الخطبة الثانية
عباد الله
إن التوكل عبادة قلبية من أجلِّ العبادات، وقربة من أعظم القربات،، لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة والرضا بالله تعالى.قال الله تعالى في جزاء المتوكلين: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) وقال تعالى : (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )
وبالتوكل يحصل المطلوب للإنسان بأدنى الأسباب وأيسر السبل، ولهذا جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن الرسول : ((لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)).كما أن التوكل الحقيقي الصادق يفتح أمام صاحبه طريقا إلى الجنة بغير حساب ، فعن ابن عباس أن رسول الله قال : (عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي فَقِيلَ لِي هَذَا مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْمُهُ
وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ فَقِيلَ لِي انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ فَقِيلَ لِي هَذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)
عباد الله
إن تحقيق التوكل لا ينافي السعي والأخذ بالأسباب البتة. إن السعي في الأسباب بالجوارح طاعة لله، والتوكل على الله بالغيب إيمانٌ بالله.إن المتوكلين في كتاب الله هم العاملون: ( نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِل ِينَ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )وإمام المتوكلين نبينا محمد ، وسيرته جلية محفوظة؛ فقد اختفى في الغار عن الكفار، وظاهَرَ في بعض غزواته بين درعين، وتعاطى الدواء، وقال: (من يحرسنا الليلة) ، وأمر بغلق الباب وإطفاء النار عند المبيت، وقال سبحانه لنبيه لوط عليه السلام: ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ ٱلَّيْلِ ). وأوحى إلى نبيه موسى: (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ ) ونادى أهل الإيمان : ( يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ )
عباد الله
من الأمور التي تنافي أصل التوكل: 1- التعلق بسبب لا تأثير له كا لأموات والغائبين والطواغيت فيما لا يقدر عليه إلا الله 2- اعتقاد أن السبب سواء المشروع أو المحرم فاعل بنفسه دون الله فذلك شرك أكبر
إن العبد المؤمن ليجمع بين فعل الأسباب والاعتصام بالتوكل، فلا يجعل عجزه توكلاً، ولا توكله عجزاً. إن تعسر عليه شيء فبتقدير الله وإن تيسر له شيء فبتيسير الله. . قال بعض العلماء: "الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. ومحو الأسباب نقص فى العقل. والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع.
.