26-02-2010, 07:09 PM
|
| |
رد: خطب الشيخ عبدالله البصري أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، في مِثلِ هَذَا اليَومِ ، في الثَّانيَ عَشَرَ مِن شَهرِ رَبِيعِ الأَوَّلِ ، مِنَ السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ ، وَبَعدَ أَن بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ وَنَصَحَ الأُمَّةَ وَكَشَفَ اللهُ بِهِ الغُمَّةَ ، بَعدَ أَن قَضَى ثَلاثًا وَعِشرِينَ سَنَةً في تَبلِيغِ رِسَالَةِ رَبِّهِ وَالجِهَادِ في سَبِيلِهِ وَهِدَايَةِ الخَلقِ لأَقوَمِ السُّبُلِ ، إِذْ ذَاكَ نَزَلَت بِالمُسلِمِينَ أَعظَمُ مُصِيبَةٍ وَحَلَّت بِهِم أَكبَرُ فَاجِعَةٍ ، إِذْ قُبِضَ مِن بَينِهِم خَيرُ البَشَرِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ وَارتَفَعَت رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ إِلى بَارِئِهَا ، لَقَد مَاتَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، مَاتَ أَمِينُ الوَحيِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ وَوَدَّعَ الدُّنيَا حِينَ استَكمَلَ أَجلَهُ وَأَكمَلَ مُهِمَّتَهُ ، وَكَانَ رَبُّهُ ـ تَعَالى ـ قَد أَنزَلَ عَلَيهِ في حَجَّةِ الوَدَاعِ قَولَهُ ـ سُبحَانَهُ ـ : " اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِينًا " وَحِينَ سَمِعَهَا عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ بَكَى وَقَالَ : لَيسَ بَعدَ الكَمَالِ إِلاَّ النَّقصُ ، وَنَزَلَت سُورَةُ النَّصرِ تُشعِرُهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ بِأَنَّهُ قَد فَرَغَ مِن مُهَمَّتِهِ في الدُّنيَا ، وَأَنَّهُ لاحِقٌ بِالرَّفِيقِ الأَعلَى لِيَجزِيَهُ رَبُّهُ الجَزَاءَ الأَوفى ، وَكَانَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قَد أَشَارَ إِلى اقتِرَابِ أَجَلِهِ بما أعلَمَهُ اللهُ ، فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ كَانَ يَقُولُ في حَجَّةِ الوَدَاعِ : " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم ؛ لَعَلِّي لا أَلقَاكُم بَعدَ عَامِي هَذَا " وَفي لَفظٍ : " فَإِني لا أَدرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعدَ حَجَّتي هَذِهِ " وَفي آخِرِ شَهرِ صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ ، خَرَجَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ إِلى البَقِيعِ مِن جَوفِ اللَّيلِ ، فَدَعَا لأَهلِ البَقِيعِ وَاستَغفَرَ لهم ، كَمَا دَعَا لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ كَالمُوَدِّعِ لهم . ثم أَخَذَتْهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ حُمًّى شَدِيدَةٌ وَصُدَاعٌ شَدِيدٌ ، وَكَانَ يَطُوفُ عَلَى نَسَائِهِ وَقَد ثَقِلَ وَاشتَدَّ بِهِ المَرَضُ ، فَدَعَاهُنَّ وَاستَأذَنَهُنّ َ أَن يُمَرَّضَ في بَيتِ عَائِشَةَ فَأَذِنَّ لَهُ . وَمَعَ مَا كَانَ بِهِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ مِن شِدَّةِ المَرَضِ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَلَمَّا عَجزَ يَومًا عَنِ الخُرُوجِ قَالَ : " أَصَلَّى النَّاسُ ؟ " قِيلَ : لا ؛ هُم يَنتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : " ضَعُوا لي مَاءً في المِخضَبِ " فَفَعَلُوا فَاغتَسَلَ ، ثم ذَهَبَ لِيَنُوءَ ـ أَي : لِيَنهَضَ ـ فَأُغمِيَ عَلَيهِ ، ثم أَفَاقَ فَقَالَ : " أَصَلَّى النَّاسُ ؟ " قِيلَ : لا ؛ هُم يَنتَظِرُونَكَ ، فَاغتَسَلَ ثَانِيَةً ثم أُغمِيَ عَلَيهِ ، وَثَالِثَةً كَذَلِكَ ، وَفي كُلِّ مَرَّةٍ يَسأَلُ عَنِ الصَّلاةِ ، فَأَرسَلَ إِلى أَبي بَكرٍ أَن يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، فَصَلَّى بهم ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَيَّامًا ، ثم إِنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَجَدَ في نَفسِهِ خِفَّةً ، فَخَرَجَ يُهَادَى بَينَ رَجُلَينِ ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَومَأَ إِلَيهِ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ بِأَلاَّ يَتَأَخَّرَ ، وَأُجلِسَ إِلى جَنبِهِ وَأُتِمَّتِ الصَّلاةُ . وَفي الصَّحِيحَينِ عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَنحنُ في المَسجِدِ عَاصِبًا رَأسَهُ بِخِرقَةٍ ، فَقَعَدَ عَلَى المِنبرِ ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنى عَلَيهِ وَقَالَ : " إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبدًا بَينَ الدُّنيَا وَبَينَ مَا عِندَهُ ، فَاختَارَ مَا عِندَ اللهِ " فَبَكَى أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ وَقَالَ : فَدَينَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، فَقَالَ النَّبيُّ : " يَا أَبَا بَكرٍ ، لا تَبكِ ؛ إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكرٍ ، وَلَو كُنتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً مِن أُمَّتي لاتَّخَذتُ أَبَا بَكرٍ ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسلامِ وَمَوَدَّتُهُ ، لا يَبقَى في المَسجِدِ بَابٌ إِلاَّ سُدَّ إِلاَّ بَابَ أَبي بَكرٍ " وَفي الصَّحِيحَينِ عَنِ أَنسِ بنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَنَّ أَبَا بَكرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ كَان يُصَلِّي لهم في وَجَعِ النَّبيِّ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، حَتى إِذَا كَانَ يَومُ الاثنَينِ وَهُم صُفُوفٌ في الصَّلاةِ فَكَشَفَ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ سِترَ الحُجرَةِ يَنظُرُ إِلَينَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجهَهُ وَرَقَةُ مُصحَف ، ثم تَبَسَّمَ يَضحَكُ ، فَهَمَمنَا أَن نَفتَتِنَ مِنَ الفَرَحِ بِرُؤيَةِ النَّبيِّ ، فَنَكَصَ أَبُو بَكرٍ عَلَى عَقِبَيهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ خَارِجٌ إِلى الصَّلاةِ ، فَأَشَارَ إِلَينَا النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ أَن أَتِمُّوا صَلاتَكُم ، وَأَرخَى السِّترَ ، فَتُوُفِّيَ مِن يَومِهِ . وَقَد كَانَ فَرَحُهُم ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُم ـ ظَنًّا أَنَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ شُفِيَ ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّهَا نَظرَةُ الوَدَاعِ الأَخِيرَةُ . وَكَانَ يَقُولُ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : " يَا عَائِشَةُ ، مَا أَزَالُ أَجِِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلتُ بِخَيبَرَ ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدتُ انقِطَاعَ أَبهُرِي مِن ذَلِكَ السُّمِّ " وَهَكَذَا رُزِقَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ الشَّهَادَةَ بِسَبَبِ سُمِّ اليَهُودِ الخَوَنَةِ نَقَضَةِ العُهُودِ وَقَتَلَةِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِم مِنَ اللهِ مَا يَستَحِقُّونَ ، وَقَدِ اشتَدَّ الوَجَعُ عَلَيهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في مَرَضِهِ ذَلِكَ ، فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : دَخَلتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ يُوعَكُ ، فَحَسَستُهُ بِيَدِي فَقُلتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّكَ تُوعَكُ وَعكًا شَدِيدًا ! فَقَالَ : " أَجَلْ ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُم " قَالَ : فَقُلتُ : ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجرَينِ ؟ قَالَ : " أَجَلْ ، ذَلِكَ كَذَلِكَ ، مَا مِن مُسلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوكَةٌ فَمَا فَوقَهَا إِلاَّ كَفَّرَ اللهُ بها سَيِّئَاتِهِ وَحُطَّت عَنهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا " وَمَعَ مَا قَاسَاهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ مِنَ الشَّدَائِدِ وَمَا عَانَاهُ مِن آلامِ المَوتِ ، فَإِنَّهُ لم يَغفَلْ عَنِ التَّأكِيدِ عَلَى قَضِيَّةِ التَّوحِيدِ وَسَدِّ أَبوَابِ الشِّركِ ، فَعَن عَائِشَةَ وَابنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا ـ قَالا : لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ طَفِقَ يَطرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجهِهِ ، فَإِذَا اغتَمَّ كَشَفَهَا عَن وَجهِهِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ يَقُولُ : " لَعنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ " يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا . رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ . وَكَانَ آخِرَ مَا أَوصَى بِهِ وَكَرَّرَهُ مِرَارًا الصَّلاةُ ، فَفِي حَدِيثِ أَنسِ بنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : كَانَت عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ حِينَ حَضَرَهُ المَوتُ : " الصَّلاةَ الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَت أَيمَانُكُم ، الصَّلاةَ الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَت أَيمَانُكُم " حَتى جَعَلَ يُغَرغِرُ بها صَدرُهُ ، وَمَا يَكَادُ يَفِيضُ بها لِسَانُهُ . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ . وَصَدَقَ اللهُ : " لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ " وَفي الصَّحِيحَينِ أَيضًا أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ رَأَى السِّوَاكَ وَأَخَذَهُ وَاستَنَّ بِهِ أَحسَنَ مَا يَكُونُ استِنَانًا ، وَبَينَ يَدَيهِ رَكوَةٌ فِيهَا مَاءٌ ، فَجَعَلَ يُدخِلُ يَدَيهِ في المَاءِ ، فَيَمسَحُ بهما وَجهَهُ وَيَقُولُ : " لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، إِنَّ لِلمَوتِ سَكَرَاتٍ " ثم نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ في الرَّفِيقِ الأَعلَى " يُرَدِّدُهَا حَتى قُبِضَ وَمَالَت يَدُهُ . وَتَسَرَّبَ الخَبَرُ بَينَ الصَّحَابَةِ في لَحَظَاتٍ ، فَضَجُّوا بِالبُكَاءِ وَأَظلَمَت عَلَيهِمُ الدُّنيَا ، وَاشتَدَّتِ بِهِمُ الرَّزِيَّةُ وَعَظُمَ فِيهِمُ الخَطْبُ ، وَأَخَذُوا يَبكُونَ لا يَدرُونَ مَا يَصنَعُونَ ، وَحُقَّ لهم ذَلِكَ ؛ لَقَد غَابَ الرَّسُولُ المُصطَفَى وَمَاتَ الحَبِيبُ المُجتَبَى ، لَقَد افتَقَدُوا مُهجَةَ قُلُوبِهِم وَمَن كَانَ مِلءَ أَسمَاعِهِم وَأَبصَارِهِم ، وَلم يَكَادُوا يُصَدِّقُون خَبَرَ الوَفَاةِ وَلم يَستَوعِبْهُ بَعضُهُم لِعِظَمِ المُصِيبَةِ وَهَولِ الصَّدمَةِ ، حَتى كَانَ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ يُهَدِّدُ مَن يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ قَد مَاتَ . وَكَانَ أَبُو بَكرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَد خَرَجَ في الصَّبَاحِ إِلى مَنزِلِهِ بِالسُّنحِ في طَرَفِ المَدِينَةِ ، فَأَقبَلَ بِفَرَسِهِ سَرِيعًا حِينَ سَمِعَ الخَبَرَ ، فَنَزَلَ وَدَخَلَ المَسجِدَ ، وَلم يُكَلِّمْ أَحَدًا حَتى دَخَلَ الحُجرَةَ الشَّرِيفَةَ ، فَقَصَدَ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُردَةٍ حَبِرَةٍ ، ثم أَكَبَّ عَلَيهِ وَقَبَّلَهُ وَبَكَى ، ثم قَالَ : بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي ، طِبتَ حَيًّا وَمَيِّتًا . ثم خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ ، فَقَالَ : اُسكُتْ يَا عُمَرُ ، فَأَبى إِلاَّ أَن يَتَكَلَّمَ ، فَأَقبَلَ النَّاسُ إِلى أَبي بَكرٍ وَتَرَكُوا عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِينَ ـ فَحَمِدَ اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَثنى عَلَيهِ وَقَالَ : أَمَّا بَعدُ : فَمَن كَانَ مِنكُم يَعبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَد مَاتَ ، وَمَن كَانَ يَعبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ . وَتَلا قَولَ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ : " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلَى أَعقَابِكُم وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيئًا وَسَيَجزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ " قَالَ ابنُ عَبَّاسٍِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا ـ : وَاللهِ ، لَكَأَنَّ النَّاسَ لم يَعلَمُوا أَنَّ اللهَ أَنزَلَ هَذِهِ الآيَةَ حَتى تَلاهَا أَبُو بَكرٍ ، فَتَلَقَّاهَا مِنهُ النَّاسُ ، فَمَا أَسمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إِلاَّ يَتلُوهَا ، قَالَ عُمَرُ : وَاللهِ ، مَا هُوَ إِلاَّ أَن سَمِعتُ أَبَا بَكرٍ تَلاهَا فَعُقِرتُ حَتى مَا تُقِلُّني رِجلايَ ، وَحَتى أَهوَيتُ إِلى الأَرضِ ، حِينَ سَمِعتُهُ تَلاهَا عَلِمتُ أَنَّ النَّبيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قَد مَاتَ . وَصَدَقَ اللهُ : " إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ " وَكَانَت وَفَاتُهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ في يَومِ الاثنَينِ الثَّانيَ عَشَرَ مِن رَبِيعِ الأَوَّلِ في السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشرَةَ مِنَ الهِجرَةِ ، وَقَد غُسِّلَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَعَلَيهِ ثِيَابُهُ وَلم يُجَرَّدْ كَرَامَةً لَهُ ، ثم دَخَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ عَلَيهِ أَفرَادًا ، ثم دُفِنَ في مَوضِعِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ لَيلَةَ الأَربِعَاءِ . عَن أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : لَمَّا كَانَ اليَومُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ النَّبيُّ المَدِينَةَ أَضَاءَ مِنهَا كُلُّ شَيءٍ ، فَلَمَّا كَانَ اليَومُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظلَمَ مِنهَا كُلُّ شَيءٍ ، وَمَا نَفَضنَا أَيدِيَنَا مِنَ التُّرَابِ وَإِنَّا لَفِي دَفنِهِ حَتى أَنكَرنَا قُلُوبَنَا . اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى محمدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ . اللُّهَمَّ ارزُقْنَا اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ وَاحشُرْنَا في زُمرَتِهِ ، وَاسقِنَا مِن حَوضِهِ شَربَةً هَنِيئَةً لا نَظمَأُ بَعدَهَا أَبَدًا . أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ . أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، مَاتَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ كَمَا سَمِعتُم في الثَّانيَ عَشَرَ مِن رَبِيعِ الأَوَّلِ ، وَهُوَ اليَومُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ عِيدًا لِمَولِدِهِ ، غَافِلِينَ عَن أَنَّهُ لم يَثبُتْ مَولِدُهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ في هَذَا اليَومِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ هُوَ وَفَاتُهُ ، فَكَأَنَّهُم بِهَذَا يَحتَفِلُونَ بِيَومِ وَفَاتِهِ ، وَايمُ اللهِ لَقَد فَعَلُوا ذَلِكَ وَإِنْ لم يَشعُرُوا ، فَقَد أَمَاتُوا سُنَّتَهُ بِإِحيَاءِ هَذِهِ البِدعَةِ المُنكَرَةِ وَأَمثَالِهَا ، وَابتَعَدُوا عَن طَرِيقَتِهِ وَمَا عَرَفُوا مَحَبَّتَهُ ، وَإِلاَّ لَو أَحَبُّوهُ حَقَّ المَحَبَّةِ لاتَّبعُوا سُنَّتَهُ وَلاهتَدُوا بِهَديِهِ ، وَلَتَأَسَّوا بِهِ مُمتَثِلِينَ قَولَ رَبِّهِم ـ جَلَّ وَعَلا ـ : " لَقَد كَانَ لَكُم في رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرجُو اللهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا " وَقَولَهُ : " قُلْ إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحبِبْكُم اللهُ وَيَغفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُم وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " فَالمَحَبَّةُ تَقتَضِي الاتِّبَاعَ وَلَيسَ الإِحدَاثَ وَالابتِدَاعَ ، وَاتِّبَاعُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في أَقوَالِهِ وَأَفعَالِهِ أَحَدُ رَكَائِزِ دِينِ الإِسلامِ وَأَسَاسِيَّاتِ هِ ، بَلْ هُوَ مِن أَعظَمِ مُسَلَّمَاتِ الشَّرِيعَةِ وَالأُمُورِ المَعلُومَةِ مِنهَا بِالضَّرُورَةِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا " وَأَمَّا إِقَامَةُ الحَفَلاتِ الإِنشَادِيَّةِ المُختَلَطَةِ ، وَإِطرَابُ المَسَامِعِ بِالمَدَائِحِ النَّبَوِيَّةِ الشِّركِيَّةِ ، فَإِنَّمَا هُوَ نَوعٌ مِنَ الغُلُوِّ المَنهِيِّ عَنهُ ، فَقَد صَحَّ عَنهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ : " إِيَّاكُم وَالغُلُوَّ في الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُمُ الغُلُوُّ في الدِّينِ " وَقَالَ : " لا تُطرُوني كَمَا أَطرَتِ النَّصَارَى ابنَ مَريَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبدٌ ، فَقُولُوا : عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ " أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ . وَإِنَّ فِيمَا شَرَعَهُ اللهُ ـ تَعَالى ـ مِن تَعظِيمِ رَسُولِهِ وَوَسَائِلِ مَحَبَّتِهِ الشَّرعِيَّةِ ، إِنَّ فِيهَا مَا يُغني عَن كُلِّ وَسِيلَةٍ تُبتَدَعُ وَتُحدَثُ ، وَإِنَّنَا حِينَ نَتَكَلَّمُ عَن هَذِهِ البِدعَةِ مَعَ عَدَمِ حُدُوثِهَا في أَوسَاطِنَا وَللهِ الحَمدُ ، فَإِنَّمَا نَفعَلُ ذَلِكَ لِنُبَيِّنَ خَطَرَهَا وَنُحَذِّرَ مِنهَا فِئَامًا مِنَ المُسلِمِينَ تُقَامُ تِلكَ البِدعَةُ في بُلدَانِهِم ، وَخَوفًا مِن أَن يَغتَرَّ بها بَعضُ مَن لا عِلمَ عِندَهُ ، وَلا سِيَّمَا مَعَ هَذَا الانفِتَاحِ الإِعلامِيِّ عَبرَ القَنَوَاتِ وَالإِذَاعَاتِ وَالشَّبَكَاتِ ، وَالَّذِي أَصبَحَ الشِّركُ وَالبِدعَةُ يُعرَضُ مِن خِلالِهِ عَلَى المُسلِمِينَ صَبَاحَ مَسَاءَ ، لِذَلِكَ وَجَبَ التَّنَبُّهُ وَعَدَمُ الاغتِرَارِ بِانتِشَارِ البِدَعِ وَعَرضِهَا وَتَسوِيقِهَا مِن قِبَلِ بَعضِ المُغَرَّرِ بِهِم ، فَالحَقُّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ ، كَمَا أَنَّ عَلَينَا جَمِيعًا أَن نُحَصِّنَ أَنفُسَنَا وَبُيُوتَنَا وَمُجتَمَعَنَا مِن مِثلِ هَذِهِ البِدَعِ وَالمُحدَثَاتِ ، وَهُوَ مَا لا يَتِمُّ إِلاَّ بِتَعلِيمِهِم أُصُولَ الدِّينِ الحَنِيفِ ، وَالأَخذِ بِهِم في طَرِيقِ الهِدَايَةِ وَصَدِّهِم عَن سُبُلِ الغِوَايَةِ ، وَجَلبِ وَسَائِلِ الإِصلاحِ الَّتي تُفِيدُهُم في بُيُوتِهِم ، وَالحَذَرِ مِن وَسَائِلِ الفِتنَةِ وَالفَسَادِ . |