صحيفة أخبارية
عدد الضغطات : 43,895
منتدى المزاحمية العقاري
عدد الضغطات : 67,843
عدد الضغطات : 9,387
العودة   مجالس الرويضة لكل العرب > مجالس الرويضة الخاصة > روحانيات
روحانيات على نهج اهل السنه والجماعة
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
#1 (permalink)  
قديم 15-07-2010, 10:17 PM
ناصرعبدالرحمن
.:: مراقب ::.
ناصرعبدالرحمن غير متواجد حالياً
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 787
 تاريخ التسجيل : 17-04-2007
 فترة الأقامة : 6885 يوم
 أخر زيارة : 06-10-2012 (01:31 PM)
 العمر : 47
 المشاركات : 2,069 [ + ]
 التقييم : 39340
 معدل التقييم : ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: خطب الشيخ عبدالله البصري




حظيرة القدس في وليمة العرس 4/8/1431هـ
أَمَّا بَعدُ فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ "
أَيُّهَا المُسلِمونَ ، في الإِجَازَاتِ الصَّيفِيَّةِ تَكثُرُ مُنَاسَبَاتُ الزَّوَاجِ ، وَتُقَامُ لَهَا الوَلائِمُ وَالمَحَافِلُ ، وَيُعزَمُ فِيهَا عَلَى المَرءِ بِالحُضُورِ ، فَتَرَى أَحَدَنَا في حَيرَةٍ مِن أَمرِهِ لِكَثرَةِ مَا يَصِلُ إِلَيهِ مِن دَعَوَاتٍ ، يُسَائِلُ نَفسَهُ : هَل أَنَا مُلزَمٌ بِإِجَابَةِ كُلِّ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ وَتَتَبُّعِهَا وَلَو بَعُدت عَلَيَّ وَشَقَّت ؟ أَم أَقتَصِرُ عَلَى إِجَابَةِ الأَقَارِبِ وَالجِيرَانِ وَالزُّمَلاءِ وَالأَصدِقَاءِ ؟ أَم أَترُكُهَا كُلَّهَا وَأَستَرِيحَ مِنَ العَنَاءِ ؟ وَلأَنَّ الوَلِيمَةَ في الزَّوَاجِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَإِجَابَتَهَا وَاجِبَةٌ ، كَانَ هَذَا الأَمرُ مِمَّا يَجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَقِفَ فِيهِ عَلَى بَعضِ مَا يُهِمُّهُ مِن أَحكَامٍ ؛ لِيَسِيرَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ، وَلِيَكُونَ في إِجَابَتِهِ أَوِ امتِنَاعِهِ عَلَى هُدًى ، فَيَكسِبَ الأَجرَ وَالثَّوَابَ إِنْ حَضَرَ ، وَيَتَخَلَّصَ مِنَ الإِثمِ وَالوِزرِ إِن هُوَ امتَنَعَ . عَن أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ رَأَى عَلَى عَبدِالرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ أَثَرَ صُفرَةٍ ، فَقَالَ : " مَا هَذَا ؟ " قَالَ : إِنِّي تَزَوَّجتُ امرَأَةً عَلَى وَزنِ نَوَاةٍ مِن ذَهَبٍ . قَالَ : " بَارَكَ اللهُ لَكَ ، أَولِمْ وَلَو بِشَاةٍ " مُتَّفَقٌ عَلَيهِ . وَعَن بُرَيدَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : لَمَّا خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " إِنَّهُ لا بُدَّ لِلعُرسِ مِن وَلِيمَةٍ " وَعَن أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : أَقَامَ النَّبيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ بَينَ خَيبَرَ وَالمَدِينَةِ ثَلاثَ لَيَالٍ يُبنَى عَلَيهِ بِصَفِيَّةَ ، فَدَعَوتُ المُسلِمِينَ إِلى وَلِيمَتِهِ ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِن خُبزٍ وَلا لَحمٍ ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلاَّ أَن أَمَرَ بِالأَنطَاعِ فَبُسِطَت ، فَأُلقِيَ عَلَيهَا الَتَّمرُ وَالأَقِطُ وَالسَّمنُ . رَوَاهُ البُخَارِيُّ . وَعَن صَفِيَّةَ بِنتِ شَيبَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهَا ـ قَالَت : أَوَلَمَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى بَعضِ نِسَائِهِ بِمُدَّينِ مِن شَعِيرٍ . رَوَاهُ البُخَارِيُّ . فَهَذِهِ الجُملَةُ مِنَ الأَحَادِيثِ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ تَدُلُّ عَلَى مَشرُوعِيَّةِ إِقَامَةِ الوَلِيمَةِ لِلزَّوَاجِ ، شُكرًا للهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَإِظهَارًا لِلفَرَحِ وَالسُّرُورِ ، إِذِ الزَّوَاجُ مِن نِعَمِ اللهِ ـ جَلَّ وَعَلا ـ الَّتي يُفرَحُ بها وَتُشكَرُ ، بِهِ تَنعَقِدُ الأَوَاصِرُ بَينَ الأُسَرِ ، وَتَقوَى العِلاقَاتُ بَينَ البُيُوتِ ، وَيَبقَى النَّسلُ البَشَرِيُّ وَيُحفَظُ النَّوعُ الإِنسَانيُّ ، وَبِهِ يَقضِي كُلٌّ مِنَ الزَّوجَينِ وَطَرَهُ في الحَلالِ ، فَتُغَضُّ الأَبصَارُ وَتُحَصَّنُ الفُرُوجُ ، وَتَكثُرُ الأُمَّةُ وَيَقوَى شَأنُهَا وَيَعِزُّ جَانِبُهَا ، وَمِن ثَمَّ كَانَ مِن شُكرِ اللهِ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ أَن يُولِمَ صَاحِبُهَا وَيَدعُوَ إِلَيهَا . وَلأَنَّ بَعضَ النَّاسِ قَد يَصعُبُ عَلَيهِ الأَمرُ وَيُكَلِّفُهُ فَوقَ طَاقَتِهِ ، فَإِنَّ مِن كَرِيمِ الأَخلاقِ وَنَبِيلِ الصِّفَاتِ أَن يُعَانَ المتَزَوِّجُ مِمَّن حَولَهُ مِن ذَوِي القُدرَةِ وَاليَسَارِ ، وَأَن يُشَارِكَهُ أَهلُ الخَيرِ وَالسَّعَةِ في إِقَامَةِ وَلِيمَتِهِ ، وَهُوَ الأَمرُ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ المُسلِمُونَ وَمَا زَالوا مُنذُ صَدرِ الإِسلامِ وَإِلى اليَومِ بِحَمدِ اللهِ ، فَعَن أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ في قِصَّةِ زَوَاجِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ بِأُمِّ المؤمِنِينَ صَفِيَّةَ : حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتهَا لَهُ أُمُّ سُلَيمٍ فَأَهدَتهَا لَهُ مِنَ اللَّيلِ ، فَأَصبَحَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ عَرُوسًا فَقَالَ : " مَن كَانَ عِندَهُ شَيءٌ فَليَجِئْ بِهِ " قَالَ وَبَسَطَ نِطَعًا . قَالَ : فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأَقِطِ ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمرِ ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمنِ ، فَحَاسُوا حَيسًا ، فَكَانَت وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ .
وَأَمَّا إِجَابَةُ الدَّعوَةِ ـ أَيُّهَا المُسلِمونَ ـ فَهِيَ وَاجِبَةٌ ، جَعَلَهَا النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ مِن حَقِّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ ، وَأَمَرَ بِإِجَابَتِهَا وَلَو صَغُرَت وَقَلَّ فِيهَا الطَّعَامُ ، وَأَجَابَهَا بِنَفسِهِ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " حَقُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ سِتٌّ : إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ ، وَإِذَا استَنصَحَكَ فَانصَحْ لَهُ ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ " وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إِلى الوَلِيمَةِ فَلْيَأتِهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيهِ . وَفي رِوَايَةٍ لِمُسلِمٍ : " فَليُجِبْ ، عُرسًا كَانَ أَو نَحوَهُ " وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " فُكُّوا العَانِيَ ، وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ ، وَعُودُوا المَرِيضَ " وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " وَمَن لم يُجِبِ الدَّعوَةَ فَقَد عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ " وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " لَو دُعِيتُ إِلى ذِرَاعٍ أَو كُرَاعٍ لأَجَبتُ ، وَلَو أُهدِيَ إِليَّ ذِرَاعٌ أَو كُرَاعٌ لَقَبِلتُ " قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : وَفي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حُسنِ خُلُقِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَتَوَاضُعِهِ وَجَبرِهِ لِقُلُوبِ النَّاسِ ، وَعَلَى قَبُولِ الهَدِيَّةِ وَإِجَابَةِ مَن يَدعُو الرَّجُلَ إِلى مَنزِلِهِ وَلَو عَلِمَ أَنَّ الَّذِي يَدعُوهُ إِلَيهِ شَيءٌ قَلِيلٌ ... وَفِيهِ الحَضُّ عَلَى المُوَاصَلَةِ وَالتَّحَابِّ وَالتَّآلُفِ ، وَإِجَابَةِ الدَّعوَةِ لِمَا قَلَّ أَو كَثُرَ ، وَقَبُولِ الهَدِيَّةِ كَذَلِكَ . وَقَالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ـ رَحمَهُ اللهُ ـ : لا خِلافَ في وُجُوبِ الإِجَابَةِ إِلى الوَلِيمَةِ لِمَن دُعِيَ إِلَيهَا إِذَا لم يَكُنْ فِيهَا لَهوٌ .
وَقَد جَعَلَ العُلَمَاءُ لِوُجُوبِ إِجَابَةِ الدَّعوَةِ شُرُوطًا ، مِنهَا : أَن يَكُونَ الدَّاعِي مُسلِمًا مكَلَّفًا حُرًّا رَشِيدًا ، وَأَلاَّ يَخُصَّ بِدَعوَتِهِ الأَغنِيَاءَ دُونَ الفُقَرَاءِ ، وَأَلاَّ يَسبِقَهُ غَيرُهُ ، فَمَن سَبَقَ تَعَيَّنَت إِجَابَتُهُ دُونَ الآخَرِ . وَأَلاَّ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ مِن مُنكَرٍ وَغَيرِهِ ، وَأَلاَّ يَكُونَ لَهُ عُذرٌ مِن بُعدِ طَرِيقٍ وَمَشَقَّةٍ . وَلَيسَ مِن شَرطِ إِجَابَةِ الدَّعوَةِ أَن يَأكُلَ ، بَل يَجِبُ عَلَيهِ الحُضُورُ ، فَإِن شَاءَ أَكَلَ وَإِن شَاءَ تَرَكَ ، قَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إِلى طَعَامٍ فَليُجِبْ ، وَإِن شَاءَ طَعِمَ وَإِن شَاءَ تَرَكَ " رَوَاهُ مُسلِمٌ . بَل حَتَّى الصَّائِمُ عَلَيهِ إِجَابَةُ الدَّعوَةِ ؛ لِحَدِيثِ أَبى سَعِيدٍ الخُدرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : " صَنَعَتُ لِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ طَعَامًا فَأَتَاني هُوَ وَأَصحَابُهُ ، فَلَمَّا وُضِعَ الطَّعَامُ قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ : إِنِّي صَائِمٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : دَعَاكُم أَخُوكُم وَتَكَلَّفَ لَكُم " ثُمَّ قَالَ لَهُ : " أَفطِرْ وَصُمْ مَكَانَهُ يَومًا إِن شِئتَ " وَهَذَا الأَمرُ مِنهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ لِذَلِكَ الرَّجُلِ بِالإِفطَارِ وَالأَكلِ لَيسَ لِلوُجُوبِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الاستِحبَابِ تَطيِيبًا لِخَاطِرِ الدَّاعِي ؛ لِقَولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في الحَدِيثِ الآخَرِ : " إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم فَليُجِبْ ، فَإِن كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ ـ أَي فَلْيَدعُ ـ ، وَإِن كَانَ مُفطِرًا فَليَطعَمْ " وَعَلَى مَن حَضَرَ الدَّعوَةَ أَن يَدعُوَ لِصَاحِبِهَا بِالبَرَكَةِ ؛ لِحَدِيثِ عَبدِاللهِ بنِ بُسرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ أَنَّ أَبَاهُ صَنَعَ طَعَامًا لِلنَّبيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ فَدَعَاهُ فَأَجَابَهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِن طَعَامِهِ قَالَ : "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُم فِيمَا رَزَقتَهُم وَاغفِرْ لَهُم وَارحَمْهُم " وَفي حَدِيثٍ آخَرَ : "اللَّهُمَّ أَطعِمْ مَن أَطعَمَني وَأَسقِ مَن أَسقَاني "
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، إِنَّ مِمَّا يَحسُنُ بِصَاحِبِ الوَلِيمَةِ أَن يَدعُوَ لِوَلِيمَتِهِ الصَّالِحِينَ ، لِقَولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " لا تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤمِنًا ، وَلا يَأكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ " وَلِقَولِهِ في دُعَائِهِ لِمَن أَطعَمَهُ : " أَفطَرَ عِندَكُمُ الصَّائِمونَ ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبرَارُ ، وَصَلَّت عَلَيكُمُ المَلائِكَةُ " وَأَمَّا أَن يُخَصَّ الأَغنِيَاءُ وَالوُجَهَاءُ بِالدَّعوَةِ ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا نُهِيَ عَنهُ ، لِقَولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُمنَعُهَا مَن يَأتِيهَا وَيُدعَى إِلَيهَا مَن يَأبَاهَا " أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمونَ ـ وَاحرِصُوا عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ في كُلِّ شُؤُونِكُمُ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ " لَقَد كَانَ لَكُم في رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرجُو اللهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا "

أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ حَقَّ تَقوَاهُ ، وَاستَعِدُّوا بِالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَومِ لِقَاهُ .
أَيُّهَا المسلِمونَ ، رَوَى البُخَارِيُّ وَمسلِمٌ عَن أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ قَالَ : مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ أَوَلَمَ عَلَى امرَأَةٍ مِن نِسَائِهِ مَا أَولَمَ عَلَى زَينَبَ ، فَإِنَّهُ ذَبَحَ شَاةً . قَالَ : أَطعَمَهُم خُبزًا وَلَحمًا حَتَّى تَرَكُوهُ ... هَل تَأَمَّلتُم هَذَا الخَبَرَ الصَّحِيحَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَفقِهتُمُوهُ ؟ إِنَّهُ لَخَبَرٌ عَجَبٌ حَقًّا ، رَسُولُ اللهِ محَمَّدُ بنُ عَبدِاللهِ ، إِمَامُ المُرسَلِينَ وَقَائِدُ الأُمَّةِ وَخَيرُ الخَلقِ ، أَكرَمُ النَّاسِ وَأَجوَدُهُم ، يُولِمُ في زَوَاجِهِ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ ، نَعَم ، شَاةٌ وَاحِدَةٌ ، وَيُشبِعُهُم خُبزًا وَلَحمًا وَيَنتَهِي الأَمرُ . وَقَد كَانَ هَذَا هُوَ أَكثَرَ مَا أَولَمَ بِهِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلامِ صَاحِبِهِ وَخَادِمِهِ وَالمُطَّلِعِ عَلَى الدَّقِيقِ وَالجَلِيلِ مِن أَحوَالِهِ ، وَبَعدُ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ فَلْنُوَازِنْ بَينَ هَذَا الهَديِ النَّبَوِيِّ الكَرِيمِ ، وَبَينَ مَا عَلَيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ اليَومَ ، حَيثُ يُسرِفُونَ في الوَلائِمِ أَيَّمَا إِسرَافٍ ، وَيُبَالِغُونَ في الأَطعِمَةِ أَيَّمَا مُبَالَغَةٍ ، حَتَّى تَمتَلِئَ الحَاوِيَاتُ مِن مُخَلَّفَاتِ وَلائِمِهِم ، بل وَلا تَجِدُ الجَمعِيَّاتُ مَكَانًا تَضَعُ فِيهِ هَذَا الفَائِضَ مِنَ الطَّعَامِ ، ثُمَّ يَرَى أُولَئِكَ المُسرِفُونَ أَنَّ هَذَا هُوَ الكَرَمُ ، وَمَن فَعَلَ مِثلَهُ فَبَيَّضَ اللهُ وَجهَهُ ، وَمَن لم يَفعَلْ فَحَقُّهُ السَّوَادُ وَالذَّمُّ ، فَوَا عَجَبًا مِنِ انقِلابِ المَفَاهِيمِ وَانتِكَاسِ الفِطَرِ ، لا يُرَى الرَّجُلُ كَرِيمًا حَتَّى يَعصِيَ رَبَّهُ وَيَكفُرَ نِعمَةَ خَالِقِهِ وَيُخَالِفَ هَديَ نَبِيِّهِ وَيُسرِفَ وَيُبَاهِيَ !! إِنَّهَا لِجُرأَةٌ عَجِيبَةٌ أَن يَدَّعِيَ أَحَدٌ أَنَّهُ أَكرَمُ مِن رَسُولِ اللهِ ، وَمَن ذَا الَّذِي يَزعُمُ أَنَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ أَوَلَمَ بِشَاةٍ بُخلاً مِنهُ أَو تَركًا لِمَا هُوَ أَولى بِهِ ؟ حَاشَاهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ أَن يَبخَلَ وَهُوَ الكَرِيمُ الجَوَادُ ، الَّذِي لم يَكُن يَومًا مَا بَخِيلاً وَلا مُبَخَّلاً ، وَلَكِنَّنَا حِينَ نَتَأَمَّلُ قَولَ أَنَسٍ : أَطعَمَهُم خُبزًا وَلَحمًا حَتَّى تَرَكُوهُ ، وَنُقَارِنُهُ بِأَنَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ لم يَذبَحْ إِلاَّ شَاةً وَاحِدَةً ، يَظهَرُ لَنَا بِوُضُوحٍ وَجَلاءٍ أَنَّ مَقصُودَهُ لم يَكُنِ المُفَاخَرَةَ وَلا المُكَاثَرَةَ ، وَإِنَّمَا إِطعَامُ صَحَابَتِهِ وَإِشبَاعُهُم شُكَرًا لِرَبِّهِ ، فَهَل هَذَا هُوَ حَالُ مَن يَذبَحُونَ النَّعَمَ في هَذِهِ الأَيَّامِ وَيُبَدِّدُونَ النِّعَمَ ؟ هَل قَصدُهُم إِشبَاعُ البُطُونِ أَم إِشبَاعُ العُيُونِ ؟ إِنَّ مِثلَ هَؤُلاءِ حَرِيُّونَ بِأَلاَّ يُجَابُوا وَلا يُؤكَلَ طَعَامُهُم ، بَل حَقُّهُم أَن يُهجَرُوا ويُقَاطَعُوا ، حَتَّى يَعُودُوا إِلى رُشدِهِم وَيَحفَظُوا نِعمَةَ رَبِّهِم ، جَاءَ في الحَدِيثِ أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ : " المُتَبَارِيَان ِ لا يُجَابَانِ ، وَلا يُؤكَلُ طَعَامُهُمَا " قَالَ المَنَاوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : " المُتَبَارِيَان ِ " أَي المُتَعَارِضَان ِ بِفِعلِهِمَا في الطَّعَامِ ، لِيُمَيَّزَ أَيُّهُمَا يَغلِبُ " لا يُجَابَانِ وَلا يُؤكَلُ طَعَامُهُمَا " تَنزِيهًا ، فَتُكرَهُ إِجَابَتُهُمَا وَأَكلُهُ ، لِمَا فِيهِ مِنَ المُبَاهَاةِ وَالرِّيَاءِ ، وَلِهَذَا دُعِيَ بَعضُ العُلَمَاءِ لِوَلِيمَةٍ فَلَم يُجِبْ ، فَقِيلَ لَهُ : كَانَ السَّلَفُ يُجِيبُونَ . قَالَ : كَانُوا يُدعَونَ لِلمُؤَاخَاةِ وَالمؤَاسَاةِ ، وَأَنتُم تُدعَونَ لِلمُبَاهَاةِ وَالمكَافَأَةِ . أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَلْنَحرِصْ عَلَى السُّنَّةِ وَحِفظِ النِّعمَةِ وَشُكرِ المُنعِمِ ـ سُبحَانَهُ ـ وَلْنَحذَرْ مِنَ الكُفرِ بِأَنعُمِ اللهِ لِئَلاَّ تَنَالَنَا عُقُوبَتُهُ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَريَةً كَانَت آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتِيهَا رِزقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوفِ بما كَانُوا يَصنَعُونَ . وَلَقَد جَاءَهُم رَسُولٌ مِنهُم فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُم ظَالِمُونَ . فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشكُرُوا نِعمَةَ اللهِ إِن كُنتُم إِيَّاهُ تَعبُدُونَ "



 توقيع : ناصرعبدالرحمن

رد مع اقتباس
#2 (permalink)  
قديم 17-07-2010, 02:36 AM
جســاس
:: أستشاري المجالس ::
جســاس غير متواجد حالياً
Saudi Arabia     Male
SMS ~ [ + ]
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى


لوني المفضل Crimson
 رقم العضوية : 3477
 تاريخ التسجيل : 01-05-2009
 فترة الأقامة : 6140 يوم
 أخر زيارة : 23-12-2011 (05:52 PM)
 الإقامة : ساحرة القلوب ( الرويضة )
 المشاركات : 2,668 [ + ]
 التقييم : 87003
 معدل التقييم : جســاس عضو الماسي جســاس عضو الماسي جســاس عضو الماسي جســاس عضو الماسي جســاس عضو الماسي جســاس عضو الماسي جســاس عضو الماسي جســاس عضو الماسي جســاس عضو الماسي جســاس عضو الماسي جســاس عضو الماسي
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: خطب الشيخ عبدالله البصري



جزاك الله الف خير

ورزقك بزوجه اخرى صالحه

وكثر الله من امثالك

جهودك واضحه ,, اسأل الله ان يجمعنا واياك في جنه عرضها كـ عرض السموات والارض

امين



 توقيع : جســاس
.











لولاَ المشقةُ ســادَ النــاسُ كُلهــمُ *** الجــُودُ يُفقــِــرُ والإقــــدامُ قتــــالُ






















.

رد مع اقتباس
#3 (permalink)  
قديم 29-07-2010, 09:45 PM
ناصرعبدالرحمن
.:: مراقب ::.
ناصرعبدالرحمن غير متواجد حالياً
SMS ~ [ + ]
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 787
 تاريخ التسجيل : 17-04-2007
 فترة الأقامة : 6885 يوم
 أخر زيارة : 06-10-2012 (01:31 PM)
 العمر : 47
 المشاركات : 2,069 [ + ]
 التقييم : 39340
 معدل التقييم : ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: خطب الشيخ عبدالله البصري



ردع العائل عن شواذ المسائل
11/8/1431هـ

أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ "
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، خَلَقَ اللهُ النَّاسَ لِعِبَادَتِهِ كَمَا قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ " وَإِنَّ لِلعِبَادَةِ شَرطَينِ لا بُدَّ مِن تَحَقُّقِهِما لِتُقبَلَ وَيُؤجَرَ العَبدُ عَلَيهَا ، أَوَّلُهُمَا الإِخلاصُ للهِ دُونَ سِوَاهُ ، وَثَانِيهِمَا المُتَابَعَةُ لِرَسُولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَالَّتَمَسُّكُ بما جَاءَ بِهِ ، وَلِهَذَا جَاءَ الحَثُّ عَلَى التَّفَقُّهِ في الدِّينِ ، وَجُعِلَ فِقهُ المَرءِ في الدِّينِ مِن إِرَادَةِ اللهِ بِهِ الخَيرَ ، قَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ " وَلأَنَّ التَفَقُّهَ في الدِّينِ قَد لا يَسَعُ كُلَّ أَحَدٍ وَلا يَستَطِيعُهُ كُلُّ مُكَلَّفٍ ، كَانَ المُؤمِنُ مُلزَمًا بِسُؤَالِ العُلَمَاءِ عَمَّا لا يَعلَمُهُ ، وَاستِفتَائِهِم فِيمَا أَشكَلَ عَلَيهِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لا تَعلَمُونَ " وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ : " إِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ " وَإِنَّهُ مَا أَرَادَ المُستَفتي بِاستِفتَائِهِ مَعرِفَةَ الحَقِّ وَالعَمَلَ بِهِ ، وَلا حَرِصَ عَلَى سُؤَالِ مَن يَعلَمُ أَو يَغلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ أَهلٌ لِلفَتوَى ، ثُمَّ انتَبَهَ لِجَوَابِ المُفتي وَفَهِمَهُ فَهمًا وَاضِحًا فَأَخَذَ بِهِ ، إِلاَّ هُدِيَ إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ ، وَمَا طَلَبَ أَحَدٌ الرُّخَصَ وَتَتَبَّعَ زَلاَّتِ العُلَمَاءِ ، وَاشتَغَلَ بِشَوَاذِّ المَسَائِلِ وَمُفرَدَاتِهَا ، وَجَعَلَ حَاكِمَهُ هَوَى نَفسِهِ وَشَهوَتَهَا ، إِلاَّ ضَلَّ وَتَزَندَقَ وَخَلَعَ رِبقَةَ الإِسلامِ مِن عُنُقِهِ . وَقَد كَانَ المُسلِمُونَ عَلَى مَرِّ عُصُورِهِم عَلَى نَهجٍ كَرِيمٍ ، يَطلُبُونَ فِيهِ الحَقَّ فَيَلزَمُونَهُ ، وَيَتَحَرَّونَ الصَّوَابَ فَيَأخُذُونَ بِهِ ، حَرِيصِينَ عَلَى أَن يَعبُدُوا رَبَّهُم عَلَى عِلمٍ وَبَصِيرَةٍ ، مُتَحَرِّينَ لما يُرضِيهِ وَلَو خَالَفَ مُشتَهَى نُفُوسِهِم ، وَمَا زَالُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى غَشَتِ النَّاسَ في السَّنَوَاتِ المُتَأَخِّرَةِ غَوَاشٍ مِن جَهلٍ وَاتِّبَاعِ هَوَىً وَقِلَّةِ دِيَانَةٍ ، وَإِخلادٍ لِلدُّنيَا وَنِسيَانٍ لِلآخِرَةِ ، فَضَعُفَ لَدَيهِمُ استِشعَارُ المَسؤُولِيَّةِ ، وَظَهَرَ مِنهُم التَّهَاوُنُ بِالأَمَانَةِ ، فَتَسَرَّعُوا في تَلَقُّفِ الفَتَاوَى الشَّاذَّةِ ، وَتَهَاوَنُوا بِقَبُولِ الأَقوَالِ الفَاذَّةِ ، وَتَسَاهَلُوا بِاتِّبَاعِ مَن يَقُولُ عَلَى اللهِ بِغَيرِ عِلمٍ ، وَتَمَادَوا في اختِيَارِ مَا تَمِيلُ إِلَيهِ نُفُوسُهُم ، وَارتَاحُوا لما تُملِيهِ عَلَيهِم شَهَوَاتُهُم ، وَبَدَلاً مِن أَن تَحكُمَ الشَّرِيعَةُ أَهوَاءَهُم وتُهَذِّبَهَا ، انقَلَبَتِ المَوَازِينُ لَدَى بَعضِهِم رَأسًا عَلَى عَقِبٍ ، وَصَارُوا يُحَكِّمُونَ أَهوَاءَهُم في مَسَائِلِ الخِلافِ ؛ فَيَأخُذُونَ أَهوَنَ الأَقوَالِ وَأَيسَرَهَا عَلَى نُفُوسِهِم ، دُونَ استِنَادٍ إِلى دَلِيلٍ شَرعِيٍّ وَلا حُجَّةٍ وَاضِحَةٍ ؛ بَل تَقلِيدًا لِمَن زَلَّ من العُلَمَاءِ ، أَوِ استِئنَاسًا بِتَخلِيطِ مَن ضَلَّ مِنَ الأَدعِيَاءِ ، بَل وَصَلَ الحَالُ بِبَعضِ هَؤُلاءِ إِلى أَنَّ يَتَّخِذَ لِنَفسِهِ مَذهَبًا يَقُومُ عَلَى التَّلفِيقِ بَينَ آرَاءِ الفُقَهَاءِ وَالتَّرقِيعِ بَينَ أَقوَالِ العُلَمَاءِ ، فَإِذَا طُوَلِبَ بِالدَّلِيلِ الرَّاجِحِ وَحُجَجِ الشَّرعِ الوَاضِحَةِ ، تَنَصَّلَ مِن ذَلِكَ بِإِلقَاءِ المَسؤُولِيَّةِ عَلَى مَن أَفتَاهُ ، وَرَمَى بِكَامِلِ العُهدَةَ عَلَيهِ ، مُعتَقِدًا أَنَّ قَولَ ذَلِكَ المُفتي سَيَكُونُ حَجَّةً لَهُ يَومَ القِيَامَةِ بَينَ يَدَي رَبِّهِ . وَقَد زَادَ في انتِشَارِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ أَمرَانِ : أَوَّلُهُمَا كَثرَةُ المُفتِينَ في الفَضَائِيَّاتِ وَمَوَاقِعِ الشَّبَكَةِ العَالَمِيَّةِ ، مِمَّن جَهِلُوا أَو تَسَاهَلُوا ، فَنَشَرُوا الفَتَاوَى الشَّاذَّةَ وَالرُّخَصَ المُخَالِفَةَ ؛ وَثَانِيهِمَا فَرِيقٌ مَفتُونٌ مِن أَهلِ الأَهوَاءِ ، مِمَّن يَتَكَلَّمُونَ بِأَلسِنَتِنَا وَيَكتُبُونَ في صُحُفِنَا ، حَمَلُوا أَفكَارًا غَرِيبَةً ، وَانتَحَلُوا تَوَجُّهَاتٍ مُرِيبَةً ، اِنبَهَرُوا بِالحضَارَةِ الغَربِيَّةِ الكَافِرَةِ ، وَأَرَادُوَا نَقلَهَا لَنَا بِعُجَرِهَا وَبُجَرِهَا ، فَهَجَمُوا عَلَى كُلِّ شَيءٍ في الدِّينِ أُصُولاً وَفُرُوعًا ، وَتَجرَّؤُوا عَلَى العِلمِ وَهَجَمُوا عَلَى العُلَمَاءِ ؛ فأَهمَلُوا أُصُولاً وَأَحدَثُوا فُصُولاً ، وَجَاؤُوا بِمَنهَجٍ جَدِيدٍ سَمَّوهُ حُرِّيَّةَ الرَّأيِ وَالفَتوَى ، وَمَا هُوَ إِلاَّ الأَخذُ بِالرُّخَصِ وَالتَتَبُّعُ لِلشَّوَاذِّ .
وَإِنَّ المُسلِمِينَ وَقَد رَضُوا بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ نَبِيًّا رَسُولاً ، إِنَّهُم لَمُطَالَبُونَ بِالتَّحَاكُمِ إِلى كِتَابِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في جَمِيعِ مَسَائِلِ ، مُلزَمُونَ بِالتَّسلِيمِ وَالانقِيَادِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، لا إِيمَانَ لَهُم بِغَيرِ ذَلِكَ ، وَلا بَرَاءَةَ لِذِمَمِهِم إِلاَّ بِجَعلِهِ طَرِيقًا لهم وَمَنهَجًا ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيمًا " وَقَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ : " فَإِنْ تَنَازَعتُم في شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأوِيلاً " وَإِنَّ مِنَ الأَهَمِّيَّةِ بِمَكَانٍ في هَذَا الشَّأنِ اعتِبَارَ فَهمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لِنُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَعَدَمَ التَّطَاوُلِ عَلَيهِ أَو التَّقلِيلِ مِن شَأنِهِ ؛ فَهُمُ السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ وَهُم خَيرُ القُرُونِ ، لُغَتُهُم أَفصَحُ اللُّغَاتِ ، وَلَهجَتُهُم أَصدَقُ اللَّهَجَاتِ ، وَفَهمُهُم خَيرُ الفُهُومِ وَأَزكَاهَا ، هُمُ الَّذِينَ عَاصَرُوا النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَعَايَشُوا نُزُولَ الوَحيِ بَينَ يَدَيهِ ، وَفَقِهُوا الدِّينَ وَعَرَفُوا مَقَاصِدَ التَّشرِيعِ ، وَسَارُوا عَلَيهِ في حَيَاتِهِم وَمَنهَجِهِم وَسُلُوكِهِم ، وَزَكَّاهُمُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِم وَالتَّمَسُّكِ بها فَقَالَ : " خَيرُكُم قَرني ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم " وَقَالَ : " فَعَلَيكُم بِسُنَّتي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهدِيِّينَ مِن بَعدِي ، تَمَسَّكُوا بها وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُم وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ " وَأَمرٌ آخَرُ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ ذَلِكُم هُوَ اعتِبَارُ حُجِّيَّةِ الإِجمَاعِ وَعَدَمُ خَرَقِهِ أَوِ التَّقلِيلِ مِن شَأنِهِ ، كَيفَ وَقَدِ استَقَرَّ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ لا تَجتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ ؛ قَالَ ـ تَعَالى ـ : " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ المُؤمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلىَّ وَنُصلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَت مَصِيرًا " وَأَمَّا ثَالِثَةُ الأَثَافي لِمَن أَرَادَ الحَقَّ وَابتَغَى لِنَفسِهِ النَّجَاةَ ، فَهِيَ الرُّجُوعُ في المَسَائِلِ المُتَنَازَعِ فِيهَا إِلى العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّي نَ ، المَشهُودِ لَهُم بِالعِلمِ وَالتَّقوَى ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَإِذَا جَاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنِ أَوِ الخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَو رَدُّوهُ إِلى الرَّسُولِ وَإِلى أُولي الأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُ مِنهُم وَلَولا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ لاتَّبَعتُمُ الشَّيطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً " وَقَالَ ـ جَلَّ وَعَلا ـ : " فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لا تَعلَمُونَ . بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ " وَأَمَّا تَتَبُّعُ الرُّخَصِ وَجَعَلُهَا دِينًا وَدَيدَنًا ، بِأَن يَختَارَ المَرءُ مِن كُلِّ مَذهَبٍ مَا هُوَ الأَهوَنُ عَلَيهِ دُونَ عِلمٍ وَلا نَظَرٍ وَلا فِقهٍ ، وَلا دَافِعٍ مِن قُوَّةِ الدَّلِيلِ أَو صَادِقِ البَرَاهِينِ ؛ بَل تَشَهِّيًّا وَجَهلاً ، وَرَغبَةً في اتِّبَاعِ الأَيسَرِ وَالأَخَفِّ عَلَى النَّفسِ ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ التَّرَخُّصُ المَذمُومُ ؛ الَّذِي اشتَدَّ نَكِيرُ العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّي نَ عَلَى مَن قَالَ بِهِ أَو فَعَلَهُ . قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ـ : ثَلاثَةٌ يَهدِمنَ الدِّينَ : زَلَّةُ العَالِمِ ، وَجِدَالُ المُنَافِقِ ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ . وَقَالَ سُلَيمَانُ التَّيمِيُّ : لَو أَخَذتَ بِرُخصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجتَمَعَ فَيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ . وَقَالَ إِبرَاهِيمُ بنُ أَبي عُلَيَّةَ : مَن تَبِعَ شَوَاذَّ العِلمِ ضَلَّ . وَقَالَ الإِمَامُ الأَوزَاعِيُّ : مَن أَخَذَ بِنَوَادِرِ العُلَمَاءِ خَرَجَ مِن الإِسلامِ . وَقَالَ العِزُّ بنُ عَبدِالسَّلامِ : يَجُوزُ تَقلِيدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِن الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنهُم ـ ... وَلا يَجُوزُ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ . وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : مَن تَتَبَّعَ رُخَصَ المَذَاهِبِ وَزَلاَّتِ المُجتَهِدِينَ فَقَد رَقَّ دِينُهُ . وَقَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ : لا يَجُوزُ لِلمُفتي تَتَبُّعُ الحِيَلِ المُحَرَّمَةِ وَالمَكرُوهَةِ ، وَلا تَتَبُّعُ الرُّخَصِ لِمَن أَرَادَ نَفعَهُ ، فَإِنْ تَتَبَّعَ ذَلِكَ فَسَقَ وَحَرُمَ استِفتَاؤُهُ . أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَليَكُنْ طَلَبُ الحَقِّ رَائِدَكُم وَهَدَفَكُم ، وَاعلَمُوا أَنَّهُ لا احتِجَاجَ بِأَقوَالِ العُلَمَاءِ وَلا آرَائِهِمُ المُخَالِفَةِ لِلنُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ ؛ لأَنَّنَا مُتَعَبَّدُونَ بِالأَدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ مَأمُورُونَ بِاتِّبَاعِهَا ، وَاللهُ ـ تَعَالى ـ قَد أَمَرَ نَبِيَّهُ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ بِالحُكمِ بما أَنزَلَهُ عَلَيهِ فَقَالَ لَهُ : " وَأَنِ احكُمْ بَينَهُم بما أَنزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهوَاءَهُم " فَلا تَهُولَنَّكُم تِلكَ العِبَارَاتُ الرَّنَّانَةُ ، وَلا تَخدَعَنَّكُمُ الأَقوَالُ البَرَّاقَةُ ، الَّتي يَتَشَدَّقُ بها بَعضُ المَفتُونِينَ مِمَّن يُرِيدُونَ تَطوِيعَ الفَتوَى بِحُجَّةِ مُسَايَرَةِ الوَاقِعِ وَمُوَاكَبَةِ العَصرِ ، أَو مِمَّن يُنَادُونَ بِتَغيِيرِ الفِقهِ الإِسلامِيِّ لِيَكُونَ بِزَعمِهِم فِقهَ تَيسِيرٍ وَوَسَطِيَّةٍ ، وَمَا كُلُّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ إِلاَّ تَميِيعٌ لِلدِّينِ وَتَنَصُّلٌ مِن شَرِيعَةِ رَبِّ العَالَمِينَ ، عُطِّلَت بِهِ حُدُودٌ وَتُرِكَت فِيهِ أَحَادِيثُ ، وَفُتِحَ بِهِ لِلجُهَّالِ مَجَالٌ لِلتَطَاوُلِ عَلَى الدِّينِ وَالسُّخرِيَةِ بِأَهلِهِ ، وَظَهَرَت فَتَاوَى يَستَنكِرُهَا أَصحَابُ الفِطَرِ السَّلِيمَةِ مِنَ العَامَّةِ فَضلاً عَن أَهلِ العِلمِ وَالخَاصَّةِ . أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلِهِ وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ في العِلمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلبَابِ . رَبَّنَا لا تُزِغ قُلُوبَنَا بَعدَ إِذ هَدَيتَنَا وَهَب لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ "
أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنَهيَهُ وَلا تَنسَوهُ . وَتَحَرَّوا مَن تَثِقُونَ في دِينِهِ وَتَقوَاهُ فَاستَفتُوهُ ، وَانظُرُوا مَن يَتَتَبَّعُ الشَّاذَّ مِن أَقوَالِ العُلَمَاءِ وَيَتَعَلَّقُ بِزَلاَّتِهِم فَاحذَرُوهُ ، وَاعلَمُوا أَنَّهُ لا عَيبَ في الأَخذِ بِالرُّخَصِ الشَّرعِيَّةِ المُعتَبَرَةِ ، الَّتي جَاءَ بها الشَّارِعُ الحَكِيمُ تَخفِيفًا عَلَى المُكَلَّفِينَ وَتَسهِيلاً لِلأَحكَامِ ، وَتَيسِيرًا لِلعَمَلِ وَدَفعًا لِلمَشَقَّةِ وَالحَرَجِ ، فَهِيَ مِن رَحمَةِ اللهِ بِالعِبَادِ وَفَضلِهِ عَلَيهِم ؛ لِئَلاَّ يَقَعَ عَلَيهِم حَرَجٌ فِيمَا كُلِّفُوا بِهِ أَو يُصِيبَهُم مِنهُ عَنَتٌ . قَالَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ : " يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ " وَقَالَ ـ تَعَالى ـ : " وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ " وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ : " عَلَيكُم بِرُخصَةِ اللهِ الَّتي رَخَّصَ لَكُم " وَلا خِلافَ عِندَ جُمهُورِ أَهلِ العِلمِ في مَشرُوعِيَّةِ الأَخذِ بِالرُّخَصِ الشَّرعِيَّةِ إِذَا وُجِدَت أَسبَابُهَا وَتَحَقَّقَت دَوَاعِيهَا ، وَالمَشَقَّةُ تَجلِبُ التَّيسِيرَ ، وَالحَرَجُ مَرفُوعٌ وَالضَّرَرُ يُزَالُ ، وَإِذَا ضَاقَ الأَمرُ اتَّسَعَ ، وَإِنَّمَا العَيبُ وَاللَّومُ في الاحتِجَاجِ بِوُجُودِ الخِلافِ في مَسأَلَةٍ مَا لِيَأخُذَ المَرءُ فِيهَا بما شَاءَ مِن أَقوَالٍ ، قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : لَو جَازَ اتِّبَاعُ أَيِّ مَذهَبٍ شَاءَ لأَفضَى إِلى أَن يَلتَقِطَ رُخَصَ المَذَاهِبِ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ وَيَتَخَيَّرَ بَينَ التَّحلِيلِ وَالتَّحرِيمِ وَالوُجُوبِ وَالجَوَازِ ؛ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلى الانحِلالِ مِن رِبقَةِ التَّكلِيفِ . وَقَالَ الإِمَامُ الشَّاطِبيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : فَإِنَّ في مَسَائِلِ الخِلافِ ضَابِطًا قُرآنيًّا يَنفِي اتِّبَاعَ الهَوَى جُملَةً ، وَهُوَ قَولُهُ ـ تَعَالى ـ :" فَإِنْ تَنَازَعتُم في شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ " وَالرَّدُّ إِلى اللهِ ـ سُبحَانَهُ ـ هُوَ الرَّدُّ إِلى كِتَابهِ ، وَالرَّدُّ إِلى الرَّسُولِ هُوَ الرَّدُّ إِلَيهِ نَفَسِهِ في حَيَاتِهِ وَإِلى سُنَّتِهِ بَعدَ وَفَاتِهِ . إِنَّ عَلَى المُسلِمِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ يُسَلِّمَ قِيَادَهُ لِنُصُوصِ الشَّرعِ حَيثُ تَوَجَّهَت بِهِ ؛ مُتَجَرِّدًا لِلحَقِّ مُبتَعِدًا عَنِ الهَوَى وَالتَّعَصُّبِ ، جَاعِلاً نَهجَهُ وَمَقصِدَهُ طَلَبَ الحَقِّ بِدَلِيلِهِ ، وَمَن فَعَلَ ذَلِكَ هُدِيَ وَوُفِّقَ " وَمَن يَعتَصِم بِاللهِ فَقَد هُدِيَ إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ " وَأَمَّا تَتَبُّعُ الرُّخَصِ فَإِنَّهُ مُخَالَفَةٌ صَرِيحَةٌ لأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَهَدمٌ لِمَقَاصِدِهَا ؛ لأَنَّه اتِّبَاعٌ لِلهَوَى ، وَالشَّرِيعَةُ قَد جَاءَت لِتُخرِجَ الإِنسَانَ مِن دَوَاعِي الهَوَى وَنَهَت عَنِ اتِّبَاعِهِ ، ثُمَّ إِنَّ في تَتَبُّعِ الرُّخصِ تَركَ اتِّبَاعِ الدَّلِيلِ ؛ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَولِهِ ـ تَعَالى ـ : " فَإِن تَنَازَعتُم في شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأوِيلاً " وَفيهِ تَركُ مَا هُوَ مَعلُومٌ إِلى مَا لَيسَ بِمَعلُومٍ . وَفيهِ انخِرَامُ نِظَامِ السِّيَاسَةِ الشَّرعِيَّةِ الَّذِي يَقُومُ عَلَى العَدَالَةِ وَالتَّسوِيَةِ ؛ بِحَيثُ إِذَا انخَرَمَ أَدَّى إِلى الفَوضَى وَالمَظَالِمِ وَتَضيِيعِ الحُقوُقِ بَينَ النَّاسِ . أَلا فَاتَّقُوا اللهَ وَخَافُوا لِقَاءَهُ ، وَتَذَكَّرُوا " إِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبرَى . يَومَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى . وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرَى . فَأَمَّا مَن طَغَى . وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنيَا . فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأوَى . وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى . فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى "





آخر تعديل ناصرعبدالرحمن يوم 30-07-2010 في 07:31 PM.
رد مع اقتباس
#4 (permalink)  
قديم 31-07-2010, 02:45 PM
ناصرعبدالرحمن
.:: مراقب ::.
ناصرعبدالرحمن غير متواجد حالياً
SMS ~ [ + ]
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 787
 تاريخ التسجيل : 17-04-2007
 فترة الأقامة : 6885 يوم
 أخر زيارة : 06-10-2012 (01:31 PM)
 العمر : 47
 المشاركات : 2,069 [ + ]
 التقييم : 39340
 معدل التقييم : ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي ناصرعبدالرحمن عضو الماسي
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: خطب الشيخ عبدالله البصري



وماتوفيقي إلا بالله
18/8/1431هـ
[IMG]file:///C:/Users/user/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image001.g if[/IMG]أَمَّا بَعدُ ، فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ " وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مِن أَمرِهِ يُسرًا "
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، يَتَأَمَّلُ المَرءُ فِيمَن حَولَهُ وَيُقَلِّبُ النَّظَرَ في المُحِيطِينَ بِهِ ، فَيَرَى هَذَا نَشِيطًا في طَاعَةِ رَبِّهِ مُقبِلاً عَلَى عِبَادَتِهِ ، تَخِفُّ نَفسُهُ لِكُلِّ خَيرٍ ، وَتَمتَدُّ يَدُهُ إِلى كُلِّ بِرٍّ ، يُرِيدُ الإِصلاحَ وَيُسهِمُ فِيهِ ، وَيَصنَعُ المَعرُوفَ وَيُعِينُ عَلَيهِ ، وَيَرَى ذَاكَ كَسُولاً عَمَّا يُقَرِّبُهُ إِلى مَولاهُ غَافِلاً عَن شُكرِ نِعمَتِهِ ، يُسِيءُ وَلا يُحسِنُ ، وَيَقطَعُ وَلا يَصِلُ ، وَيُفسِدُ وَلا يُصلِحُ ، وَيُخَذِّلُ وَلا يُعِينُ ، وَيَرجِعُ المَرءُ البَصَرَ كَرَّةً أُخرَى فَيَتَأَمَّلُ حَالَ النَّاسِ في دُنيَاهُم ، فَيَجِدُ الجَادَّ الحَرِيصَ عَلَى مَا يَنفَعُهُ ، وَيُلفِي الهَازِلَ العَاجِزَ عَمَّا فِيهِ مَصلَحَتُهُ ، بَل وَيَرَى المُشتَغِلَ بما يَضُرُّهُ وَيُهلِكُ نَفسَهُ ، وَفي جَانِبٍ آخَرَ أَعمَقَ وَأَدَقَّ يَرَى العُلَمَاءَ وَالدُّعَاةَ وَالوُعَّاظَ ، يَقضِي كَثِيرٌ مِنهُم حَيَاتَهُ بَينَ عِبَادَةٍ وَدَعوَةٍ وَنَفعٍ لِلنَّاسِ وَنَشرٍ لِلعِلمِ وَدَعمٍ لِلخَيرِ ، ثُمَّ مَا يَزَالُ عَلَى هَذَا حَتَّى يَتَوَفَّاهُ رَبُّهُ وَالأَلسِنَةُ لا تَكِلُّ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَيهِ وَطَلَبِ الرَّحمَةِ لَهُ كُلَّمَا ذَكَرَتهُ ، وَآخَرُونَ يَتَذَبذَبُونَ يَمنَةً وَيَسرَةً ، وَيَلمَعُ نَجمُهُم فَترَةً ثُمَّ يَخبُو فَترَةً ، بَل وَقَد يَتَحَوَّلُونَ دُعَاةً لِلبَاطِلِ مُثِيرِينَ لِلفِتنَةِ ، مُضِلِّينَ لِلنَّاسِ بِبَعضِ أَقوَالِهِمُ الشَّاذَّةِ وَأَفعَالِهِمُ المُنكَرَةِ ، وَقَد يَمضِي بَعضُهُم إِلى رَبِّهِ وَالأُمَّةُ بَعدَهُ تَتَجَرَّعُ مَرَارَةَ شُبُهَاتِهِ وَتَكتَوِي بِنَارِ ضَلالاتِهِ ، وَيَتَسَاءَلُ المَرءُ بَعدَ ذَلِكَ : مَا بَالُ هَذَا التَّنَوُّعِ في دُنيَا النَّاسِ وَمَا مَنشَؤُهُ ؟! أَلَيسَ لِكُلٍّ مِنهُم قَلبٌ وَعَقلٌ وَفَهمٌ ؟! أَلَيسُوا يَسمَعُونَ وَيُبصِرُونَ ؟! وَحينَئِذٍ يَأتِيهِ الجَوَابُ مِن طَرفٍ خَفِيٍّ : بَلَى إِنَّهُم لَكَذَلِكَ ، وَقَد يَملِكُ بَعضُهُم مِنَ القُدُرَاتِ مَا يَعجِزُ عَنهُ الآلافُ مِنَ النَّاسِ ، وَلَكِنَّهُ التَّوفِيقُ وَالخِذلانُ . نَعَم ، إِنَّهُ تَوفِيقُ اللهِ لِمَن عَلِمَ فِيهِ الخَيرَ ، وَخِذلانُهُ لِمَن عَلِمَ أَنَّهُ دُونَ ذَلِكَ . قَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ : وَقَد أَجمَعَ العَارِفُونَ بِاللهِ أَنَّ التَّوفِيقَ هُوَ أَلاَّ يَكِلَكَ اللهُ إِلى نَفسِكَ ، وَأَنَّ الخِذلانَ هُوَ أَن يُخَلِّيَ بَينَكَ وَبَينَ نَفسِكَ ، فَالعَبِيدُ مُتَقَلِّبُونَ بَينَ تَوفِيقِهِ وَخِذلانِهِ ، بَلِ العَبدُ في السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ يَنَالُ نَصِيبَهُ مِن هَذَا وَهَذَا ، فَيُطِيعُهُ وَيُرضِيهِ وَيَذكُرُهُ وَيَشكُرُهُ بِتَوفِيقِهِ لَهُ ، ثُمَّ يَعصِيهِ وَيُخَالِفُهُ وَيُسخِطُهُ وَيَغفَلُ عَنهُ بِخِذلانِهِ لَهُ ، فَهُوَ دَائِرٌ بَينَ تَوفِيقِهِ وَخِذلانِهِ ، فَإِنْ وَفَّقَهُ فَبِفَضلِهِ وَرَحمَتِهِ ، وَإِنْ خَذَلَهُ فَبِعَدلِهِ وَحِكمَتِهِ ، وَهُوَ المَحمُودُ عَلَى هَذَا وَهَذَا لَهُ أَتَمُّ حَمدٍ وَأَكمَلُهُ ، وَلم يَمنَعِ العَبدَ شَيئًا هُوَ لَهُ ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مَا هُوَ مُجَرَّدُ فَضلِهِ وَعَطَائِهِ ، وَهُوَ أَعلَمُ حَيثُ يَضَعُهُ وَأَينَ يَجعَلُهُ .
وَيَقُولُ قَائِلٌ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ : وَمَا الفَائِدَةُ مِنِ استِحضَارِ مِثلِ هَذَا ؟! وَهَل لي في جَلبِ التَّوفِيقِ لِنَفسِي يَدٌ فَأَجتَهِدَ في جَلبِهِ وَأَسعَى إِلَيهِ ؟ وَهَل أَملِكُ دَفعَ الخِذلانِ عَنهَا فَأَعمَلَ عَلَى دَفعِهِ وَرَفعِهِ ؟! فَيُقَالُ : أَمَّا الفَائِدَةُ مِنِ استِحضَارِ مِثلِ هَذَا فَإِنَّهَا كَبِيرَةٌ وَعَظِيمَةٌ ، ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى استَحضَرَ العَبدُ هَذَا وَأَعطَاهُ حَقَّهُ ، عَلِمَ شِدَّةَ ضَرُورَتِهِ إِلى التَّوفِيقِ في كُلِّ نَفَسٍ وَكُلِّ لَحْظٍ ، وَأَنَّ إِيمَانَهُ وَتَوحِيدَهُ بِيَدِ رَبِّهِ ـ تَعَالى ـ لا يُمسِكُهُ إِلاَّ هُوَ ـ سُبحَانَهُ ـ وَلَو تَخَلَّى عَنهُ طَرفَةَ عَينٍ وَوَكَلَهُ إِلى نَفسِهِ لَضَلَّ وَزَلَّ ، وَلَفَقَدَ إِيمَانَهُ وَسُلِبَ تَوحِيدَهُ ، وَلَعَجِزَ عَن أَن يَعمَلَ مِنَ الصَّالِحَاتِ شَيئًا . وَأَمَّا مِفتَاحُ التَّوفِيقِ الَّذِي يَجمُلُ بِالعَبدِ مَعرِفَتُهُ وَاستِعمَالُهُ وَالاحتِفَاظُ بِهِ ، فَإِنَّهُ الافتِقَارُ إِلى اللهِ وَالالتِجَاءُ إِلَيهِ وَالإِقبَالُ عَلَيهِ ، وَصِدقُ الرَّغبَةِ وَالرَّهبَةِ إِلَيهِ ، وَسُؤَالُهُ التَّوفِيقَ وَالاستِعَاذَةُ بِهِ مِنَ الخِذلانِ ، فَمَتَى أَعطَى اللهُ العَبدَ هَذَا المِفتَاحَ فَقَد فَتَحَ لَهُ التَّوفِيقَ ، وَمَتَى أَضَلَّهُ عَنهُ بَقِيَ بَابُ الخَيرِ دُونَهُ مُرتَجًا . وَعَلَى قَدرِ نِيَّةِ العَبدِ وَهِمَّتِهِ وَرَغبتِهِ في الخَيرِ يَكُونُ تَوفِيقُ اللهِ ـ سُبحَانَهُ ـ لَهُ وَإِعَانَتُهُ إِيَّاهُ ، فَالمَعُونَةُ مِنَ اللهِ تَنزِلُ عَلَى العِبَادِ عَلى قَدرِ ثَبَاتِهِم وَرَغبَتِهِم وَرَهبَتِهِم ، وَالخِذلانُ يَنزِلُ عَلَيهِم عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ ، وَاللهُ ـ سُبحَانَهُ ـ أَحكَمُ الحَاكِمِينَ وَأَعلَمُ العَالِمِينَ ، يَضَعُ التَّوفِيقَ في مَوَاضِعِهِ اللاَّئِقَةِ بِهِ ، وَيَضَعُ الخِذلانَ في مَوَاضِعِهِ اللاَّئِقَةِ بِهِ ، وَكُلَّمَا كَانَت نَفسُ العَبدِ شَريفَةً كَبيرَةً لم تَرضَ مِنَ الأَشيَاءِ إِلاَّ بِأَكمَلِهَا وَأَعلاهَا ، وَلم تَقبَلْ مِنهَا إِلاَّ أَفضَلَهَا وَأَسمَاهَا ، وَلم تَشتَغِلْ إِلاَّ بِأَحمَدِهَا عَاقِبَةً وَأَوفَاهَا ، وَكُلَّمَا كَانَتِ النَّفسُ دَنيئَةً صَغيرَةً لم تَحُمْ إِلاَّ حَولَ صَغَائِرِ الأُمُورِ ، وَلم تَقَعْ إِلاَّ عَلَى الدَّنيءِ مِنهَا وَالحَقِيرِ ، كَمَا يَقَعُ الذُّبَابُ عَلَى الجُرُوحِ وَالأَقذَارِ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " قَد أَفلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَد خَابَ مَن دَسَّاهَا " أَيْ أَفلَحَ مَن كَبَّرَهَا وَكَثَّرَهَا وَنَمَّاهَا بِطَاعَةِ اللهِ ، وَخَابَ مَن صَغَّرَهَا وَحَقَّرَهُا بِمَعَاصِي اللهِ ، وَمِن عَدلِ اللهِ أَنَّ كُلَّ نَفسٍ تَمِيلُ إِلى مَا يُنَاسِبُهَا وَيُشَاكِلُهَا ، قَالَ ـ تَعَالى ـ : " قُل كُلٌّ يَعمَلُ عَلى شَاكِلَتِهِ " أَيْ عَلَى مَا يُشَاكِلُهُ وَيُنَاسِبُهُ ، وَيُوَافِقُ أَخلاقَهُ وَطَبِيعَتَهُ ، وَيَجرِي عَلَى طَريقَتِهِ وَمَذهَبِهِ ، وَيُطَابِقُ عَادَاتِهِ الَّتي أَلِفَهَا وَصِفَاتِهِ الَّتي جُبِلَ عَلَيهَا ، فَالمُؤمِنُ يَعمَلُ بما يُشَاكِلُهُ مِن شُكرِ المُنعِمِ وَمَحَبَّتِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ وَالتَّوَدُّدِ إِلَيهِ ، وَالحَيَاءِ مِنهُ وَالمُرَاقَبَةِ لَهُ وَتَعظِيمِهِ وَإِجلالِهِ ، وَالفَاجِرُ يَعمَلُ بما يُشبِهُ طَريقَتَهُ مِن مُقَابَلَةِ النِّعَمِ بِالمَعَاصِي وَالإِعرَاضِ عَنِ المُنعِمِ المُتَفَضِّلِ ، وَإِذَا عَلِمَ اللهُ ـ سُبحَانَهُ ـ مِن قَلبِ عَبدٍ أَنَّهُ سَيَشكُرُ وَفَّقَهُ لِلخَيرِ وَزَادَهُ ، وَإِذَا عَلِمَ مِنهُ أَنَّهُ سَيَكفُرُ خَذَلَهُ وَتَخَلَّى عَنهُ ، قَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ البُكمُ الَّذينَ لا يَعقِلُونَ وَلَو عَلِمَ اللهُ فِيهِم خَيرًا لأَسمَعَهُم وَلَو أَسمَعَهُم لَتَوَلَّوا وَهُم مُعرِضُونَ " وَقَد وَفَّقَ اللهُ ـ تَعَالى ـ بِرَحمَتِهِ نَبِيَّهُ سُلَيمَانَ ـ عَلَيهِ السَّلامُ ـ لَمَّا أَنعَمَ عَلَيهِ فَشَكَرَ " قَالَ هَذَا مِن فَضلِ رَبِّي لِيَبلُوَني أَأَشكُرُ أَم أَكفُرُ " وَخَذَلَ بِعَدلِهِ قَارُونَ حَيثُ كَفَرَ " قَالَ إِنَّمَا أُوتيتُهُ عَلَى عِلمٍ عِندِي " أَلا فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَأَحسِنُوا النِّيَّةَ ، وَاسأَلُوا رَبَّكُمُ التَّوفِيقَ وَلا تَتَوَاكَلُوا عَلَى جُهُودِكُم وَلا تَعتَمِدُوا عَلى قُوَاكُم ، وَاحمَدُوا اللهَ الَّذِي " حَبَّبَ إِلَيكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُم وَكَرَّهَ إِلَيكُمُ الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ . فَضلاً مِنَ اللهِ وَنِعمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " وَاستَعِينُوا بِاللهِ وَلا تَعجِزُوا ، فَإِنَّهُ :
إِذَا لَم يَكُن عَونٌ مِنَ اللهِ لِلفَتَىً
فَأَوَّلُ مَا يَجني عَلَيهِ اجتِهَادُهُ
قَالَ بَعضُ السَّلَفِ : فَوَاتِحُ التَّقوَى حُسنُ النِّيَّةِ ، وَخَوَاتِيمُهَا التَّوفِيقُ ، وَالعَبدُ فِيمَا بَينَ ذَلِكَ بَينَ هَلَكَاتٍ وَشُبُهَاتٍ ، وَنَفْسٍ تَحطِبُ عَلى شُلْوِهَا ، وَعَدُوٍّ مَكِيدٍ غَيرِ غَافِلٍ وَلا عَاجِزٍ ، ثُمَّ قَرَأَ : " إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُم عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا " وَيُروَى عَن سَالِمِ بنِ عَبدِاللهِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلى عُمَرَ بنِ عَبدِالعَزِيزِ ـ رَحِمَهُمَا اللهُ ـ قَائِلاً : اِعلَمْ يَا عُمَرُ أَنَّ اللهَ ـ تَعَالى ـ عَونٌ لِلعَبدِ بِقَدرِ النِّيَّةِ ، فَمَن تَمَّت نِيَّتُهُ تَمَّ عَونُ اللهِ ـ تَعَالى ـ إِيَّاهُ ، وَمَن قَصُرَت عَنهُ نِيَّتُهُ قَصُرَ عَنهُ مِن عَونِ اللهِ ـ تَعَالى ـ بِقَدرِ ذَلِكَ ، وَقَد قَالَ اللهُ ـ تَعَالى ـ في تَصدِيقِ ذَلِكَ : " إِنْ يُرِيدَا إِصلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَينَهُمَا " فَجَعَلَ سَبَبَ التَّوفِيقِ إِرَادَةَ الإِصلاحِ ؛ فَذَلِكَ هُوَ أَوَّلُ التَّوفِيقِ مِنَ المُوَفِّقِ المُصلِحِ لِلعَامِلِ الصَّالِحِ . أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَلَولا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِن أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "


أَمَّا بَعدُ ، فَاتَّقُوا اللهَ ـ تَعَالى ـ كَمَا أَمَرَكُم يُنجِزْ لَكُم مَا وَعَدَكُم " وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرَجًا . وَيَرزُقْهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمرِهِ قَد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدرًا "
أَيُّهَا المُسلِمُونَ ، قَالَ بَعضُ العَارِفِينَ : وَكُلُّ عَمَلٍ وَإِن قَلَّ لا بُدَّ فِيهِ مِن ثَلاثَةِ مَعَانٍ قَدِ استَأثَرَ اللهُ ـ تَعَالى ـ بَتَوَلِّيهَا ، أَوَّلُهَا : التَّوفِيقُ ، وَهُوَ الاتِّفَاقُ أَن يَجمَعَ بَينَكَ وَبَينَ الشَّيءِ ، ثُمَّ القُوَّةُ ، وَهُوَ اسمٌ لِثَبَاتِ الحَرَكَةِ الَّتي هِيَ أَوَّلُ العَقلِ ، ثُمَّ الصَّبرُ ، وَهُوَ تَمَامُ الفِعلِ الَّذِي بِهِ يَتِمُّ ، فَقَد رَدَّ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ هَذِهِ الأُصُولَ الَّتي يَظهَرُ عَنهَا كُلُّ عَمَلٍ إِلَيهِ ، فَقَالَ ـ سُبحَانَهُ ـ : " وَمَا تَوفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ " وَقَالَ : " مَا شَاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ " وَقَالَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ : " وَاصبِرْ وَمَا صَبرُكَ إِلاَّ بِاللهِ " وَإِنَّهَا لَتَمُرُّ بِكُم ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ مَوَاسِمُ لِلخَيرِ في كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ ، وَيَأتي عَلَيكُم مَوَاسِمُ سَنَوِيَّةٌ لِلعِبَادَةِ وَالتَّزَوُّدِ مِنَ التَّقوَى ، وَبَينَ هَذَا وَهَذَا تُدعَونَ لِلمُسَاهَمَةِ في الخَيرِ وَتُعرَضُ عَلَيكُم مَشرُوعَاتُ البِرِّ ، وَالمُوَفَّقُ في كُلِّ ذَلِكَ مَن وَفَّقَهُ اللهُ وَسَدَّدَهُ وَأَعَانَهُ ، فَقَدَّمَ لِنَفسِهِ وَتَنَوَّعَ إِحسَانُهُ . إِنَّ بَينَ أَيدِيكُم رَمَضَانَ ، شَهرُ العِبَادَةِ وَالإِيمَانِ ، وَمَوسِمُ البِرِّ وَالإِحسَانِ ، فِيهِ صِيَامٌ وَقِيَامٌ ، وَتَفطِيرٌ وَإِطعَامٌ ، وَالجَمعِيَّاتُ الخَيرِيَّةُ قَد أَعَدَّتِ العُدَّةَ لإِعَانَتِكُم عَلَى المُسَاهَمَةِ في الخَيرِ ، وَثَمَّةَ مَشرُوعَاتٌ لِمَكَاتِبِ الدَّعوَةِ وَجَمعِيَّاتِ التَّحفِيظِ ، وَإِنَّ رَمَضَانَ لَتَجتَمِعُ فِيهِ عِبَادَاتٌ جَلِيلَةٌ ، مَن جَمَعَهَا كَانَ حَقِيقًا بِمَوعُودِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ في قَولِهِ : " إِنَّ في الجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِن بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِن ظَاهِرِهَا ، أَعَدَّهَا اللهُ لِمَن أَطعَمَ الطَّعَامَ وَأَفشَى السَّلامَ وَصَلَّى بِاللَّيلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ " فَاسأَلُوا اللهَ أَن يُوَفِّقَكُم لإِدرَاكِ شَهرِ رَمَضَانَ وَصِيَامِهِ وَقِيَامِهِ وَالإِحسَانِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لا تَوفِيقَ إِلاَّ بِاللهِ ، فَتَوَكَّلُوا عَلَيهِ وَتُوبُوا إِلَيهِ ، وَقُولُوا كَمَا قَالَ نَبيُّ اللهِ شُعَيبٌ ـ عَلَيهِ السَّلامُ ـ : " إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصلاحَ مَا استَطَعتُ . وَمَا تَوفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ . عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ " " وَأَحسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحسِنِينَ " " وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِن خَيرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ إِنَّ اللهَ بما تَعمَلُونَ بَصيرٌ "






رد مع اقتباس
#5 (permalink)  
قديم 31-07-2010, 06:33 PM
مجالسي
عضو مجالس الرويضة
مجالسي غير متواجد حالياً
SMS ~ [ + ]
لوني المفضل Cadetblue
 رقم العضوية : 4928
 تاريخ التسجيل : 24-07-2010
 فترة الأقامة : 5691 يوم
 أخر زيارة : 03-08-2010 (08:33 PM)
 المشاركات : 8 [ + ]
 التقييم : 100
 معدل التقييم : مجالسي مجتهد مجالسي مجتهد
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي رد: خطب الشيخ عبدالله البصري



جزى الله ناشر الخير خيرا

أعجبني :

إِذَا لَم يَكُن عَونٌ مِنَ اللهِ لِلفَتَىً
فَأَوَّلُ مَا يَجني عَلَيهِ اجتِهَادُهُ

عز الله صدق ها الشاعر ، ما به إلا الله سبحانه ، بعض الناس تجده يقوم ويطيح ويجتهد ويمكن ما يحصل ما يريد ، يالله وفقنا لكل خير إنك سميع مجيب ...

جزاك الله خيرا يا شيخ ناصر على هذا الجهد الطيب بنقل هذه الخطب المباركة التي عسى الله ينفع بها الجميع ... وإلى الإمام شيخ ناصر




رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
منبر الجامع الجنوبي بالرويضة ****خطبة الشيخ عبد الله البصري في تحريم الإختلاط الغمام الماطر روحانيات 15 17-10-2011 01:39 PM
دعواتكم لسماحة الشيخ عبدالله بن جبرين .. السفير احتواء ما لا يحتوى 11 30-04-2009 12:10 AM
(( الشيخ / عبدالله بن وهق )) سعد بن تويم نشيد الروح 12 28-04-2009 03:34 PM
ننعي لكم خبر وفاة الشيخ حمد بن عبدالله الســلمان عبد العزيز بن عبد الله أخبار الرويضة 15 15-09-2008 01:33 AM
الشيخ / عبدالله الغديان يتعرض لحادث الخفاش الأسود احتواء ما لا يحتوى 11 09-04-2008 01:46 AM


الساعة الآن 10:30 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
- arab-line : Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.3.0 TranZ By Almuhajir
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010

... جميع الحقوق محفوظه لمجالس رويضة العرض لكل العرب ...

.. جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ...ولا تعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر المنتدى..

a.d - i.s.s.w