العدد الذهبي
يعتقد دافنشي بالبعد الإلهي , والبعد الإلهي مبني على قاعدة العدد الذهبي , وبالنسبة للبعض يحمل هذا العدد مفتاح المعرفة
≈ 1.618 .
هذا العدد يسمى ( PHI ) يستخدم في رسم دوائر مقسمة إلى أعشار العشرة أضلاع , أو إلى خماسية خمسة أضلاع , والمسماة أيضاً ( بانتاغرام ) – راسم خمسة أضلاع أو المخمس الأضلاع –
وقف الدكتور لانغدون في القاعة أمام طلاب مادة " الرمزية في الفن " في جامعة هارفرد , ثم كتب على السبورة رقمه المفضل ( 1.618 )
والتفت لانغدون ليواجه حشداً من الطلاب المتلهفين إلى سماع ما سيقول . " من منكم يمكنه أن يقول لي ما هو هذا الرقم ؟ "
فرفع طالب طويل القامة من كلية الرياضيات يده " إنه الرقم فاي PHI ولفظها " في "
" أحسنت ستيتنر " . قال لانغدون " أعزائي أقدم لكم PHI ".
واستأنف " إن هذا الرقم فاي وهو 1.618 هو رقم هام جداً في هذا الفن . هل هناك أحد يعرف السبب ؟"
فأجاب ستيتنر " لأنه رقم جميل جداً "
فضحك الجميع .
" في الحقيقة " قال لانغدون " لقد أصاب ستيتنر ثانية , فإن فاي يعتبر بشكل عام أجمل رقم في الكون "
فتوقفت الضحكات فجأة وارتسمت ابتسامة خبيثة على وجه ستيتنر .
وفيما كان لانغدون يرتب شرائح الصور التوضيحية في آلة العرض , أخذ يشرح كيف أن الرقم فاي اشتق من متوالية فيبوناتشي
* فائدة
: متوالية فيبوناتشي من أشهر المتواليات الرياضية وتكتب هكذا : 1-1-2-3-5-8-13-21 , لو دققت في الأرقام لوجدت أن كل رقم يساوي مجموع الرقمين السابقين
نكمل:
وهي متوالية حسابية شهيرة , ولاتعود شهرتها لكون مجموع كل رقمين متتاليين فيها يساوي الرقم الذي يليه فحسب , بل لأن نواتج قسمة الأرقام المتتالية فيها تتمتع بخاصية مذهلة , وهي الاقتراب من الرقم 1.618 – أي فاي أيضاً
! "
وبرغم الأصول الرياضية التي تبدو غامضة , وضح لانغدون , إلا أن الوجه المذهل لفاي هو دوره كحجر بناء أساسي في الطبيعة . فالنباتات والحيوانات وحتى البشر كلهم يتمتعون بخواص بُعدية تعتمد وبدقة متناهية على النسبة فاي إلى واحد .
" إن الوجود الكلي لفاي في الطبيعة " قال لانغدون وهو يطفئ الأضواء " يتجاوز حتماً الصدفة المحضة , لذا فقد اعتمد القدماء بأن خالق الكون هو الذي وضع رقم فاي كما أعلن العلماء قديماً أن 1.618 هو النسبة المقدسة "
" انتظر قليلاً " قالت شابة تجلس في الصف الأمامي " انا طالبة في كلية العلوم الطبيعية ولم تسبق لي أبداً رؤية هذه النسبة المقدسة في الطبيعة
"
" لم تريها
؟" وارتسمت على وجه لانغدون ابتسامة عريضة " هل سبق لك أن درستِ العلاقة بين ذكور وإناث النحل في خلية النحل ؟ " " بالطبع , فعدد إناق النحل يفوق عدد الذكور دائماً "
" هذا صحيح , وهل كنت تعلمين أنك إذا قسمتِ عدد إناث النحل على عدد ذكور النحل في أي قفير في العالم , ستحصلين دائماً على نفس النتيجة ؟ "
" نفس الرقم ؟! "
" نعم , نفس الرقم بالضبط , فاي "
فغرت الطالبة فاها دهشة " غير معقول
"
" بل هو معقول " رد لانغدون بنفس الحماس وعلى وجهه ابتسامة وهو يعرض ضورة توضيحية لقوقعة حلزونية الشكل .
" هل تعرفين هذا الحيوان ؟ "
" إنه النوتي , حيوان رخوي من رأسيات الأرجل يقوم بضخ الغاز إلى قوقعته كي يحافظ على قدرته على الطفو في الماء "
" هذا صحيح , وهل يمكنك أن تخمني نسبة قطر كل التفاف لولبي إلى اللولب الذي يليه ؟ "
بدت الفتاة غير أكيدة وهي تدقق النظر في الأقواس المتراكزة للنوتي الحلزوني .
أومأ لانغدون برأسه " والجواب هو فاي . النسبة المقدسة . واحد – فاصلة – ستة – واحد – ثمانية إلى واحد
".
بدت الفتاة مذهولة مما سمعته .
وانتقل لانغدون إلى الصورة التالية – وهي صورة تفصيلية لرأس البذور في زهرة عباد الشمس .
" إن بذور عباد الشمس تنمو بشكل لولبي متقابل . هل يمكنكِ أن تحزّري نسبة قطر كل دورة إلى التي تليها ؟ "
أجاب الجميع بصوت واضح " فاي ؟ "
" بالضبط " وأخذ لانغدون يعرض الصور التوضيحية بسرعة الآن واحدة تلو الأخرى- مثل بتلات أكواز الصنوبر والتشكيلات الورقية على سوق النباتات وفصوص الحشرات – كلها كانت تعرض خضوعاً مذهلاً للنسبة الإلهية .
هتف أحدهم " هذا رائع "
رد آخر : " بالتأكيد , لكن ما دخل تلك النسبة بالفن ؟ "
" تماماً " قال لانغدون " أنا مسرور لأنك سألتني هذا السؤال
" وعرض صورة أخرى – وهي صورة لرق أصفر شاحب يعرض عمل ليوناردو دافنشي المشهور الذي صور فيه رجلاً عارياً – وهي لوحة الرجل الفيتروفي – نسبة إلى ماركوس فيتروفيوس وهو مهندس معماري روماني ذكر النسبة الإلهية وأطرى عليها في كتابه ( عن العمارة )
" فلم يفهم أحد الأبنية المقدسة لجسم الإنسان بقدر ليوناردو دافنشي . فقد قام فعلياً بنبش الجثث لكي يقوم بقياس النسب الدقيقة لبنية الإنسان العظيمة . وقد كان أول من برهن أن جسم الإنسان يتكون حرفياً من كتل نسبها إلى بعضها تساوي دائماً الرقم فاي
"
رمقه كل من في القاعة بنظرة شك
.
" أنتم لا تصدقونني ؟ " قال لانغدون بتحدّ " عندما تستحمون في المرة القادمة تذكروا أن تأخذوا معكم شريطاً للقياس , قيسوا المسافة بين قمة رأسكم والأرض ثم قسموا الناتج على المسافة بين سرّتكم والأرض واحزروا ماذا سيكون حاصل تلك العملية ؟ "
" فاي
؟! " صاح أحد الطلاب دون تفكير غير مصدق أذنيه .
" نعم , فاي " أجاب لانغدون " واحد – فاصلة – ستة – واحد – ثمانية . أتريدون مثالاً آخر ؟ قيسوا المسافة بين كتفكم وأطراف اصابعكم ثم قسموا الناتج على المسافة بين كوعكم وأطراف أصابعكم . فاي من جديد . مثال آخر , المسافة بين الورك إلى الأرض مقسمة على المسافة بين الركبة إلى الأرض . فاي مرة أخرى . سلاميات الأصابع وأصابع القدمين وتقسيمات الحبل الشوكي . كلها فاي .. فاي .. فاي .. أعزائي , إن كل واحد منكم مثال حي على النسبة المقدسة "
" وختاماً " قال لانغدون وهو يمشي إلى السبورة " نعود إلى الرمز " . ورسم خمسة خطوط متقاطعة حددت نجمة خماسية
" هذا الرمز هو أحد أهم وأقوى الصور التي سترونها في هذا الفصل , وقد عرفت سابقاً بالنجمة السحرية حسب التسمية التي أطلقها عليها القدماء . لقد اعتبر هذا الرمز مقدساً وسحرياً في آن معاً في حضارات متعددة . هل بإمكان أحد أن يخبرني ما الذي قد يكون السبب ؟ "
فرفع طالب الرياضيات ستيتنر يده " لأنك إذا قمت برسم نجمة خماسية فإن الخطوط ستقسم نفسها تلقائياً إلى أجزاء حسب النسبة المقدسة
"
أومأ لانغدون رأسه ورمق الشاب بنظرة إعجاب " أحسنت , نعم هذا صحيح
فنسب أجزاء الخط في النجمة الخماسية كلها تساوي فاي مما يجعل هذا الرمز التعبير المطلق والأهم عن النسبة المقدسة . ولهذا السبب كانت النجمة الخماسية دائماً رمزاً للجمال والكمال المصاحب للأنثى المقدسة "
ارتسمت على وجه الفتيات في القاعة ابتسامة عريضة
.
" ملاحظة أخرى يا شباب , لقد تكلمنا اليوم عن دافنشي عرضاً , كان دافنشي حسب كافة الوثائق التاريخية قد نذر نفسه للعبادة القديمة للإلهة النثى . سأعرض عليكم غداً لوحته الجدارية العشاء الأخير وهي أعظم تقدمة للأنثى المقدسة على الإطلاق "
قال أحدهم " أنت تمزح أليس كذلك
؟ كنت أعتقد أن موضوع لوحة العشاء الأخير هو المسيح ! "
فغمز لانغدون " في تلك اللوحة رموز مخبأة في أماكن لا يمكن أن تتخيلوها
"