَا لِلسَّعَادَةِ مِفتَاحًا ، واملَؤُوا بها قُلُوبَكُم تَرتَاحُوا ، وَيَحصُلْ لَكُمُ الأَمنُ وَالطُّمَأنِينَ ةُ في الدُّنيَا ، وَالفَوزَ وَالفَلاحَ في الأُخرَى ، " يَا قَومِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ . مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجزَى إِلَّا مِثلَهَا وَمَن عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ يُرزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسَابٍ "
الخطبة الثانية :
أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ حَقَّ التَّقوَى ، وَتَمَسَّكُوا مِنَ الإِسلامِ بِالعُروَةِ الوُثقَى .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، لَقَد ضَمِنَ اللهُ لَكُم أَرزَاقَكُم بِقُدرَتِهِ ، وَقَسَمَهَا بَينَكُم بِحِكَمَتِهِ ، وَلَن يَسُوقَ مَا لم يُقَدَّرْ مِنهَا حِرصُ حَرِيصٍ ، وَلَن يَرُدَّ مَا قُدِّرَ كَرَاهَةُ كَارِهٍ ، وَلَكِنَّ مَن قَنِعَ طَابَ عَيشُهُ ، وَمَن طَمِعَ طَالَ طَيشُهُ ، وَلا يَزَالُ الرَّجُلُ كَرِيمًا عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ ، يُحِبُّونَهُ وَيُكرِمُونَهُ وَيُجِلُّونَهُ ، مَا لم يَتَطَلَّعْ إِلى مَا في أَيدِيهِم وَيُنَافِسْهُم عَلَى مَا عِندَهُم ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ استَخَفُّوا بِهِ وَكَرِهُوهُ وَأَبغَضُوهُ ، وَصَدَقَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ حَيثُ قَالَ : " مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم ، وَلَكِنْ أَخشَى أَن تُبسَطَ عَلَيكُمُ الدُّنيَا كَمَا بُسِطَت عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا ، وَتُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَتهُم " رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ .
وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " اِزهَدْ في الدُّنيَا يُحِبَّكَ اللهُ ، وَازهَدْ فِيمَا عِندَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ " رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ المُؤمِنَ القَانِعَ في نَعِيمٍ وَرَاحَةٍ ، إِن تَجَدَّدَت لَهُ نِعمَةٌ أَو رَبِحَ شَكَرَ ، وَإِن أُخِذَت مِنهُ أُخرَى أَو خَسِرَ صَبَرَ ؛ يَعلَمُ أَنَّهُ مَهمَا حَصَّلَ مِن زَهرَةِ الدُّنيَا ، فَإِنَّ ثَمَّةَ مَن هُوَ أَفضَلُ مِنهُ في شَيءٍ ، وَمَهمَا فَاتَهُ مِن حُطَامِهَا ، فَإِنَّ هُنَالِكَ مَن هُوَ أَقَلُّ مِنهُ في أَشيَاءٍ ؛ وَإِذَا كَانَ الفَقرُ قَد عَضَّهُ فَقَد أَكَلَ غَيرَهُ ، وَإِذَا كَانَتِ المِحَنُ قَد أَضعَفَتهُ فَقَد أَقعَدَت مَن سِوَاهُ ، أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَإِذَا تَاقَت إِلى مَا عِندَ غَيرِكُم نُفُوسُكُم ، وَارتَفَعَت إِلى مَن هُوَ فَوقَكُم رُؤُوسُكُم ، فَاخفِضُوهَا وَلَو مَرَّةً لِتُبصِرُوا مَن هُوَ تَحتَكُم ، وَتَطَامَنُوا لِتَعرِفُوا مَوَاقِعَ أَقدَامِكُم ، قَبلَ أَن تُفجَؤُوا بِانقِضَاءِ الأَجَلِ وَانقِطَاعِ الأَمَلِ ، فَيُسَوِّيَ المَوتُ بَينَ غَنِيِّكِم وَفَقِيرِكِم ، وَيُلحِقَ مَالِكَكُم بِأَجِيرِكِم ، ثم لا يُفَرِّقَ دُودُ الأَرضِ بَينَ صُعلُوكٍ مِنكُم وَلا أَمِيرٍ ، وَلا بَينَ كَبِيرٍ وَلا صَغِيرٍ ، وَ" أَكثِرُوا ذِكرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ المَوتَ ؛ فَإِنَّهُ لم يَذكُرْهُ أَحَدٌ في ضِيقٍ مِنَ العَيشِ إِلاَّ وَسَّعَهُ عَلَيهِ ، وَلا ذَكَرَهُ في سَعَةٍ إِلاَّ ضَيَّقَهَا عَلَيهِ " وَقَبلَ ذَلِكَ وَبَعدَهُ ، لِتَكُونُوا عَلَى ذِكرٍ مِمَّا رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهَا ـ قَالَت : مَا شَبِعَ آلُ محمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ مِن خُبزٍ وَشَعِيرٍ يَومَينِ مُتَتَابِعَينِ حَتى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ
وَرَوَى الشَّيخَانِ عَنهَا قَالَت : كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ مِن أَدَمٍ وَحَشوُهُ مِن لِيفٍ "
وَلا تَظُنُّوا أَنَّ ذَلِكَ مِنهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ كَانَ عَن قِلَّةٍ وَعَدَمٍ دَائِمَينِ ، لا وَاللهِ وَبِاللهِ وَتَاللهِ ، وَلَكِنْ لأَنَّهُ كَانَ أَزكَى النَّاسِ عَقلاً وَأَصلَحَهُم قَلبًا ، وَأَكمَلَهُم إِيمَانًا وَأَقوَاهُم يَقِينًا ، فَقَد صَارَ أَكثَرَهُم قَنَاعَةً بِالقَلِيلِ وَرِضًا بِاليَسِيرِ ، وَأَندَاهُم كَفًّا وَأَسخَاهُم نَفسًا ، حَتى كَانَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ يُفَرِّقُ المَالَ العَظِيمَ عَلَى طَالِبِيهِ وَيُعطِيهِ سَائِلِيهِ ، ثم يَبِيتُ طَاوِيًا ثِقَةً فِيمَا عِندَ اللهِ مِن عَاجِلِ الرِّزقِ في الدُّنيَا وَآجِلِ الأَجرِ في الآخِرَةِ .
</b></i>