20-01-2012, 01:42 AM
|
| |
رد: خطب الشيخ عبدالله البصري حمر النعم وكفر النعم 26 / 2 / 1433 الخطبة الأولى : أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجعَلْ لَكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ " أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، ممَّا جَاءَ في القُرآنِ الدَّعوَةُ إِلَيهِ وَالحَضُّ عَلَيهِ ، تَدَبُّرُ الإِنسَانِ فِيمَا حَولَهُ ممَّا أَبدَعَهُ خَالِقُهُ وَفَطَرَهُ مَولاهُ ، وَتَفَكُّرُهُ في خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَينَهُمَا ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " أَوَلم يَنظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيءٍ " وَقَالَ ـ تَعَالى ـ : " أَوَلم يَرَوا إِلى مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للهِ وَهُم دَاخِرُونَ " وَقَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ : " أَوَلم يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ كَانَتَا رَتقًا فَفَتَقنَاهُمَا وَجَعَلنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤمِنُونَ . وَجَعَلنَا في الأَرضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِم وَجَعَلنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً لَعَلَّهُم يَهتَدُونَ . وَجَعَلنَا السَّمَاءَ سَقفًا مَحفُوظًا وَهُم عَن آيَاتِهَا مُعرِضُونَ . وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسبَحُونَ " وَقَالَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ : " أَوَلم يَرَوا إِلى الأَرضِ كَم أَنبَتنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوجٍ كَرِيمٍ . إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكثَرُهُم مُؤمِنِينَ " وَقَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " أَوَلم يَرَوا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلى الأَرضِ الجُرُزِ فَنُخرِجُ بِهِ زَرعًا تَأكُلُ مِنهُ أَنعَامُهُم وَأَنفُسُهُم أَفَلا يُبصِرُونَ " وَإِنَّ مِن أَخَصِّ مَا أُمِرَ الإِنسَانُ بِالتَّفَكُّرِ فِيهِ لِمُخَالَطَتِهِ إِيَّاهُ وَانتِفَاعِهِ بِهِ وَمِنهُ ، الأَنعَامَ الَّتي سَخَّرَهَا لَهُ المَولى ـ سُبحَانَهُ ـ وَذَلَّلَهَا وَمَلَّكَهُ إِيَّاهَا ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " أَوَلم يَرَوا أَنَّا خَلَقنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَت أَيدِينَا أَنعَامًا فَهُم لَهَا مَالِكُونَ . وَذَلَّلنَاهَا لَهُم فَمِنهَا رَكُوبُهُم وَمِنهَا يَأكُلُونَ . وَلَهُم فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشكُرُونَ " وَقَالَ ـ تَعَالى ـ : " أَلم يَرَوا إِلى الطَّيرِ مُسَخَّرَاتٍ في جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَومٍ يُؤمِنُونَ . وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِن بُيُوتِكُم سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِن جُلُودِ الأَنعَامِ بُيُوتًا تَستَخِفُّونَهَ ا يَومَ ظَعنِكُم وَيَومَ إِقَامَتِكُم وَمِن أَصوَافِهَا وَأَوبَارِهَا وَأَشعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلى حِينٍ . وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُم مِنَ الجِبَالِ أَكنَانًا وَجَعَلَ لَكُم سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأسَكُم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكُم لَعَلَّكُم تُسلِمُونَ . فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيكَ البَلاغُ المُبِينُ . يَعرِفُونَ نِعمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكثَرُهُمُ الكَافِرُونَ " وَإِنَّ مِن أَحَبِّ الأَنعَامِ إِلى العَرَبِ وَأَغلاهَا عِندَهُم ثَمَنًا ، وَأَجَلِّهَا في نُفُوسِهِم مَكَانَةً وَأَرفَعِهَا قَدرًا ، مَخلُوقًا عَجِيبًا أَلِفُوهُ وَأَحَبُّوهُ ، وَاقتَنَوهُ وَأَكرَمُوهُ ، وَأَطعَمُوهُ وَسَقَوهُ وَحَمَوهُ ، بَل وَتَفَاخَرُوا بِهِ وَتَقَاتَلُوا لأَجلِهِ وَتَنَاهَبُوهُ ، إِنَّهَا الإِبِلُ ، تِلكُمُ المَخلُوقَاتُ العَجِيبَةُ الغَرِيبَةُ ، الَّتي حَضَّ الخَالِقُ ـ سُبحَانَهُ ـ عِبَادَهُ عَلَى التَّأَمُّلِ في خَلقِهَا ، حَيثُ قَالَ ـ تَعَالى ـ في آيَاتٍ كَثِيرًا مَا نَسمَعُهَا : " أَفَلا يَنظُرُونَ إِلى الإِبِلِ كَيفَ خُلِقَت . وَإِلى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَت . وَإِلى الجِبَالِ كَيفَ نُصِبَت . وَإِلى الأَرضِ كَيفَ سُطِحَت " لم تُخلَقِ الإِبِلُ قَبلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ كَمَا قَد يَدَّعِي بَعضُ مُحِبِّيهَا أَو يَظُنُّونَ ، وَلَكِنَّهَا كَانَت بهم أَلصَقَ وَإِلى نُفُوسِهِم أَقرَبَ ، وَأَعيُنُهُم إِلَيهَا في كُلِّ وَقتٍ تَنظُرُ وَتَتَأَمَّلُ ، وَهُم حَولَهَا وَمَعَهَا يَغدُونَ وَيَرُوحُونَ ، لا يَستَغنُونَ عَنهَا في صُبحٍ وَمَسَاءٍ ، وَمِن ثَمَّ فَقَد أُمِرُوا بِالتَّفَكُّرِ فِيهَا وَتَأَمُّلِ خَلقِهَا ؛ لِئَلاَّ تُنسِيَهُم كَثرَةُ تَعَامُلِهِم مَعَهَا مَا أَودَعَهُ اللهُ في خَلقِهَا مِن أَسرَارٍ وَآيَاتٍ ، أَو يَغفُلُوا عَن كَبِيرِ إِنعَامِهِ عَلَيهِم بِتَسخِيرِهَا . وَإِنَّمَا دَعَاهُم ـ سُبحَانَهُ ـ إِلى ذَلِكَ ؛ لِيَكُونَ نَظَرُهُم إِلَيهَا وَتَأَمُّلُهُم عَجِيبَ صُنعِهِ فِيهَا مَدخَلاً إِلى الإِيمَانِ الخَالِصِ بِعَظِيمِ قُدرَتِهِ ـ تَعَالى ـ وَبَدِيعِ صُنعِهِ ، وَأَنَّهُ رَبُّ العَالمِينَ المُستَحِقُّ لِلعِبَادَةِ ، جَزَاءَ مَا أَنعَمَ بِهِ عَلَيهِم مِن نِعَمٍ عَظِيمَةٍ ، وَمَا شَمِلَهُم بِهِ مِن آلاءٍ جَسِيمَةٍ ، مِن أَخَصِّهَا وَأَقرَبِهَا إِلَيهِم هَذِهِ الإِبِلُ ، ذَاتُ الخَلقِ العَجِيبِ وَالتَّركِيبِ الغَرِيب ، وَالبَالِغَةُ الغَايَةَ في القُوَّةِ وَالنِّهَايَةَ في الشِّدَّةِ ، وَمَعَ هَذَا سَخَّرَهَا القَادِرُ ـ سُبحَانَهُ ـ لهم وَمَلَّكَهُم قِيَادَهَا ، فَلَيَّنَهَا لِلحِملِ الثَّقِيلِ ، وَذَلَّلَهَا لِتَنقَادَ لِلقَائِدِ الضَّعِيفِ ، وَأَحَلَّ أَكلَ لَحمِهَا وَشُربَ لَبَنِهَا ، وَالانتِفَاعَ بِوَبَرِهَا وَجُلُودِهَا ، فَعَلَيهَا يَحمِلُونَ أَثقَالَهُم وَأَمتِعَتَهُم ، وَمِن لُحُومِهَا يَأكُلُونَ وَمِن أَلبَانِهَا يَشرَبُونَ ، وَمِن بَعرِهَا يُوقِدُونَ وَبِأَبوَالِهَا يَستَشفُونَ ، وَبِجُلُودِهَا وَوَبرِها يَستَمتِعُونَ وَيَستَتِرُونَ ، وَلَهُم فِيهَا عِزٌّ وَجَمَالٌ وَقُوَّةٌ وَغِنىً ، وَلَهُم فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَعَلَيهَا وَعَلَى الفُلكِ يُحمَلُونَ ، قَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ : " وَالأَنعَامَ خَلَقَهَا لَكُم فِيهَا دِفءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنهَا تَأكُلُونَ . وَلَكُم فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسرَحُونَ . وَتَحمِلُ أَثقَالَكُم إِلى بَلَدٍ لم تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُم لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ . وَالخَيلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَركَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخلُقُ مَا لا تَعلَمُونَ . وَعَلَى اللهِ قَصدُ السَّبِيلِ وَمِنهَا جَائِرٌ وَلَو شَاءَ لَهَدَاكُم أَجمَعِينَ " وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ : " الإِبِلُ عِزٌّ لأَهلِهَا ، وَالغَنَمُ بَرَكَةٌ ، وَالخَيرُ مَعقُودٌ في نَوَاصِي الخَيلِ إِلى يَومِ القِيَامَةِ " أَخرَجَهُ ابنُ مَاجَه وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ . عِبَادَ اللهِ ، يَكفِي الإِبِلَ فَضلاً وَشَرَفًا ، أَنَّ اللهَ ـ تَعَالى ـ جَعَلَهَا خَيرَ مَا يُهدَى إِلى بَيتِهِ الحَرَامِ وَجَعَلَهَا مِن شَعَائِرِهِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَالبُدنَ جَعَلنَاهَا لَكُم مِن شَعَائِرِ اللهِ لَكُم فِيهَا خَيرٌ فَاذكُرُوا اسمَ اللهِ عَلَيهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَت جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنهَا وَأَطعِمُوا القَانِعَ وَالمُعتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُم لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ " أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَكُونُوا مِنَ النَّاظِرِينَ إِليهَا نَظرَ تَفَكُّرٍ وَاعتِبَارٍ ، وَلا تَكُونُوا مِنَ المُتَبَاهِينَ بها مِن أَهلِ الكِبرِ وَالفَخَارِ ، فَإِنَّ للهِ غَيرَهَا في الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتِ آيَاتٍ بَاهِرَاتٍ ، ، لَكِنَّ أَهلَ العُقُولِ الرَّاجِحَةِ الزَّاكِيَةِ هُمُ المُتَدَبِّرُون َ المُنتَفِعُونَ " إِنَّ في خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلاَفِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولي الأَلبَابِ . الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيَتَفَكَّرُون َ في خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلاً سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ . رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعنَا مُنَادِيًا يُنَادِي للإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُم فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبرَارِ . رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخزِنَا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخلِفُ المِيعَادَ " وَأَمَّا المُسرِفُونَ فَإِنَّهُم لا يَهتَدُونَ " وَكَأَيِّن مِن آيَةٍ في السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ يَمُرُّونَ عَلَيهَا وَهُم عَنهَا مُعرِضُونَ " وَتِلكَ نَتِيجَةُ الإِسرَافِ " إِنَّ اللهَ لا يَهدِي مَن هُوَ مُسرِفٌ كَذَّابٌ " أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ " إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَومِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيهِم وَآتَينَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصبَةِ أُولي القُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَومُهُ لا تَفرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ . وَابتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيَا وَأَحسِنْ كَمَا أَحسَنَ اللهُ إِلَيكَ وَلا تَبغِ الفَسَادَ في الأَرضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفسِدِينَ . قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلمٍ عِندِي أَوَلم يَعلَمْ أَنَّ اللهَ قَد أَهلَكَ مِن قَبلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هُوَ أَشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وَأَكثَرُ جَمعًا وَلا يُسأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المُجرِمُونَ . فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ في زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيتَ لَنَا مِثلَ مَا أُوتيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ وَيلَكُم ثَوَابُ اللهِ خَيرٌ لِمَن آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ . فَخَسَفنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ . وَأَصبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوا مَكَانَهُ بِالأَمسِ يَقُولُونَ وَيكَأَنَّ اللهَ يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَيَقدِرُ لَولا أَن مَنَّ اللهُ عَلَينَا لَخَسَفَ بِنَا وَيكَأَنَّهُ لا يُفلِحُ الكَافِرُونَ . تِلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرضِ وَلا فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ " الخطبة الثانية : أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ ، وَاعلَمُوا أَنَّكُم مُلاقُوهُ فَاذكُروهُ وَاشكُرُوهُ وَلا تَكفُرُوهُ . أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، لَيسَ العَجَبُ مِن حُبِّ العَرَبِ لِلإِبِلِ ، فَهُوَ نِتَاجُ عِلاقَةٍ فِطرِيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ ، أَنبَتَتهَا الحَاجَاتُ وَدَعَت إِلَيهَا الضَّرُورَاتُ ، وَأَحكَمَتهَا الأَيَّامُ وَالسَّنَوَاتُ ، وَأَورَثَهَا الأَجدَادُ لِلآبَاءِ وَغُذِّيَ عَلَيهَا الأَحفَادُ وَالأَبنَاءُ ، حَتى جَعَلَ أَحَدُهُم يُطعِمُ ذَودَهُ كَمَا يَغذُو وَلَدَهُ ، بَل وَيُعطِي مِن وَقتِهِ لِرَعيِ نَعَمِهِ وَالاعتِنَاءِ بها مَا لا يُعطِيهِ أَهلَهُ وَمَن تَحتَ يَدِهِ ، لَكِنَّ هَذَا لَيسَ بِغَرِيبٍ وَلا مُستَنكَرًا ، وَلَكِنَّ المُستَنكَرَ حَقًّا أَن يَنسَاقَ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ اليَومَ وَرَاءَ مَا تُملِيهِ عَلَيهِم دَوَاعِي أَنفُسِهِم وَيَجرُوا خَلفَ نَزَوَاتِهَا ، وَيَستَسلِمُوا لِتَوهِيمَاتِ الشَّيَاطِينِ وَيَنقَادُوا لِنَزَغَاتِهَا ، وَتُؤُزَّهُمُ الجَاهِلِيَّاتُ أَزًّا فَتَطِيشَ أَحلامُهُم وَتَسفَهَ عُقُولُهُم ، وَتَعمَى بَصَائِرُهُم لِشَهوَةِ أَبصَارِهِم ، فَيَجعَلُوا مِن هَذَا المَخلُوقِ الَّذِي جَمَّلَهُ اللهُ وَأَمَرَهُم بِالنَّظَرِ إِلَيهِ لِلاعتِبَارِ ، مَجَالاً لِلتَّبَاهِي وَالافتِخَارِ ، وَيُغَالُوا في ثَمَنِهِ حَتى يُجَاوِزُوا بِهِ آلافَ الآلافِ ، ثم يُحِيطُوا كُلَّ ذَلِكَ بِاجتِمَاعَاتٍ وَاحتِفَالاتٍ ، وَيُقِيمُوا عَلَيهَا خِيَامًا وَسُرَادِقَاتٍ ، تَبرُزُ فِيهَا دَوَاعِي الكِبرِ وَالأَشَرِ ، وَيَظهَرُ فِيهَا التَّعَالي وَالبَطَرُ ، وَيَغِيبُ عَنهَا مُنَادِي التَّقوَى وَالإِيمَانِ وَدَاعِي شُكرِ الرَّحمَنِ ، فَتُذبَحُ المِئَاتُ مِنَ النَّعَمِ وَالغَنَمِ ، لِيُقَالَ فُلانٌ كَرِيمٌ أَو جَوَادٌ ، وَاللهُ يَعلَمُ أَنَّهُ قَد لا يَكُونُ عَرَفَ الكَرَمَ في حِيَاتِهِ وَلا مَشَى في الجُودِ يَومًا وَلا سَمَحَت بِهِ نَفسُهُ ، وَإِلاَّ لأَنفَقَ ممَّا رَزَقَهُ اللهُ فِيمَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرضَاهُ ، وَلَتَحَرَّى سُبُلَ الخَيرِ وَأَبوَابَ المَعرُوفِ ، وَلَبَحَثَ عَنِ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالمُحتَاجِينَ ، وَلَتَجَافى عَن إِخوَانِ الشَّيَاطِينِ مِنَ المُبَذِّرِينَ المُسرِفِينَ ، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِن هَؤُلاءِ يَمُرُّونَ عَلَى مَشرُوعَاتِ الخَيرِ مُصبِحِينَ وَبِاللَّيلِ ، وَيَرَونَ حَولَهُم مَن يَتَقَلَّبُونَ في الفَقرِ وَالمَسكَنَةِ ، وَتُمَدُّ إِلَيهِم أَيدٍ تَستَجدِي وَتَستَعطِي ، فَلا يَهُونُ عَلَى أَحَدِهِم أَن يُنفِقَ قَلِيلاً لِوَجهِ اللهِ ، فَإِذَا مَا دَعَاهُ دَاعِي الهَوَى وَأَحَاطَ بِهِ المُفَاخِرُونَ ، عَمَدَ إِلى نِعَمِ اللهِ يُبَدِّدُهَا وَيَعِيثُ فِيهَا فَسَادًا " وَاللهُ لا يُحِبُّ المُفسِدِينَ " وَمِن ثَمَّ فَلا عَجَبَ أَلاَّ تَجنيَ الأُمَّةُ بِسَبَبِ هَذَا الطُّغيَانِ إِلاَّ غَلاءَ الأَسعَارِ وَقِلَّةَ الأَمطَارِ ، وَنَزعَ البَرَكَاتِ وَذَهَابَ الخَيرَاتِ ، فَنَسأَلُ اللهَ أَلاَّ يُؤَاخِذَنَا بما فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا . فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَالزَمُوا الشُّكرَ فَإِنَّهُ قَيدُ النِّعَمِ ، وَجَانِبُوا الإِسرَافَ فَإِنَّهُ جَالِبٌ لِلنِّقَمِ ، وَاحذَرُوا الفَخرَ وَأَهلَهُ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلبَغيِ وَالظُّلمِ ، قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " إِنَّ اللهَ أَوحَى إِليَّ : أَن تَوَاضَعُوا حَتى لا يَفخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلا يَبغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ " رَوَاهُ مُسلِمٌ . وَإِذَا اقتَنَى النَّاسُ حُمْرَ النَّعَمِ وَتَبَاهَوا بها وَتَفَاخَرُوا ، فَاسمَعُوا إِلى شَيءٍ ممَّا هُوَ خَيرٌ مِن ذَلِكَ وَعُوا ، قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " لأَن يَهدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا ، خَيرٌ لَكَ مِن أَن يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ " مُتَّفَقٌ عَلَيهِ . وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يَغدُوَ كُلَّ يَومٍ إِلى بُطحَانَ أَوِ إِلى العَقِيقِ فَيَأتيَ مِنهُ بِنَاقَتَينِ كَومَاوَينِ زَهرَاوَينِ في غَيرِ إِثمٍ وَ لا قَطعِ رَحِمٍ ؟ فَلأَن يَغدُوَ أَحَدُكُم إِلى المَسجِدِ فَيَتَعَلَّمَ أَو يَقرَأَ آيتَينِ مِن كِتَابِ اللهِ خَيرٌ لَهُ مِن نَاقَتَينِ ، وَثَلاثٌ خَيرٌ لَهُ مِن ثَلاثٍ ، وَأَربَعٌ خَيرٌ لَهُ مِن أَربَعٍ وَمِن أَعدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ " رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ . وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " إِنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ زَادَكُم صَلاةً إِلى صَلاتِكُم هِيَ خَيرٌ لَكُم مِن حُمْرِ النَّعَمِ أَلا وَهِيَ الرَّكعَتَانِ قَبلَ الفَجرِ " رَوَاهُ البَيهَقِيُّ وَغَيرُهُ وَقَالَ الأَلبَانيُ : إِسنَادُهُ جَيِّدٌ . </b></i>
|