عرض مشاركة واحدة
#27 (permalink)  
قديم 26-02-2010, 07:09 PM
ناصرعبدالرحمن
.:: مراقب ::.
ناصرعبدالرحمن غير متواجد حالياً
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 787
 تاريخ التسجيل : 17-04-2007
 فترة الأقامة : 6996 يوم
 أخر زيارة : 06-10-2012 (01:31 PM)
 العمر : 47
 المشاركات : 2,069 [ + ]
 التقييم : 39340
 معدل التقييم : ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: خطب الشيخ عبدالله البصري



أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، في مِثلِ هَذَا اليَومِ ، في الثَّانيَ عَشَرَ مِن شَهرِ رَبِيعِ الأَوَّلِ ، مِنَ السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ ، وَبَعدَ أَن بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ وَنَصَحَ الأُمَّةَ وَكَشَفَ اللهُ بِهِ الغُمَّةَ ، بَعدَ أَن قَضَى ثَلاثًا وَعِشرِينَ سَنَةً في تَبلِيغِ رِسَالَةِ رَبِّهِ وَالجِهَادِ في سَبِيلِهِ وَهِدَايَةِ الخَلقِ لأَقوَمِ السُّبُلِ ، إِذْ ذَاكَ نَزَلَت بِالمُسلِمِينَ أَعظَمُ مُصِيبَةٍ وَحَلَّت بِهِم أَكبَرُ فَاجِعَةٍ ، إِذْ قُبِضَ مِن بَينِهِم خَيرُ البَشَرِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ وَارتَفَعَت رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ إِلى بَارِئِهَا ، لَقَد مَاتَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، مَاتَ أَمِينُ الوَحيِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ وَوَدَّعَ الدُّنيَا حِينَ استَكمَلَ أَجلَهُ وَأَكمَلَ مُهِمَّتَهُ ، وَكَانَ رَبُّهُ ـ تَعَالى ـ قَد أَنزَلَ عَلَيهِ في حَجَّةِ الوَدَاعِ قَولَهُ ـ سُبحَانَهُ ـ : " اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِينًا " وَحِينَ سَمِعَهَا عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ بَكَى وَقَالَ : لَيسَ بَعدَ الكَمَالِ إِلاَّ النَّقصُ ، وَنَزَلَت سُورَةُ النَّصرِ تُشعِرُهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ بِأَنَّهُ قَد فَرَغَ مِن مُهَمَّتِهِ في الدُّنيَا ، وَأَنَّهُ لاحِقٌ بِالرَّفِيقِ الأَعلَى لِيَجزِيَهُ رَبُّهُ الجَزَاءَ الأَوفى ، وَكَانَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قَد أَشَارَ إِلى اقتِرَابِ أَجَلِهِ بما أعلَمَهُ اللهُ ، فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ كَانَ يَقُولُ في حَجَّةِ الوَدَاعِ : " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم ؛ لَعَلِّي لا أَلقَاكُم بَعدَ عَامِي هَذَا " وَفي لَفظٍ : " فَإِني لا أَدرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعدَ حَجَّتي هَذِهِ " وَفي آخِرِ شَهرِ صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ ، خَرَجَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ إِلى البَقِيعِ مِن جَوفِ اللَّيلِ ، فَدَعَا لأَهلِ البَقِيعِ وَاستَغفَرَ لهم ، كَمَا دَعَا لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ كَالمُوَدِّعِ لهم . ثم أَخَذَتْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ حُمًّى شَدِيدَةٌ وَصُدَاعٌ شَدِيدٌ ، وَكَانَ يَطُوفُ عَلَى نَسَائِهِ وَقَد ثَقِلَ وَاشتَدَّ بِهِ المَرَضُ ، فَدَعَاهُنَّ وَاستَأذَنَهُنّ َ أَن يُمَرَّضَ في بَيتِ عَائِشَةَ فَأَذِنَّ لَهُ . وَمَعَ مَا كَانَ بِهِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ مِن شِدَّةِ المَرَضِ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَلَمَّا عَجزَ يَومًا عَنِ الخُرُوجِ قَالَ : " أَصَلَّى النَّاسُ ؟ " قِيلَ : لا ؛ هُم يَنتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : " ضَعُوا لي مَاءً في المِخضَبِ " فَفَعَلُوا فَاغتَسَلَ ، ثم ذَهَبَ لِيَنُوءَ ـ أَي : لِيَنهَضَ ـ فَأُغمِيَ عَلَيهِ ، ثم أَفَاقَ فَقَالَ : " أَصَلَّى النَّاسُ ؟ " قِيلَ : لا ؛ هُم يَنتَظِرُونَكَ ، فَاغتَسَلَ ثَانِيَةً ثم أُغمِيَ عَلَيهِ ، وَثَالِثَةً كَذَلِكَ ، وَفي كُلِّ مَرَّةٍ يَسأَلُ عَنِ الصَّلاةِ ، فَأَرسَلَ إِلى أَبي بَكرٍ أَن يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، فَصَلَّى بهم ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَيَّامًا ، ثم إِنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَجَدَ في نَفسِهِ خِفَّةً ، فَخَرَجَ يُهَادَى بَينَ رَجُلَينِ ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَومَأَ إِلَيهِ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ بِأَلاَّ يَتَأَخَّرَ ، وَأُجلِسَ إِلى جَنبِهِ وَأُتِمَّتِ الصَّلاةُ . وَفي الصَّحِيحَينِ عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَنحنُ في المَسجِدِ عَاصِبًا رَأسَهُ بِخِرقَةٍ ، فَقَعَدَ عَلَى المِنبرِ ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنى عَلَيهِ وَقَالَ : " إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبدًا بَينَ الدُّنيَا وَبَينَ مَا عِندَهُ ، فَاختَارَ مَا عِندَ اللهِ " فَبَكَى أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ وَقَالَ : فَدَينَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، فَقَالَ النَّبيُّ : " يَا أَبَا بَكرٍ ، لا تَبكِ ؛ إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكرٍ ، وَلَو كُنتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً مِن أُمَّتي لاتَّخَذتُ أَبَا بَكرٍ ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسلامِ وَمَوَدَّتُهُ ، لا يَبقَى في المَسجِدِ بَابٌ إِلاَّ سُدَّ إِلاَّ بَابَ أَبي بَكرٍ " وَفي الصَّحِيحَينِ عَنِ أَنسِ بنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَنَّ أَبَا بَكرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ كَان يُصَلِّي لهم في وَجَعِ النَّبيِّ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، حَتى إِذَا كَانَ يَومُ الاثنَينِ وَهُم صُفُوفٌ في الصَّلاةِ فَكَشَفَ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ سِترَ الحُجرَةِ يَنظُرُ إِلَينَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجهَهُ وَرَقَةُ مُصحَف ، ثم تَبَسَّمَ يَضحَكُ ، فَهَمَمنَا أَن نَفتَتِنَ مِنَ الفَرَحِ بِرُؤيَةِ النَّبيِّ ، فَنَكَصَ أَبُو بَكرٍ عَلَى عَقِبَيهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ خَارِجٌ إِلى الصَّلاةِ ، فَأَشَارَ إِلَينَا النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ أَن أَتِمُّوا صَلاتَكُم ، وَأَرخَى السِّترَ ، فَتُوُفِّيَ مِن يَومِهِ . وَقَد كَانَ فَرَحُهُم ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُم ـ ظَنًّا أَنَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ شُفِيَ ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّهَا نَظرَةُ الوَدَاعِ الأَخِيرَةُ . وَكَانَ يَقُولُ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : " يَا عَائِشَةُ ، مَا أَزَالُ أَجِِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلتُ بِخَيبَرَ ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدتُ انقِطَاعَ أَبهُرِي مِن ذَلِكَ السُّمِّ " وَهَكَذَا رُزِقَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ الشَّهَادَةَ بِسَبَبِ سُمِّ اليَهُودِ الخَوَنَةِ نَقَضَةِ العُهُودِ وَقَتَلَةِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِم مِنَ اللهِ مَا يَستَحِقُّونَ ، وَقَدِ اشتَدَّ الوَجَعُ عَلَيهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في مَرَضِهِ ذَلِكَ ، فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : دَخَلتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ يُوعَكُ ، فَحَسَستُهُ بِيَدِي فَقُلتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّكَ تُوعَكُ وَعكًا شَدِيدًا ! فَقَالَ : " أَجَلْ ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُم " قَالَ : فَقُلتُ : ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجرَينِ ؟ قَالَ : " أَجَلْ ، ذَلِكَ كَذَلِكَ ، مَا مِن مُسلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوكَةٌ فَمَا فَوقَهَا إِلاَّ كَفَّرَ اللهُ بها سَيِّئَاتِهِ وَحُطَّت عَنهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا " وَمَعَ مَا قَاسَاهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ مِنَ الشَّدَائِدِ وَمَا عَانَاهُ مِن آلامِ المَوتِ ، فَإِنَّهُ لم يَغفَلْ عَنِ التَّأكِيدِ عَلَى قَضِيَّةِ التَّوحِيدِ وَسَدِّ أَبوَابِ الشِّركِ ، فَعَن عَائِشَةَ وَابنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا ـ قَالا : لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ طَفِقَ يَطرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجهِهِ ، فَإِذَا اغتَمَّ كَشَفَهَا عَن وَجهِهِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ يَقُولُ : " لَعنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ " يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا . رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ . وَكَانَ آخِرَ مَا أَوصَى بِهِ وَكَرَّرَهُ مِرَارًا الصَّلاةُ ، فَفِي حَدِيثِ أَنسِ بنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : كَانَت عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ حِينَ حَضَرَهُ المَوتُ : " الصَّلاةَ الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَت أَيمَانُكُم ، الصَّلاةَ الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَت أَيمَانُكُم " حَتى جَعَلَ يُغَرغِرُ بها صَدرُهُ ، وَمَا يَكَادُ يَفِيضُ بها لِسَانُهُ . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ . وَصَدَقَ اللهُ : " لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ " وَفي الصَّحِيحَينِ أَيضًا أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ رَأَى السِّوَاكَ وَأَخَذَهُ وَاستَنَّ بِهِ أَحسَنَ مَا يَكُونُ استِنَانًا ، وَبَينَ يَدَيهِ رَكوَةٌ فِيهَا مَاءٌ ، فَجَعَلَ يُدخِلُ يَدَيهِ في المَاءِ ، فَيَمسَحُ بهما وَجهَهُ وَيَقُولُ : " لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، إِنَّ لِلمَوتِ سَكَرَاتٍ " ثم نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ في الرَّفِيقِ الأَعلَى " يُرَدِّدُهَا حَتى قُبِضَ وَمَالَت يَدُهُ . وَتَسَرَّبَ الخَبَرُ بَينَ الصَّحَابَةِ في لَحَظَاتٍ ، فَضَجُّوا بِالبُكَاءِ وَأَظلَمَت عَلَيهِمُ الدُّنيَا ، وَاشتَدَّتِ بِهِمُ الرَّزِيَّةُ وَعَظُمَ فِيهِمُ الخَطْبُ ، وَأَخَذُوا يَبكُونَ لا يَدرُونَ مَا يَصنَعُونَ ، وَحُقَّ لهم ذَلِكَ ؛ لَقَد غَابَ الرَّسُولُ المُصطَفَى وَمَاتَ الحَبِيبُ المُجتَبَى ، لَقَد افتَقَدُوا مُهجَةَ قُلُوبِهِم وَمَن كَانَ مِلءَ أَسمَاعِهِم وَأَبصَارِهِم ، وَلم يَكَادُوا يُصَدِّقُون خَبَرَ الوَفَاةِ وَلم يَستَوعِبْهُ بَعضُهُم لِعِظَمِ المُصِيبَةِ وَهَولِ الصَّدمَةِ ، حَتى كَانَ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ يُهَدِّدُ مَن يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَد مَاتَ . وَكَانَ أَبُو بَكرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَد خَرَجَ في الصَّبَاحِ إِلى مَنزِلِهِ بِالسُّنحِ في طَرَفِ المَدِينَةِ ، فَأَقبَلَ بِفَرَسِهِ سَرِيعًا حِينَ سَمِعَ الخَبَرَ ، فَنَزَلَ وَدَخَلَ المَسجِدَ ، وَلم يُكَلِّمْ أَحَدًا حَتى دَخَلَ الحُجرَةَ الشَّرِيفَةَ ، فَقَصَدَ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُردَةٍ حَبِرَةٍ ، ثم أَكَبَّ عَلَيهِ وَقَبَّلَهُ وَبَكَى ، ثم قَالَ : بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي ، طِبتَ حَيًّا وَمَيِّتًا . ثم خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ ، فَقَالَ : اُسكُتْ يَا عُمَرُ ، فَأَبى إِلاَّ أَن يَتَكَلَّمَ ، فَأَقبَلَ النَّاسُ إِلى أَبي بَكرٍ وَتَرَكُوا عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِينَ ـ فَحَمِدَ اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَثنى عَلَيهِ وَقَالَ : أَمَّا بَعدُ : فَمَن كَانَ مِنكُم يَعبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَد مَاتَ ، وَمَن كَانَ يَعبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ . وَتَلا قَولَ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ : " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلَى أَعقَابِكُم وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيئًا وَسَيَجزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ " قَالَ ابنُ عَبَّاسٍِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا ـ : وَاللهِ ، لَكَأَنَّ النَّاسَ لم يَعلَمُوا أَنَّ اللهَ أَنزَلَ هَذِهِ الآيَةَ حَتى تَلاهَا أَبُو بَكرٍ ، فَتَلَقَّاهَا مِنهُ النَّاسُ ، فَمَا أَسمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إِلاَّ يَتلُوهَا ، قَالَ عُمَرُ : وَاللهِ ، مَا هُوَ إِلاَّ أَن سَمِعتُ أَبَا بَكرٍ تَلاهَا فَعُقِرتُ حَتى مَا تُقِلُّني رِجلايَ ، وَحَتى أَهوَيتُ إِلى الأَرضِ ، حِينَ سَمِعتُهُ تَلاهَا عَلِمتُ أَنَّ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قَد مَاتَ . وَصَدَقَ اللهُ : " إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ " وَكَانَت وَفَاتُهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ في يَومِ الاثنَينِ الثَّانيَ عَشَرَ مِن رَبِيعِ الأَوَّلِ في السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشرَةَ مِنَ الهِجرَةِ ، وَقَد غُسِّلَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَعَلَيهِ ثِيَابُهُ وَلم يُجَرَّدْ كَرَامَةً لَهُ ، ثم دَخَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ عَلَيهِ أَفرَادًا ، ثم دُفِنَ في مَوضِعِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ لَيلَةَ الأَربِعَاءِ . عَن أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : لَمَّا كَانَ اليَومُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ النَّبيُّ المَدِينَةَ أَضَاءَ مِنهَا كُلُّ شَيءٍ ، فَلَمَّا كَانَ اليَومُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظلَمَ مِنهَا كُلُّ شَيءٍ ، وَمَا نَفَضنَا أَيدِيَنَا مِنَ التُّرَابِ وَإِنَّا لَفِي دَفنِهِ حَتى أَنكَرنَا قُلُوبَنَا . اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى محمدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ . اللُّهَمَّ ارزُقْنَا اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ وَاحشُرْنَا في زُمرَتِهِ ، وَاسقِنَا مِن حَوضِهِ شَربَةً هَنِيئَةً لا نَظمَأُ بَعدَهَا أَبَدًا .



أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، مَاتَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ كَمَا سَمِعتُم في الثَّانيَ عَشَرَ مِن رَبِيعِ الأَوَّلِ ، وَهُوَ اليَومُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ عِيدًا لِمَولِدِهِ ، غَافِلِينَ عَن أَنَّهُ لم يَثبُتْ مَولِدُهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ في هَذَا اليَومِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ هُوَ وَفَاتُهُ ، فَكَأَنَّهُم بِهَذَا يَحتَفِلُونَ بِيَومِ وَفَاتِهِ ، وَايمُ اللهِ لَقَد فَعَلُوا ذَلِكَ وَإِنْ لم يَشعُرُوا ، فَقَد أَمَاتُوا سُنَّتَهُ بِإِحيَاءِ هَذِهِ البِدعَةِ المُنكَرَةِ وَأَمثَالِهَا ، وَابتَعَدُوا عَن طَرِيقَتِهِ وَمَا عَرَفُوا مَحَبَّتَهُ ، وَإِلاَّ لَو أَحَبُّوهُ حَقَّ المَحَبَّةِ لاتَّبعُوا سُنَّتَهُ وَلاهتَدُوا بِهَديِهِ ، وَلَتَأَسَّوا بِهِ مُمتَثِلِينَ قَولَ رَبِّهِم ـ جَلَّ وَعَلا ـ : " لَقَد كَانَ لَكُم في رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرجُو اللهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا " وَقَولَهُ : " قُلْ إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحبِبْكُم اللهُ وَيَغفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُم وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " فَالمَحَبَّةُ تَقتَضِي الاتِّبَاعَ وَلَيسَ الإِحدَاثَ وَالابتِدَاعَ ، وَاتِّبَاعُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في أَقوَالِهِ وَأَفعَالِهِ أَحَدُ رَكَائِزِ دِينِ الإِسلامِ وَأَسَاسِيَّاتِ هِ ، بَلْ هُوَ مِن أَعظَمِ مُسَلَّمَاتِ الشَّرِيعَةِ وَالأُمُورِ المَعلُومَةِ مِنهَا بِالضَّرُورَةِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا " وَأَمَّا إِقَامَةُ الحَفَلاتِ الإِنشَادِيَّةِ المُختَلَطَةِ ، وَإِطرَابُ المَسَامِعِ بِالمَدَائِحِ النَّبَوِيَّةِ الشِّركِيَّةِ ، فَإِنَّمَا هُوَ نَوعٌ مِنَ الغُلُوِّ المَنهِيِّ عَنهُ ، فَقَد صَحَّ عَنهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ : " إِيَّاكُم وَالغُلُوَّ في الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُمُ الغُلُوُّ في الدِّينِ " وَقَالَ : " لا تُطرُوني كَمَا أَطرَتِ النَّصَارَى ابنَ مَريَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبدٌ ، فَقُولُوا : عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ " أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ . وَإِنَّ فِيمَا شَرَعَهُ اللهُ ـ تَعَالى ـ مِن تَعظِيمِ رَسُولِهِ وَوَسَائِلِ مَحَبَّتِهِ الشَّرعِيَّةِ ، إِنَّ فِيهَا مَا يُغني عَن كُلِّ وَسِيلَةٍ تُبتَدَعُ وَتُحدَثُ ، وَإِنَّنَا حِينَ نَتَكَلَّمُ عَن هَذِهِ البِدعَةِ مَعَ عَدَمِ حُدُوثِهَا في أَوسَاطِنَا وَللهِ الحَمدُ ، فَإِنَّمَا نَفعَلُ ذَلِكَ لِنُبَيِّنَ خَطَرَهَا وَنُحَذِّرَ مِنهَا فِئَامًا مِنَ المُسلِمِينَ تُقَامُ تِلكَ البِدعَةُ في بُلدَانِهِم ، وَخَوفًا مِن أَن يَغتَرَّ بها بَعضُ مَن لا عِلمَ عِندَهُ ، وَلا سِيَّمَا مَعَ هَذَا الانفِتَاحِ الإِعلامِيِّ عَبرَ القَنَوَاتِ وَالإِذَاعَاتِ وَالشَّبَكَاتِ ، وَالَّذِي أَصبَحَ الشِّركُ وَالبِدعَةُ يُعرَضُ مِن خِلالِهِ عَلَى المُسلِمِينَ صَبَاحَ مَسَاءَ ، لِذَلِكَ وَجَبَ التَّنَبُّهُ وَعَدَمُ الاغتِرَارِ بِانتِشَارِ البِدَعِ وَعَرضِهَا وَتَسوِيقِهَا مِن قِبَلِ بَعضِ المُغَرَّرِ بِهِم ، فَالحَقُّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ ، كَمَا أَنَّ عَلَينَا جَمِيعًا أَن نُحَصِّنَ أَنفُسَنَا وَبُيُوتَنَا وَمُجتَمَعَنَا مِن مِثلِ هَذِهِ البِدَعِ وَالمُحدَثَاتِ ، وَهُوَ مَا لا يَتِمُّ إِلاَّ بِتَعلِيمِهِم أُصُولَ الدِّينِ الحَنِيفِ ، وَالأَخذِ بِهِم في طَرِيقِ الهِدَايَةِ وَصَدِّهِم عَن سُبُلِ الغِوَايَةِ ، وَجَلبِ وَسَائِلِ الإِصلاحِ الَّتي تُفِيدُهُم في بُيُوتِهِم ، وَالحَذَرِ مِن وَسَائِلِ الفِتنَةِ وَالفَسَادِ .



 توقيع : ناصرعبدالرحمن

رد مع اقتباس